يطالع القارىء في هذا العدد ثلاث مقالات يضع فيها اصحابها على بساط البحث - مباشرة او غير مباشرة - مشكل الثقافة والمثقفين بتونس ودورهم في بعث الأدب واحياء التراث القومى ، مرددين أصداء الاجتماع الذى انعقد في 24 نوفمبر المنصرم برئاسة الجمهورية حيث دعا سيادة الرئيس الأدباء ورجال الفكر الى العمل وحثهم على الانتاج ، مؤكدا تشجيع الدولة وعزمها على توفير اسباب بعث الفكر واشعاع الثقافة بهذه الديار .
ذلك انه يجب بعد الاستبشار بهذه اللفتة الكريمة والعطف السامي ادراك عظمة المسؤولية الملقاة على كاهل رجال الفكر وحملة الاقلام ؛ ولا بد أيضا من استيضاح وضبط اسلوب العمل ومنهاجه بعد تحليل مختلف المعطيات ، اجتنابا لاضاعة الوقت وتشتيت الجهود . يجب ان يعى المثقف دوره في المجتمع ويتحسس القيم الواجبة الاعتماد ليندرج الاثر الادبى في المجهود الجماعي الرامي الى تبديل الاوضاع الموروثة عن عصور الانحطاط المظلمة وعهد الاستعمار البغيض ، وليعبر عن الثورة الكبرى التى تعيشها تونس اليوم فيردد صداها ويحمل مشعلها الى الاجيال الصاعدة ؛ فاذا وفرت الدولة الوسائل المادية للطباعة والنشر والتوزيع واعطت المنح للباحثين و المحققين واغدقت الجوائز على الشعراء والقصاصين فانها تكون بذلك قد قامت بواجبها وهيأت اسبابا جديدة للانطلاقة الادبية الكبرى التى نريدها ببلادنا ؛ ولكن ، ذلك كله لا يكفى ولا يضمن وحده تحقيق ما نصبو .
واجب على الادباء والمفكرين - اذن - الا يبقوا مكتوفى الايدى ، فى انتظار المعجزة ! عليهم ان ينفضوا غبار الكسل والتواكل وان يجتثوا عناصر اليأس من نفوسهم ، وان يشحذوا عزائمهم ويبدأوا العمل الصالح بكل ثقة فى أنفسهم وفى مجتمعهم .
ان لنا في هذه البلاد أدبا وثقافة وعلما ، وان لنا ادباء وشعراء وعلماء ؛ و قد اصبح من المحقق بعث مؤسسة رسمية تعنى بالثقافة القومية وخدمتها داخل البلاد وخارجها ؛ ولا ننس انه تم الاعلان عن تأسيس شركة قومية للنشر والتوزيع ؛ كل ذلك يبشر بخير ويضمن تحقيق أمل كل مخلص لآداب بلاده وثقافتها .
الا ان شيئا مما نرجوه لن يتحقق اذا لم يغير الادباء من نظرتهم الى الاشياء ولم يتحملوا مسؤولياتهم كاملة ، ليفرضوا أنفسهم وليثبتوا حريتهم ويرسموا المعالم الواضحة لشخصياتهم الادبية
واذن فنحن في هذه المجلة - بقدر ما نبتهج بما اعلن عنه اولو الامر فينا نؤكد الدعوة التى طالما وجهناها لاخواننا فى الادب والثقافة مؤكدين ان مفتاح الادب التونسي بأيديهم وان عليهم مسؤولية عظمى وان عظمتهم على قدر اقدامهم وحماسهم وايمانهم برسالة الكلمة .
فليس من الغريب بعد ذلك ان يجد القارىء فى هذا العدد ثلاث مقالات تعالج ((عمل )) المثقفين و (( الثقافة والحرية )) وكيفية (( بعث الادب بتونس )) .
ان الطريق اصبحت واضحة ولم يعد من عذر لانزواء الادباء في المستقبل الا العجز ؛ والاديب قادر خلاق او لايكون .
((الفكر ))

