الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ

Share

أيها الضيوف الكرام ، ايها الاصدقاء ، اخوانى وزملائى ،

اسمحوا لي قبل كل شئ بأن ارحب بضيوفنا الكرام الذين تفضلوا فلبوا الدعوة الى المشاركة فى الذكرى الخمسين لوفاة فقيد الشعر والادب المرحوم ابى القاسم الشابى وان اعبر لهم ولكل من هرع الى هذا الحفل ، باسمى الخاص ونيابة عن المجاهد الاكبر الذي تنطلق هذه الذكرى تحت سامي اشرافه ، عن اسمى مشاعر الاكبار والعرفان لما تجشموه من اتعاب للحضور بيننا فى هذه المدينة العزيزة الجميلة ، مدينة توزر التى كانت دوما منبعا للفكر الثاقب ، ومنبتا للعبقريات الخالدة ، وموئلا القاءات عبر العصور ، وملاذا للادباء والشعراء الذين يجدون في مناخها الطيب وواحاتها الممتدة وباسقات النخل فيها ما يرهف الحس ويغذي العاطفة ويملأ النفس صورا واحلاما ، ويدفع الى التأمل والاستقراء والتفكير .

واسمحوا لي كذلك بأن أشكر منظمى هذه الخمسينية . . . وأخص بالذكر اللجنة الثقافية القومية وعلى رأسها الاستاذ محمد الطالب واللجنة الثقافية المحلية وكل الذين ساهموا فى انجاح هذه التظاهرة الثقافية باشراف وزارة الثقافة وبفضل توجيه زميلى وأخى البشير بن سلامة وزير

الثقافة ورعاينه الشخصية وتشجيعه الثمين . وهل أنا فى حاجة كذلك الى الترحيب والتنويه معا برجال الفكر والادب التونسيين الذين اظهروا من الحماس للمشاركة الايجابية فى هذه التظاهرة الثقافية الكبرى وما يشرفهم ويعلي شأنهم ويبشر خيرا بمستقبل الادب والثقافة بهذه الديار

ايها السادة والسيدات ،

فى هذه الارض الطيبة ، المعطاء ، نشأ شاعرنا أبو القاسم الشابى والى أديمها عاد ليجد مثواه الاخير حينما امتدت اليه يد المنون فاقتطفته فى ريعان الشاب . . نغما لما يكتمل نسيجه ، وارادة حياة لما تستقر بعد . . وتوقا مكبوتا يغالب المرض والموت . . وأريجا ينساب ويفوح ويضوع . . ويكون له فى النفوس من الوقع والسحر والتأثير ما يجعلها تشعر بنشوة جذلى هى مزيج من الرضى . . . والاطمئنان ومن الثورة على ما كان . .

ابو القاسم الشابي !! وهل لى أن أنسى فى مثل هذا المقام الذي أرى فيه الكثير من اخواننا الذين قدموا من المشرق للاحتفاء بذكراه انه كان جسرا بين جناحى الامة العربية وانه من خلال صوته العذب . . . وقصائده الرائعة التى نشرتها له مجلة " ابولو " تعرف قراء المشرق وأدباؤها على شاعر مطبوع حساس من المغرب العربى . . من تونس بالذات رغم القطيعة التى عمل الاستعمار على ترسيخها بين شقى الامة العربية وهذا السد الذى اقامه بين ادباء المشرق والمغرب . . والذى صور لبعض اخواننا في الشرق ان هذه الرقعة من الارض قد أضاعت هويتها وانسلخت عن ذاتها وابتعدت عن لغتها . . وانصهرت وذابت في المستعمر لغة وادبا وثقافة . . حتى إذا ما انتهى اليهم هذا الصوت الشجى الساحر . . لفت النظر . . وهز الادباء والقراء هزا . وجعلهم يشيمون فى هذا الشاب الجرئ .. ما يؤذن بتباشير فجر جديد في الشعر العربى ، ناهيك ان رجلا في شهرة الدكتور زكي ابى شادي صاحب مجلة أبولو ... وهو من هو بعد صيت وعمق تفكير وغزارة انتاج . . يقبل ان يخرج للناس بديوانه " الينبوع " مقدما من طرف صديقه المرحوم ابي القاسم الشابى.

