لم نزل ندعو فى هذه المجلة الى ابراز الشخصية التونسية وتركيز المقومات القومية التى نعتقد ان الدين الاسلامي الحنيف بمثابة حجر الزاوية منها، كما لا نزال منذ أربع عشرة سنة نواكب جهود الفكر الاسلامى فى سعيه الى استئناف حياته الزاخرة وحيويته الخلاقة بعد أن رانت عليه قرون الانحطاط بظلامها وجمودها بسبب تعطل العقل وتحجر الخيال وسلطان الاوهام.
وكنا - ولا نزال - نؤمن بأن نجم الاسلام سطع ونوره أشع بفضل وفائه لروح العصر ومقتضيات الحياة وان مئات الملايين إنما ارتضوه لهم دينا لأنه حررهم واستجاب الى رغبتهم فى الكرامة والحرية.
وان الصوامع والمساجد التى لا تزال قائمة بهذه البلاد منذ ثلاثة عشر قرنا - ولن تزال - والتى عمل النظام الجمهورى الفتى على ترميمها وإضافة الجديد والعظيم اليها - ولن يزال - لم تبق وتصمد بضغط الجنود والعمال ولا بسطوة الرهبة أو جبروت الرهبنة ... إنما الدين الاسلامى دين الحرية ودين الاحرار ... ((لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى)).
ولم نزل - إلى جانب ذلك - نؤمن بحرية الفكر لأن ((النفس متمردة بالطبع من العبودية)) كما قال الغزالى، ولأن الحق يبرز بعد إعمال الفكر والمناظرة والمناقشة، ولأن الثقافة لن تقوم لها قائمة ولن يكتب لها الأصالة اذا هى اعتمدت عبودية الفكر أو تسامحت مع الدعاة الى استرقاقه، ولأن بلادنا أرادت لها الأقدار ان تكون كالجسر الممدود بين الشرق والغرب، تصيب من نفحات روح الأقدمين، كما تصغى الى انغام الجديد وتتفاعل مع تيارات العصر الحديث.
فلا يذهبن أحد - بعد ذلك الى الظن باننا نقصد فى كل ما ننشره - عملا بحرية الفكر وتشجيعا للأقلام الناشئة وإيمانا بالآية الكريمة: ((أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الارض)) - الاساءة لأحد أو الازدراء بالدين أو إذاية عواطف المؤمنين.
فحذار أن نطفئ نورنا بأفواهنا فنرمى شبابنا الصاعد الطموح - ولو أخطأ أو زاغ عن القصد - فى أحضان اليأس وأتون الفتنة وندفعه من حيث لا نشعر الى اعتناق مذاهب الدهرية والسير مع تيارات الالحاد أو الوقوع فى متاهات العقوق! حذار ان يصدق فينا قول أبى حامد الغزالى: ((رب عدو عالم خير من صديق جاهل)).
فليفهم القوم، ان كانوا صادقين وعن الاسلام الحق غيورين، أن دين الله الحنيف سيبقى نوره ولو كره الكارهون!
الفكر

