ان المتصفح للاعداد الماضية من مجلة الفكر وهذا العدد بالخصوص يلاحظ تعدد القصائد واحتلالها مكانة مرموقة بين المقالات والبحوث والقصص . وان هذه الظاهرة قد تدعو القارئ الكريم الى التساؤل عن أسباب طغيان الشعر على الأغراض الأدبية الأخرى وغزوه لجانب كبير من أبواب هذا العدد
وليس من الهين ان نستعرض الأسباب كلها في هذا الركن الضيق من المجلة اذ يستلزم ذلك الاستناد الى عوامل عديدة فلسفية واجتماعية وتاريخية وغيرها ويدعونا إلى أن نفترض افتراضات وتخمينات . أما ظاهرة كثرة الشعر وجودته فى هذه الفترة فهو أمر لا يمكن دحضه خاصة وأن الشعر أصبح فى مقدمة الأغراض الأدبية التى تواكب ثورتنا العارمة وتستمد منها وحيها والهامها وتذب عن مكاسب نهضتنا وتشيع بين الناس مذهبنا فى الحياة وتتغنى بمسيرة الأمة العظيمة قصد تحقيق آمال الجماهير وتهيئة أسباب الرقى والحضارة
وليس من الغريب - فى فترة شعر فيها جميع المواطنين شعورا حادا بمسؤوليتهم - أن يتصدى الشعراء - مهما تباعدت أجيالهم وتغايرت مناهجهم - إلى الخوض فى أغراض لم يعرفها الشعر العربى من قبل ولم يعالجها مثل هذه المعالجة التى تعتمد العقل الحصيف والعاطفة المترشدة وتحتفظ بكل ما فى الشعر من موسيقى وايقاع وصور وخيال .
ألا يلهينا كل هذا عن البحث فى قالب الشعر وصبغته وعموديته وتحرره ويجعلنا نغوص فى جواهر محتوياته ودرر مضامينه وسحر ايقاعاته وخصب خياله ؟ ألا نندفع كلنا الى استقصاء هذا النفس الجديد الذى لا يمكن ألا نلمسه فى هذه القصائد _ بعضها بصفة أدق - ونكتشف أن هذه المعانى الجديدة المقتطعة من الحياة الجديدة أضفت على الشعر ثوبا طريفا هو من نسج العقل والعاطفة فاكتمل اكتمال الانسان المتشبع بانسانيته الغيور على كل مقومات الحياة فيه؟
ألا يحق لنا أن نجزم بأن صباحا يطالعنا من وراء الأفق بأنوار جديدة تضيىء الشعر العربى . كما أضاء الفكر التونسى فى مجال السياسة ليل الشرق الداجى .
ألا يحق لنا أن نقول كما ورد في مقال صدرنا به هذا العدد : " ان دور تونس عظيم وهى بدون شك أمل الفكر العربى الاسلامى فى المستقبل " .
الفكر