لقد كان شاعرنا ظاهرة فريدة نشأ كما قال شقيقه المرحوم الامين الشابى .. " بين الحربين العالميتين الاولى والثانية ، أيام كان العالم العربى يتعثر بين حاضره الاليم وماضيه القريب المنقوص ، ودعاة الاصلاح

- وانصار الجديد في تلك الفترة الانتقالية ، انما يلقون جحودا واذى لا تزيدهما سيطرة الغرب على الشرق ، وشموخه بحضارته ، ووثوقه بمصيره الا احتداما وسطوة لدى فريق واسع من الخاصة والعامة السواء " .

فلا عجب ان يكون قد تأثر بما يجد على الساحة العربية وما يجد فى وطنه وان يكون صدى لهذه التفاعلات المتداخلة المختلفة والتى تتوق كلها الى تكسنير الحدود والقيود وتغيير ما هو موجود . . انطلاقا من الواقع واستقراء له . . ولقد سبق لى ان اشرت في مقال كتبته عن الشابي سنة 1975 الى انه من غريب الامور ان ابا القاسم الشابي يموت في السنة ذاتها ( 9 اكتوبر 1934 ) التى ولد فيها الحزب الدستورى التونسي الجديد ( 2 مارس 1934 ) وامتزج زعماؤه بالشعب وساروا معه وامامه في درب الكفاح الجدى والمجدى . . ونحن نعلم اليوم انه حضر اجتماعا شعبيا بمعقل الزعيم او بجامع " الحلق " ( ربما كان ذلك يوم 14 مارس 1934 ) دعا اليه الزعيم الحبيب بورقيبة وشاهد لاول مرة فى حياته مظاهرة يقودها رجال النخبة بعد ان كان " الزعماء " يكتفون فيما مضى باصدار الاوامر والاختفاء فى المكاتب ، تاركين الجماهير وشأنها " .

هذا جانب مما عاشه وتأثر به ولكنه كان من ناحية اخرى نتيجة لما كان يدور على الساحة الادبية فهناك المدرسة الكلاسيكية الحديثة التى كان يتزعمها شوقى فى الشرق ويتربع على امارتها فى الشعر .. والشاذلى خزندار فى تونس . . وهناك المجددون او ما كان يسمى بتيار " الديوان " الذى كان يتزعمه محمود عباس العقاد وابراهيم عبد القادر المازنى . وهناك تيار آخر أقرب الى نفسه وأشد بها التصاقا .. وهو تيار التجديد فى الظرف والمظروف الذي كان يمثله شعراء المهجر من امثال ايليا ابى ماضى فجبران خليل جبران وغيرهما .. غير ان الذي يلفت النظر هو ان ابا القاسم الشابى وسط كل هذه التيارات لم يذب في واحد منها ولم ينصهر فيها انصهارا كاملا اذ لم تطغ عليه نزعة الرومنطقية الباكية . . الموغلة فى ضبابية التشاؤم بل خط له طريقة عبر من خلالها عن كل ما تدوى به نفسه من معانى الوجود . وترنم بآماله واحلامه وصور احيانا مأساته وشدة يأسه .. ولكن أحاسيسه كانت تنصب كلها فى حبه لوطنه .. فاذا هى نقمة على الجمود واذا هى براكين تذوب منها الحجارة واذا هي دعوة الى تكسير

الاغلال واعتناق الحياة . . واذا هو نغم نابع من الاعماق . . واذا هو شعر رقراق ودفق من الحس يأخذ بمجامع القلوب ويعطى الوجود معناه .. وبعد مداه :

انا يا تونس الجميلة في لج                      الهوى قد سبحت اى سباحه

شرعتى حبك العميق وانى                      قد تذوقت مره وقراحه

ان ذا عصر ظلمة غير انى                     من وراء الظلام شمت صباحه

ضيع الدهر مجد شعبى ولكن                  سترد الحياة يوما وشاحه

ان ما يميز الشابي في نظرى . . هو ايمانه بالحياة فى أسمى معانيها مع ما تتطلبه من جهد ونضال وتقتضيه من تحد وصبر وما تستلزمه من مواجهة ومغالبة للموت . انظر اليه وهو يقول بعد موت أبيه :

ما كنت احسب بعد موتك يا أبى                ومشاعرى عمياء بالاحزان

انى ساظمأ للحياة ، واحتسى                   من وراء الظلام شمت صباحه

واعود للدنيا بقلب خافق                       للحب ، والافراح ، والالحان

ولكل ما فى الكون من صور المني              وغرائب الاهواء والاشجان

واستمع اليه يقول :

