لا يزال النشاط المسرحي متزايدا فى الجمهورية التونسية ، فبعد الأسبوع الحافل الذي نظمته كتابة الدولة للشؤون الثقافية احتفالا بالخطاب المنهجى الذي كان ألقاه السيد رئيس الجمهورية في 7 نوفمبر 1962 ، وما اقيم اثناءه من عديد المهرجانات والمحاضرات والمعارض ، نشاهد بكل ارتياح انه لا يكاد يمر أسبوع من دون أن تمثل فيه فرقنا الوطنية أو الفرق الأجنبية مسرحيات كثيرا ما تجلب جماهير المتفرجين وتثير اعجابهم .
بل ان الرئيس حضر بنفسه في الأسابيع الفارطة رواية " البخيل " التى مثلتها الفرقة البلدية وعبر للممثلين عن اعجابه بهم ورضاه عنهم . ونظمت دار الثقافة في اخر الشهر المنصرم سلسلة من الندوات شارك فيها نخبة من المثقفين عالجوا قضايا المسرح من حيث " الموضوع ، و " البناء " و " الأداء " كما نظم المركز الثقافي العالمي بمدينة الحمامات الجميلة ملتقى شارك فيه منتخب من كبار المخرجين ورجال المسرح العرب والاجانب وتناولوا بالبحث خاصة مشكل " اللغة " في المسرح .
ونحن نعلم ان النشاط المسرحي في تقدم مطرد فى كثير من البلدان العربية وان المجلات في وطننا الأكبر تخصص لقضاياه ودراسة مختلف جوانبه عديد المقالات وحتى الاعداد الخاصة كما فعلت أخيرا الزميلة " المعرفة " السورية.
واننا مع علمنا بأن الحركة المسرحية ظهرت منذ مطلع هذا القرن ببلادنا العربية الا اننا نسجل بكل ارتياح بأن وعي شعوبنا بأهمية المسرح وضرورته في حياتنا الحاضرة بلغ حدا من الارهاف والقوة لم يعرفهما في الماضي البعيد وحتى القريب .
ذلك ان شعوبنا التائقة إلى مستقبل افضل ، الكادحة من أجل الازهار والاكتفاء الذاتي اصبحت تستزيد من " استهلاك " الثقافة الحية وتتطلب " الغذاء " الروحى المستساغ فنيا ، المنعش نفسيا ، الموجه - توجيها ذكيا طبعا ! - مذهبيا .
ان الرواية المسرحية لم تعد في بلادنا الفتية مجرد تسلية وامتاع لأقلية محظوظة ، انها أداة تثقيف للجماهير وطريقة تبصير في البلاد التى تروم خلق الانسان الجديد وتسعى في تجديد القيم وتطمح الى اقرار علاقات جديدة بين البشر ، أساسها الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص .
المسرحية فى البلاد العربية الاشتراكية - كتونس - لا يمكن - طبعا - توجيهها توجيها ضيقا ، لأنها ليست في جوهرها صبا للافكار في قالب حوار ، ولا ترصيفا لمختارات من الخطب الرسمية ؛ المسرحية الأصيلة ، التى نريد ، يجب ان تنبع من نفس الأديب ؛ فعلى الأديب ان " يعيش " وان " يستبطن " وان يتفاعل " مع زمانه وبيئته وأن يسعى الى المستقبل ، الى الخلود ، من زمانه ومكانه ومن خلال " الشهادة " التى هي أمانة يؤديها كل مفكر جدير بالانتساب الى الفكر .
اننا لا نقاوم المسرح " الرمزي " أو " الطلائعي " أو " مسرح اللامعقول " .. طبعا ! ولكننا اردنا أولا ان نسجل المنزلة التى أصبح يتمتع بها المسرح في بلادنا الناهضة وان نبدى رأينا ثانيا في الانتاج المسرحي الذي يجب التوصية به والتشجيع عليه إذا ما كنا اشتراكيين حقا ، أى إذا آمنا بالانسان في حاضره ومستقبله .
وسنعمل من جهتنا على رفع " الستار " عن هذه القضية كلما دعت الحاجة وتوفرت " الأسباب " .
