الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارىء، يا لعار بعض الكتاب

Share

يؤسفنا - ولا يفجؤنا أن نطالع على صفحات بعض الجرائد والمجلات الغربية في هذه الأيام بالذات حيث يمر الصراع الجبار القائم بين الأمة العربية ، وفي طليعتها الشعب الفلسطيني ، وبين الكيان الصهيونى المفروض بالحديد والنار ، بمنعرج حاسم ، مقالات وتعليقات مغرضة ، ينحو فيها أصحابها منحى الانحياز وحتى التعصب ، ويذهبون مذاهب تكشف عن جهلهم أو سخافتهم وتورطهم - أحبوا أم كرهوا - مع قوى الظلم والعدوان .

ولئن تعودنا من بعض الأدباء والفنانين والصحفيين الصهاينة ، أو الموصوفين بخدمتهم ركاب اسرائيل ، مواقفهم العدوانية وملت أسماعنا شنشنتهم فلم نعد نقيم لترهاتهم وزنا ، إلا ما نخشاه من وسواسهم على ناشئتنا المولعة بفنهم وإنتاجهم ، فان الذي لا نستسيغه هو أن تسف صحفية محترمة مثل فراسواز جيرو فتكيل للعرب وبعض رؤسائهم من الشتائم وضروب السخرية                ما ينبو عنه الذوق ويتعارض مع ما عرفت به مديرة الاكسبرس " من تقدمية ونصرة للشعوب المكافحة ضد العنصرية والاستعمار ، كما لا نستسيغ مواقف كاتب معروف مثل " تيارى مونيي " الذي لم يهضم شن العرب معركتهم الحاسمة على جبهة النفط ، وتصرفهم في ثرواتهم بما تمليه عليهم مصلحتهم وكرامتهم ، محرما عليهم ما حلله للدول الكبرى التى طالما تحكمت في موارد العالم الثالث ولا تزال .

بل ان عالما جليلا مثل لوى لوبرانس رنفي تورط هو الآخر وانبرى يتهجم على ملوك الصحراء " ويزدرى إله المسلمين ويتظاهر بحمده إياه لان حرمان  أوروبا من النفط من شأنه - فى نظره - أن يقرب بين الأجيال ويحمل الشبان على الاقتصاد والانضباط مثلما كان يفعل آباؤهم ، ولسان حاله يقول : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم . ( راجع مقاله بجريدة لوفيغارو المؤرخ في 15 نوفمبر المنصرم بعنوان : نعمة من الله ! un bienfoit d' Allah (

أما ج . ب . سارتر وصديقته سيمون دى بوفوار فانهما لا يزالان على مذهب الذبذبة ، بل انهما فى الواقع أشد مناصرة لاسرائيل وأمتن تضامنا معها ، رغم

انهما شاهدا آلام الفلسطينيين عندما زارا قطاع غزة ومخيمات اللاجئين في مارس 1967 وعبرا عن تأثرهما للمنزلة الفظيعة التى وجدا عليها - آنذاك - آلاف المشردين الصامدين لاسترجاع وطنهم السليب وفرض حقهم فى الحياة . وما أن  اندلعت حرب جوان 1967 حتى وقفا موقفا معاديا للعرب هما ورفيقهما فى مجلة " الأزمنة الحديثة " كلود لانزمان الذي صرح أثناء حرب الأيام الستة انه فرنسى  الجنسية والتربية - لا محالة - ولكنه يهودى ويعتقد انه لو زالت اسرائيل من الوجود لأصبح يشعر بنفسه كأنه عار تماما .

وانضم هذه المرة الى انصار إسرائيل مؤلف مسرحي مشهور هو " اوجين ايونسكو ويعرفه المولعون بالمسرح الطلائعي بانه أحد متزعمي نظرية انسحاق الانسان وعزلته فى عالم مصطنع وشعوره بعبثية الوجود واستحالة التوصيل او التبليغ la commnic ورغم تشاؤمه فى هذه الحياة المقفلة ، وركونه الى الرمز فى مسرحياته العديدة فانه - هو ايضا - يؤكد - فى وضوح هذه المرة - على ضرورة وجود إسرائيل باسم تعايش الأديان وحرية المعتقد أولا ، كأن المسلمين واليهود والنصارى لم يتعايشوا من قبل ، وكأن الصهيونيين لم يحرقوا المساجد ويعتدوا على الحرمات ، وثانيا لتبقى إسرائيل شاهدا ونموذجا لما يجب ان تكون عليه دولة دمقراطية حرة مشيرا بذلك الى ان الدول العربية ترزح تحت الطغيان ! وهو بعد ذلك يعلن انه لم يفهم لماذا لم  يهضم العرب وجود دولة يهودية ما دام مطمح اليهود الأخير هو خدمة الأرض واخصابها وكأنى به لم يدرك الى اليوم لماذا تحررت شعوب شمال إفريقيا مثلا وأجلوا عن أراضيهم المعمرين ! ومن الحسرة ما يعبر عن حنين دفين الى بعض العهود الغابرة .

