عندما يصدر هذا العدد في فاتح السنة الجديدة يكون الرواد الامير كيون الثلاثة ، الذين امتطوا المركبة الفضائية للاقتراب من القمر والتمهيد لعملية الاقمار المقبلة ، يكونون قد رجعوا الى الارض وحققوا حلما كان يعتبره العقلاء من البشر مستحيلا ، ويظنه الخلاقون من الكتاب والشعراء ضربا من الخيال المجنح ، ولونا من ألوان تيه الانسان فى مغابن المجهول وزائف المغامرة قصد بعث البشرية نحو التقدم المستمر ، وحثها على ألا تقف فى حدود الواقع والمعقول المنسابين من الفكر النير انسياب الماء من بين الاصابع .
واذا كانت المبالغ المالية المرصودة لشؤون الفضاء بالولايات المتحدة وروسيا معا تساوى خمسين مرة الميزانية السنوية للجمهورية التونسية ، وتجعل الكثيرين يشكون فى جدوى مثل هذه المجازفات بالنسبة لسعادة البشرية وازدهارها ، فانه لا يمكن ان نوقف البحث العلمي عند حد معين أو أن نكبت توق العقل أو طموح الانسان الى غزو المجهول وتجاوز الذات ، على أن العبرة التى على شعوب العالم الثالث استخلاصها هي تركيز التربية على أساس العلم واعطاء الأولوية الى تكوين الاطارات العليا .
غير أن هذا الرقي المادي الذي يبهر العقول ويستهوى القلوب وينشط له المثقف وغير المثقف ويتمتع بثمراته جميع الناس على مختلف مستوياتهم ، يحفز على التدبير والتروي فى مصير القيم البشرية من محبة وخير وصدق واخلاص ... ذلك أن القفزة التى لمسناها منذ انبثاق هذا القرن فى مجال التقنية والتكنولوجيا لم تغير تغييرا جذريا الاخلاق علي المستوي الدولي والفردي ، فالعنف ما زال يرود الكثير من بقاع العالم والحقد وألوان الغدر ما فتئت تغذى أعمال الكثير من الافراد .
فهذا التفاوت بين التقدم العلمي المادي المشع على العالم خيرا ونعمة ، وبين رواسب الاخلاق المنحطة وقانون الغاب ، هو الذي يحز فى النفس ويجعل كل فكر يقظ تواق الى الخير يميل الى الشك فى جدوى مثل هذه المغامرات وأثرها الحسن فى سلوك البشر .
ورغم ذلك فاننا- ونحن على أبواب السنة الجديدة - نأمل أن يسود سنة 1969 السلم بين الشعوب ، وأن يطغي على النفوس حب الخير والنزوع الى سامي الاخلاق ، حتى يمحي التفاوت بين قدرة الانسان فى سيطرته على الطبيعة وما فوق الطبيعة ، وقدرته على أن يسيطر على نفسه الأمارة بالسوء ويغلب تقواها على فجورها .
الفكر
