هذا العدد أردناه خاصا بابن رشيق الكاتب القيروانى المبرز فى فن نقد الشعر والذى طبقت شهرته الآفاق فى الماضى والحاضر وبقى اسمه عالقا بأذهان الجماهير مدلا من طرف خفى على ما كان للقيروان فى فترة معينة من حضارة زاهرة وإشعاع تجاوز الرقعة الصغيرة لافريقية ليمتد الى المغرب العربى بأكمله ويصل الى الضفة الاخرى من البحر المتوسط .
وقد ارادت القيروان فى هذه الايام الاخيرة بما أوجدته من هياكل أساسية ثقافية هامة ان تحتضن ملتقى نظمه اتحاد الكتاب التونسيين بالتعاون مع وزارة الثقافة وخصصه لابن رشيق والنقد الادبى بحثا ودرسا . وكانت حصيلة هذا الملتقى من البحوث والدراسات والقصائد التى ألقيت بالمناسبة وحامت حول ابن رشيق وما أثير بشأنه من نظريات وآراء ، إضافة هامة أحببنا أن نشرك القراء الكرام فى الاستفادة منها وتوسيع نطاق انتشارها حتى لا يكون حظها كحظ الكثير من مثيلاتها أى أن تقبع فى الرفوف ويتراكم عليها الغبار فى انتظار من يخلصها من أسر الاهمال والأمانى .
ونحن بهذه المناسبة نعتذر لقرائنا الكرام وخاصة للكتاب والشعراء الذين يساهمون بانتاجهم فى إثراء الأدب التونسى بواسطة مجلتنا عن التأخير فى نشر آثارهم وما نكلفهم من انتظار بروز ما تجود به قرائحهم مما يؤدى ببعض الشبان منهم الى الاستياء وتقديم العرائض رغبة فى الاسراع بنشر باكورة أدبهم على صفحات مجلتنا وهو مما يدعونا الى الاعتزاز بهذه الظاهرة لأنها تبرز لنا مدى الثقة التى ظفرت بها محلة الفكر لدى هؤلاء الشباب فى تنافسهم وتحمسهم للمساهمة فيها .
على أننا متيقنون من أن اقدامنا على مثل هذه الاعداد الممتازة يلقى من القراء عناية مرموقة ويعد مساهمة فى التعريف بما يجد فى حقل الثقافة والادب فى بلادنا ، خاصة وان من المساهمين فى هذا العدد من لم يتمكن من حضور الملتقى وأرادوا إفراد مجلة الفكر بانتاجهم ونحن نشكرهم على هذا جزيل الشكر .
كما لا يفوتنا التنبيه الى اننا اقتصرنا فى هذا العدد على نشر بعض الدراسات والقصائد لا زهدا فى البقية وهى التى كانت فى الملتقى مجالا للنقاش والملاظة بل اعتبارا لتكاليف الطبع التى ما فتئت ترتفع وتتفاقم بين الفينة والفينة وعلمنا بأن وزارة الثقافة تعتزم نشر كل ما تم بالملتقى من دراسات وقصائد ونقاش فى كتيب خاص تعميما للفائدة واتماما لها .
وعلى كل فان تكرار هذه الملتقيات والحلقات الدراسية وما يتبعها من نشر وتعليقات وحوار سواء نظمها اتحاد الكتاب التونسيين او وزارة الثقافة او اللجنة الثقافية القومية او اللجان الثقافية الجهوية او غيرها من المؤسسات إنما هو الذى يخدم بالذات ما نصبو اليه من نهضة ثقافية شاملة بدونها لا يكون للنهضة الاقتصادية والازدهار المادى والتطور الاجتماعى معنى .
وإن فى هذه اللقاءات الادبية والفكرية فوائد جمة وخاصة اذا كانت على صعيد اوسع من الرقعة التونسية إذ هى تتيح الفرصة لرجال الادب والفكر من العالم العربى وغيرهم ليناظروا بين آرائهم ويعدلوا اتجاهاتهم ويكملوا معلوماتهم . ولكن هذه الملتقيات التى ليست هى علمية بحتة ولا حلقات ضيقة تجمع بين المختصين لا تكون فائدتها شاملة الا اذا حققت أهدافا معينة أراها ثلاثة . -
فأول هذه الاهداف هو الانكباب بالبحث والتنقيب والاشهار على تراث أدبى وفكرى وعلمى يتعلق بما تركه أعلام عاشوا فى هذه الديار ولم يلاقوا ، وإن طبقت شهرتهم الآفاق فى بعض الاحيان ، العناية الكافية لابراز أهم ما جادت به قرائحهم بالصورة التى عرفناها بالنسبة لكتاب المشرق وشعرائهم من أمثال أبى نواس وأبى العتاهية وابن المقفع والجاحظ اذ تبارى فى حصحصة آثارهم أعلام كطه حسين وأحمد أمين والعقاد وغيرهم فترجموا بلغة العصر وروحه آراء هؤلاء وأخاييلهم وصورهم وبعثوا فيهم الحياة وحببوهم الى جمهور القراء .
والهدف الثانى هو أن هذه الملتقيات فرصة لجمهور المثقفين ليشاركوا فى تفهم بعض القضايا الفكرية والادبية والثقافية التى تهم حياتهم اليومية وتأخذ بيدهم من مثل قضية اللغة والقضايا الحضارية والثقافية المشابهة ، خاصة وأن هذه القضايا التى تهم تطور المجتمعات وتقدم الامم باقية على مر الدهر تخضع لسنن لا تتبدل إلا فى جزئياتها ، لان الخوف من هذه الملتقيات هو ان تصبح
حلقات من المختصين تهتم بدقائق تصلح لا محالة للدروس الجامعية ويكون مسرحها المخابر ولكنها لا تفيد الجمهور المثقف .
والهدف الثالث هو أن تتخذ الدراسات والبحوث أحدث الاساليب العصرية فى تقصيها للآراء والافكار فتكون فرصة تبرز فيها للجمهور المثقف ما وصل اليه العلم فى مختلف أنحاء العالم من مناهج البحث وطرق التفكير . ذلك أن ما نخشاه هو أن تبقى أساليب معالجة هذه القضايا هى نفسها التى عرفناها عند طه حسن وغيره من أفذاذ النصف الاول من هذا القرن . لهذا يتعين علينا أن ننتبه الى الموضوع الشائك ونوليه العناية الكافية .
ويحق لنا على أساس هذه الأهداف أن نسائل أنفسنا فى كل ملتقى فكرى أو أدبى عن النتائج التى حصلنا عليها ونقول هل أن مهرجان ابن رشيق حقق كل هذه الاهداف ؟ نحن نعتقد أن الدراسات التى يحتويها هذا العدد خدمت بصورة أو بأخرى ما ذكرته ويبقى للقارئ الكريم إبداء رأيه والحكم عليها أولها ؟