ويذرف " إيونسكو " دموع التماسيح على ما أصاب الشرق العربي عندما اضاع الروحانيات والتقاليد الأصلية وتشبه بالغرب الذي استعمره وهو تناقض غريب من رجل يريد أن نتمدن وان نحيا حياة الديمقراطية على منوال الغرب ثم يأسف عندما يلاحظ ان الشرق تمغرب وخرج من جلده ولعله يقصد التأثر بالمذاهب الفلسفية التى يعتبرها هدامة مثل الماركسية . إذ يقول : ان الغرب قد ربح الجولة فهو إذن الخاسر ! .

والأغرب من ذلك أن إيونسكو يتألم مما يصيب الشباب فى بعض البلدان مثل السويد من قلق وما يعتريهم من يأس وما يميلون اليه من رغبة فى الانتحار بسبب تضاؤل الايمان وصمت السماء وهو من الأدباء الذين أغرقوا في وصف عبث الوجود ولا تكاد تجد نسمة منعشة من نسمات الانسانية فى مسرحياته .

واننا إذ نحترم هؤلاء المفكرين لما قدموه  من الآثار وما بلغوه من شأو في عالم

الفكر فانه لا يمكن أن نسكت عن انحيازهم وتعصبهم وترهاتهم وتناقضاتهم عندما ينتصبون ضميرا للعالم ، وقادة للفكر ، يصدرون الأحكام ، ويستغلون رصيدهم الأدبي وشهرتهم الفنية لاستبلاه الرأى العام ودس السم فى الدسم ، بينما الأمانة العلمية وحرمة الفكر والموضوعية تقتضى منهم الاناة والعدل والتخلص من براثن الدعاية الصهيونية التى نعترف لها بالبراعة والدهاء .

واذا كان سارتر مصابا ، هو وسيمون دى بوفوار ، بداء التناقض الذي تجلى فى مواقفهما من قضية الشرق الاوسط كما تجلى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فى تأرجحهما - حسب الظروف - بين نصرة الحزب الشيوعي الفرنسي ومعاداته ، فان اديبا مثل ايونسكو وعالما مثل لويس لوبرانس رنقى وكاتبا مثل تياري مونيي " ليسوا الا ضحايا ثقافة تغذوا بها فاذا هي مقامة على النزعة الصليبية وكراهية الشرق والمقابلة بين الساميين والآريين ، وضحايا مدنية تصورت انها أم المدنيات والمحتكرة للقيم الخالدة ، لم تمس منها الحربان الكبيرتان الا السطح ، ولم تنل من غرورها الحركات التحريرية واستفاقة العالم الثالث وتقدم العلوم الإنسانية الحديثة . . . إلا بمقدار ! .

وان ركنا من أركان رسالة المثقفين في العالم النامى والأمة العربية خاصة - يتمثل فى ضم جهودهم إلى جهود المفكرين الأحرار فى أوروبا والعالم الغربى عامة - وهم موجودون والحمد لله - للتعريف بحقيقة العالم العربى والكشف عن خصائصنا الحضارية واجراء حوار بناء مع كل ذوى النوايا الصادقة لاقناعهم بأن الانسانية لا تنحصر فى حيز جغرافي ، ولا تقتصر على التراث اليونانى المسيحى  ، وانها تكامل وتناغم مع كافة الحضارات والثقافات لا فضل لاحداها على الأخرى الا بما تقدمه للانسان من فرص لتجاوز ذاته وتحقيق كماله .

ومن أركان رسالة المثقفين في بلادنا ايضا ان يكشفوا عن سوءات اسرائيل ويفضحوا كيانها الاستعمارى ويساهموا مع زملائهم فى كل انحاء الدنيا للعمل على التحول الضرورى الذى لا بد ان يتم فى اسرائيل بالذات ، حتى تتوفر أسباب التعايش والتأخي بين كل الأديان من دون هيمنة أو استعمار وهو عمل ضرورى لتستتب السلم ويرتفع مستوى كل الشعوب ماديا وادبيا .

وانما أوردنا بعض الامثلة لنؤكد على الهوة التى لا تزال تفصل بعضنا عن بعض على المستوى الحضاري والعقائدى ، رغم تجانس انماط العيش وتقارب المسافات وفاعلية وسائل الاعلام ، ولنبين مرة اخرى أهمية برامج التعليم والتربية في كافة انحاء العالم - من دون استثناء إذ على محتواها والقيم العليا التى تستوحيها ، يتوقف التعارف المتبادل بين البشر ، والتقدير  المشترك والرغبة الصادقة فى التعاون .

ومهما يكن من امر فلا يمكن ان يكون الحوار مجديا الا إذا تكافات قوي كل الأطراف ، وقد توفر لنا من القوة بفضل استبسال جنودنا وفدائيينا وتنسيق جهودنا في معركة النفط واتحاد كلمتنا في أيام الشدة ما يحمل الاطراف المقابلة على التفكير والإقدام على تغيير بعض المفاهيم المتوارثة ، والعقليات البالية ، واقامة تعايش دائم على أسس جديدة قوامها الحرية والعدالة والكرامة .

اشترك في نشرتنا البريدية