كثيرا ما تعرضنا فى افتتاحياتنا الى شؤون الثقافة بهذه البلاد وعبرنا عن رأينا فيما رصد من طاقات وهيئ من أسباب وما يحسن - فى نظرنا - توفيره واعداده كى تزدهر الحركة الثقافية وتهب ريح التأليف ويسطع نجم الأدب والفكر في ديارنا .
واذا ما توجهنا بانظارنا اليوم إلى ما ينجز فى داخل الجمهورية لاحظنا بكل ارتياح أن النشاط الثقافي متزايد والعناية بالتراث الفكرى واحيائه مطردة الازدياد
فهذه اللجان الثقافية تبعث فى كامل الولايات فتلقى المحاضرات وتمثل المسرحيات وتؤسس نوادى السينما ويشتد ولوع الشباب بالموسيقى الاصيلة المهذبة ، وتقام المتاحف للمحافظة على ما تكتشفه كل جهة من كنوز أثرية ولجمع ملامح الشخصية الثقافية الجهوية من فلكلور وازياء وعادات وكل ما يعبر عن الروح الشعبية الباقية المتطورة فى آن واحد وهذه جهود الولاة والبلديات تتضاعف فيؤمن الجميع بان تأسيس دور الشعب ودور الشباب والنوادى والمتاحف والملاعب لا يقل أهمية عن تعبيد الطرقات وانارة الشوارع وتسييج المقابر وبناء المقاهى
والى جانب ذلك تنظم المهرجانات وحلقات الدرس والملتقيات والتربصات فيجتمع الشباب ويتعارفون ويشاركون فى شتى المسابقات والمباريات سواء فى الشعر او التمثيل او الرسم او الشطرنج او الرياضة البدنية فيكتملون بذلك ما لقنوه بالمدرسة فتتهذب أذواقهم وتتفتح آفاقهم وتزكي مداركهم فيصبحون أقدر على الخلق الادبى والانتاج الثقافي وأسبق الى العمل الصالح الايجابى .
وان هذه الحيوية وهذا النشاط والوعى الجديد بالحاجة الى الثقافة ليست بالامر الغريب ، اذ النهضة بالبشر التى هى غاية تونس وهدف المسؤولين بهذه البلاد وشعار مخططنا لا تقتصر على الهيكل الاساسى وسد الرمق فقط بل تستوجب الرفع من شأن الانسان التونسى وتمكينه من ممارسة انسانية والسمو به الى أعلى مراتب الرفعة المعنوية .
فالمتبع للحركة الثقافية بتونس يجب عليه ان يتجاوز العاصمة ويتطلع الى معالم الحيوية التى تنمو يوما بعد يوم فى كامل جهات الجمهورية ولعله يتفاءل خيرا بعد ذلك بمستقبل ثقافتنا القومية اذ لا ثقافة ولا نهضة ولا تقدم الا اذا توازت الجهود فى القمة والقاعدة معا ثم تركزت المجهودات على الشعب وسعت الى رفع مستواه وبالتالى اذا ساعدت على ايجاد هذا الحوار المتواصل
بين النخبة وسواد الشعب فى مستوى الفكر ، على نحو ما توفر فى ميدان السياسة فكانت الثمار الشهية التى لا ينكرها الا معاند او جاهل بالواقع التونسى .
الفكر
