كانت الصائفة الفارطة زاخرة بالنشاط الثقافي بمختلف فروعه وشتى فنونه ، وتوالت المهرجانات الفنية والملتقيات الادبية والإيام الدراسية فكأن الحر اصبح يوقظ الهمم ويلهم القرائح ويدفع الى العمل الصالح بعد أن كان فيما مضى باعثا على الفتور ومرغبا فى الراحة والاستجمام .
وهذا مظهر جديد لعزيمة تونس المستقلة على طي المراحل وسباق الزمان فى سبيل تدارك ما فات والتهيؤ لما هو آت ، واللحاق بركب الحضارة والخروج من طور الاستهلاك والتفرج الى طور الانتاج والفعل .
وانما بوحي من روح الامة الحية المتجددة وبالاخلاص الي اخص خصائصها تبعث الثقافة الاصيلة ويشع الفكر الحق ويكون للقوم منزلة مرموقة بين الأقوام .
لذلك امتازت هذه الفترة التى نعيشها بالخروص على إحياء التاريخ وتعريف شبابنا بأسراره واستخلاص العبر منه .
والى جانب مهرجان " يوغرطة" الذي جلى جوانب هامة من حياة بلادنا فى القرنين الثاني والأول قبل المسيح وأفسح المجال مرة أخرى لأساتذتنا وذوى الإختصاص من ابنائنا كي يسدوا الثغرات العميقة التى تركها المؤرخون الأجانب عند دراستهم تاريخنا أو ينصفوا هذا التاريخ ويخلصوه مما أحاطه به بعض هؤلاء المؤرخين من تشويه ومسخ ، يحق لنا الى جانب ذلك - ان نعتز ونبتهج ببعث مدينة رقادة بعد أن رقدت وطواها النسيان منذ أكثر من الف سنة ، وذلك بفضل عناية السيد رئيس الجمهورية الشخصية التى تمثلت بالخصوص في الأذن بإجراء التنقيبات الضرورية والحفريات اللازمة لاحياء عاصمة " بيت الحكمة " ومهد أحمد بن الجزار واسحاق بن عمران واسماعيل الطلاء . . . وغيرهم من أهل العلوم الرياضية والطبية . . وعبد الملك بن قطن الفهري وابن الوزان والداروني من ذوى الاختصاص فى علوم اللغة والرواية والشعر . . . والأذن - كذلك - ، بعد احياء ما اندثر من معالمها ، بتشييد قصر جمهورى ودعوة رجال الثقافة والشعراء إلى التيبارى بين أروقته والبحث والدرس بحضور رجال الدولة وأهل الفكر .
بذلك نحيى تاريخنا ونبعث أمجادنا ونغذى روح الاعتزاز بالانتساب الى هذا الوطن في نفوس شبابنا .
وبذلك - كذلك - لا نكتفي بأن نردد : تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار بل نهب هذه الآثار الحياة وننطلق منها الى تكييف حاضرنا وتخطيط مستقبلنا ، ونقتس من روعتها وجلالها لنفعل كما فعل أجدادنا واكثر ! ونجتهد كما اجتهدوا وابعد !
لان الشجرة المباركة لا تنتشر اغصانها فى الفضاء ولا تورق وتثمر إلا إذا امتدت جذورها في الأرض وارتوت من الماء الزلال الذي تزخر به الأعماق
الفكر