ان الحياة صراع                   فيها الضعيف يداس

ما فاز فى ماضغيها               الا شديد المراس

ان الشعر بالنسبة للشابى .. عمل وخلق وتوهج وعاطفة وطاقة متدفقة فالشعر عنده متجاوز للحدود ، متمرد دوما ، شيمته السبق والتنبؤ ، كفاه نبلا واصالة انه الدواء الواقى من الجمود والرتابة والتعود ، لانه اندهاش ايجابى ، وصدمة منعشة ، يفضيان الى استكناه جوهر الحياة المتدفقة ومعانقتها . . كفى الشعر فخرا انه فى صميمه " تقصى وجود الجوهر فى جوهر الوجود " . لذلك نرى الشابى رغم حساسيته ورقة نفسه وميله الى استقراء الذات والتأمل  .. يوظف قصيده لشحذ العزائم واستنهاض الهمم ، خدمة للرأى العام ، وسعيا لتخليص الشخصية التونسية العربية الاسلامية

مما يهددها من اخطار التفسخ والاستلاب . " اذ كان يسعى من منطلقه الخاص شانه شان كل تونسي واع ، الى الكشف عن المخاطر التى تهدد هذه الشخصية " ويدعو الى الصمود والثورة على الاوضاع البالية . . . وهذا قصيده " ارادة الحياة " ما زالت تردده الالسن . . ويتغني به كل عربى يتوق الى تكسير اغلاله والانتصار على اعدائه :

اذا الشعب يوما اراد الحياة                فلا بد ان يستجيب القدر

ولا بد لليل ان ينجلى                    ولا بد للقيد ان ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة                 تبخر فى جوها واندثر

" نعم ، لقد كان الشابى شاعرا وطنيا وعربيا وانسانيا ، تتداول كل الالسن مأثره الخالدة . فثورته على واقعه فى ذلك الوقت انما كانت ثورة تغنى كل عربي يعيش نفس ظروف الذل والمهانة وظروف الانسان حيثما كان فى طموحه الى الحرية والانعتاق والاستقلال ... فهو الشاعر بحق الذي تتأجج فى صدره تفاعلات الواقع فينطقها فى لغة مشرقة واسلوب فريد " . . وهو وان غلبت على شعره احيانا مسحة من الحزن والكآبة او طغى عليه الانفعال والغضب فهدد بالعزلة والانفصال عن مجتمعه . .

اننى ذاهب الى الغاب ، يا شعبى لاقضى الحياة ، وحدى ، بياس

اننى ذاهب الى الغاب ، على فى صميم الغابات ادفن بؤسي

ثم انساك ما استطمت ، فما أنت باهل لخمرتي ولكأسي

فهو باق على ايمانه .. صامد صمود الجبار بل ان تهديده تهديد المحب المدنف . . الذى ينشد الكمال فى الحبيب وبذوب فيه هياما وعشقا .

ان الشابى قد واجه العواصف وتصدى للاصوات الخانقة التى كانت تعلو ضده .. وقد صاغ ذلك فى قصيده : " نشيد الجبار " :

سأعيش رغم الداء والاعداء                كالنسر فوق القمة الشماء

ارنو الى الشمس المضيئة هازئا              بالسحب والامطار والانواء

واسير فى دنيا المشاعر حالما                غردا وتلك سعادة الشعراء

اصعي لموسيقى الحياة ووحيها             وأذيب روح الكون فى انشائى

وتصدى للطغاة المستعمرين فهاجمهم ولم يخش كيدهم . .

الا أيها الظالم المستبد                     حبيب الظلام عدو الحياه

سخرت بانات شعب ضعيف            وكفك مخضوبة من دماه

وسرت تشوه سحر الوجود              وتبذر شوك الاسى فى وباه

رويدك لا يخدعنك الربيع               وصحو الفضاء وضوء الصباح

قفى الافق الرحب هول الظلام        وقصف الرعود وعصف الرياح

حذار فتحت الرماد اللهيب           ومن يبذر الشوك يجن الجراح

رحم الله ابا القاسم . . لقد عاش عمر الربيع . . ولكن حياته القصيرة كانت مضمخة بالحب . . حب الطبيعة والجمال . . حب الفن والادب . . حب الانسانية والوطن .. لقد ذوى .. ومات .. ولكن صوته بقى مدويا فينا وشعره خالدا على الدهر . . نترنم به ونتغني . فنجد له نكهة موصولة .. وصفاء لا يبلى .

وشكرا لكم على حسن اصغائكم . . مع تمنياتى لكم بالتوفيق في اعمالكم

اشترك في نشرتنا البريدية