ان النهضة الثقافية المرتقبة التى يسعى اليها جميع المخلصين فى هذه البلاد والتى يمهد لها انتشار التعليم طبعا لا بد من مؤسسة قائمة بنفسها ، متمتعة بجانب كبير من حرية التصرف والعمل ، لوضع أسسها وتحديد معالمها وتوفير الاسباب المعنوية والمادية للخروج بها من حيز الامكان والقوة الى حيز الواقع والفعل .
واذا كان بعث الثقافة امرا تفرضه حرمة الثقافة نفسها ومقتضياتها لما يشعر به كل مثقف أصيل من حاجة الى توسيع آفاقه واثراء تجربته وتنمية مداركه الادبية والعلمية والفنية ومن حنين الى الكتاب القيم وتأثر باللوحة الزيتية الرائعة ، وتفاعل مع المسرحية او الشريط السنيمائى المعالج لوضع الانسان بحال من الاحوال وميل الى الاثر الموسيقى المحرك للوجدان ، اذا كان بعث الثقافة سعى المثقفين انفسهم من حيث هم ، فان للثقافة وظيفة اخرى فى نطاق الامة ، خاصة اذا كانت ناقصة التطور .
ذلك انه اذا صح ان تخلف الامم الاقتصادى والاجتماعى انما مرده التخلف الفكرى فان من واجبنا ان نجعل الثقافة اداة لرفع مستوى المواطن التونسى وتمكينه من ممارسة الديمقراطية بالاطلاع والنظر فى شؤون البلاد والعالم وحتى يكون مواطنا واعيا يعمل عن روية وتمييز ، فنبسطها ونيسرها ونجعلها فى متناول جميع افراد الشعب وخاصة المواطنين الذين حرمهم الاستعمار من نور العرفان، وذلك بالاكثار من النشريات ، والاسطوانات ، الميسرة - اخراجا وثمنا - وبالعمل الاذاعى البليغ التأثير وبانشاء النوادى وحمل المثقفين على التضحية بشئ من اوقاتهم لالقاء المحاضرات والاشراف على الندوات والمناقشات لا فى تونس العاصمة فحسب بل فى كافة انحاء الجمهورية وكذلك بناء المسارح ودور السنيما وتشجيع الفرق الموسيقية والتمثيلية .
وناحية اخرى يجدر الا تغيب عن تفكيرنا وهى ان الثقافة يجب ان تكون اداة تسلية وترويض بالنسبة للشباب ، المثقف وغير المثقف ، حتى ينشغل بها ويفلت من الفراغ المميت . يجب ان يجد الشباب ، وهو الاغلبية فى هذه البلاد وهو المستقبل، كلما غادر مدرسته او شغله، النادى او الملتقى او الملعب او المسبح حيث يلعب ويتعلم ويتثقف و " يؤثث " فراغه - ان صح التعبير - عوض ان يجوب الشوارع او يتردد على المقاهى والحانات والمراقص ، تلك بعض مظاهر للثقافة ودورها فى حياة البلاد نأمل ان نكون اتممنا بها ما ورد فى افتتاحياتنا السابقة حول هذا الموضوع .
الفكر
