الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ

Share

هل يحق للمتثقف - ولا نقول " المثقف " تجنبا لما قد ينطوى عليه اسم المفعول من سلبية وانتفاء لمعاني الجهد والخلق وتجاوز الذات المستمر - ان يتحمل مسؤولياته كمواطن وينغمس في حياة الناس اليومية ويضطلع بواجبات سياسية فيكون ملتزما لا كمفكر فحسب - ازاء نفسه وبالاستناد الى سلم القيم الخاص به - بل كذلك كانسان موجود في ملابسات بعينها ، يصل فى سلوكه القول بالفعل ويجسم - أو يحاول - الفكرة واقعا ملموسا

توجه الكاتبة الوجودية " سيمون دى بوفوار"  في الجزء الثالث من يومياتها الذي صدر منذ أسابيع بعنوان " قوة الأشياء " ، اللوم الشديد على بعض المفكرين - وخاصة مالرو - الكاتب الشهير والوزير فى حكومة فرنسا الذين قبلوا بعض " الوظائف " السياسية وانبروا يشيدون بفلسفة الحكم الذي يتحملون مسؤوليته ، ملاحظة ان " وظيفة " الكاتب أو رجل الفكر انما هى " الشهادة " علي ما يجرى حوله ، وتقييم الرجال والأشياء وتسليط الاضواء على هذه " المغارة الظلماء"  - على حد قول افلاطون - التى هى مجتمعنا اليوم! . . . ثم تستثنى رجال الفكر والمتثقين في البلاد النامية ، خصوصا إذا اعوزت هذه البلاد الاطارات الكفءة .

والمسألة -كما ترى - من الاهمية بمكان . وكم وفق نادى " أبو القاسم الشابي " عندما دعا نخبة من المثقفين بهذه البلاد - ومنهم من دعاه داعى الاستقلال وواجب التشييد في تونس الجديدة الثائرة الى الاضطلاع بمسؤوليات جسيمة فى الحكم والقيادة الجماهيرية - الى تحليل هذه القضية وتحديد رسالة المتثقف فى البلاد التى هى فى طريق النمو !

ونحن اذ نعد قراءنا الكرام بالعودة الى هذا الموضوع في أعدادنا القادمة نريد أن نلاحظ في هذه الكلمة أن الواحب والوفاء لاسمى معاني " الفكر" يقتضيان رجل الفكر أن يعمل - عملا كاملا - صادقا بالفكر واللسان والجوارح - من اجل تجسيم ما يراه الحق والخير والجمال والعدالة وكل القيم التى هى حلم البشر والتي " يسبق " المفكر معاصريه فى ادراكها وتشخيصها بعد أن " يصدمهم " ينقد ما جف وجمد من المعاني الموروثة والتصورات الجماعية السلبية ، سواء انتسب الى بلاد متخلفة او متقدمة .

فالمتثقف اذن معول يحطم الاصنام وصوت مجلجل يوقظ الضمائر ونور يهدى الى سواء السبيل ، ثم هو جندى يساهم في الثورة من أجل الغد الاسعد والعالم الافضل ، وهو مدعو بعد تحسس وتوليد القيم الجديدة الحية الى العمل الصادق المجرد من أجل تحقيقها ، بالاشتراك مع الجماعة التى اليها ينتسب ومعها يعيش .

على هذا الاساس تلعب النخبة دورها التاريخي وتجتنب الانزوائية العقيمة والثورية الفوضوية وتكون في طليعة القوى المحركة للتاريخ السائرة بالبشرية الى غدها المشرق وربيعها الزاهر.

اشترك في نشرتنا البريدية