ما أسرع التاريخ أحيانا عندما تحركه عزيمة الرجال الرجال وتوجهه عبقرية الأفذاذ في الإتجاه الذي ترنو اليه الشعوب وتتجسم فيه المثل العليا التى يؤمن بها الانسان ويكافح من أجل نصرتها فى كل مكان
فمن كان يظن أن توازن القوى " بين العرب واسرائيل وبينهم وبين البلدان المتقدمة سيتغير على النحو ، والعمق والمدى ، الذى تغير بها منذ حرب السادس من اكتوبر الى اليوم ، أى فى فترة لم تتجاوز أربعة اشهر ؟ !
موقفان " بلورتهما " الأحداث فظلا جامدين طيلة ربع قرن ، يعتمد كلاهما على " سنن التاريخ " و " طبيعة الأشياء " و " منطق " القوة ، سريعا ما انكشف زيفهما وتعرى باطلهما :
موقف هذا الكيان العنصري الصهيونى العدوانى الذى صور له غروره انه فى الامكان إقامة دولة ثابتة الأركان فى جسم الأمة العربية بالعودة الى مملكة سليمان بن داوود وبالاعتماد على العرق والدين وقوة السلاح !
وموقف هذه الأصوات المخذولة التى طالما جرحت آذان المؤمنين وحزت فى نفوس الأباة ، لأنها رغم تشنجها الكلامي وهستيريتها الخطابية أو انتحالها الموضوعية والعلمانية ، لم تزل منذ 1948 - خاصة - تعتم الواقع على الشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة ، وتغوى الجماهير وتميع الالتزام الحق فتحمل بذلك على دعم الاحتلال الروحى للشعوب العربية والقضاء على معنوياتها مما يقر احتلال الارض ويؤكد تفوق العدو ماديا وحضاريا .
وكانت حرب السادس من اكتوبر فغسلت عار الهزائم وحطمت أساطير العدو وخرافات الانهزاميين وتبخرت تكهنات الراسخين فى فلسفة التاريخ
بل إن هذه الحرب وتصاعد الثورة الفلسطينية والنضال على جبهة البترول حررت النفس العربية فمهدت بذلك الى تحرير الارض واسترجاع الاوطان السليبة ، وبصرت الأمة العربية بقدراتها وامكانياتها وقابليتها للأخذ بأسباب العلم والتكنولوجيا بسرعة عجيبة لان الزمان في مثل هذه القضايا لا يسير سيرا موضوعيا كأنه خاضع لقضاء وقدر ، بل إن الروح المعنوية وارادة الحياة والثقة فى النفس والاستعداد الفعلي للتضحية هي التى تخلق التصميم الصخرى وتعين على العمل الإيجابي وتيسر اختصار المراحل بحيث تنفذ المخططات التى كان يحسب لها " العارفون " بالإجيال ، على مدى أشهر وأعوام .
وفي هذا المعنى يقول " ادوارد . ر . ف . شيهان Sheehan E.R.F" في احدى افتتاحيات جريدة " نيورك تاميس New York Times الامريكية قد تؤكد الأيام أن الحرب العربية الاسرائيلية الرابعة يمكن عدها من بين الاحداث الخمسة أو الستة التى طبعت تاريخ العرب كله . ولا اقصد طبعا انهم انتصروا عسكريا إذ هم ما زالوا دون هذه النتيجة . . . بل الذى اقصد هو انهم قطعوا مرحلة حاسمة قد تسجل نهاية انحطاطهم الذى دام خمسة قرون . . . واضاف : العرب نجوا من الهوة التى تفصل بين التخلف وروح العصر " .
ثم من كان يظن أن البلدان العربية ، وبلدان العالم الثالث بوجه عام المنتجه للبترول والفوسفاط والنحاس والاورانيوم والبوكسيت . . وغيرها من المواد الاولية الخام ، ستغير علاقاتها السياسية والاقتصادية والنفسانية مع البلاد الغنية الى هذا الحد وبهذه السرعة ؟
ألم يكتف بعض الخبراء وذوى النفوس الخيرة و الحساسة في الدول المصنعة بذرف دموع التماسيح ، رأفة بنا وتخفيفا مما أراده لنا " التاريخ من تخلف ؟ ألم ينصحونا بالتشبه بهم والازورار عن ذواتنا الإجتماعية والتحرر من مركباتنا القومية ومشاعرنا الوطنية ، بدعوى أن المستقبل للأممية والاندماج ، فمكثنا نهرول وراء قافلة الأمم المتقدمة ، نتوسل اليها بالمبادئ الاخلاقية والانسانية السامية التى تدين بها وتنتسب اليها ونخاطبها بلغة العقل التى أشاعها فلاسفتها ، ونحتج لديها بمنطق العلم والأرقام التي تستسيغها فنقيم لها الدليل تلو الدليل على أن السلم لن تستتب ما دام الاثرياء يزدادون ثروة على ثروتهم والفقراء يستفحل فقرهم ويتفاقم يأسهم ونسائلهم كيف تستقيم الأمور اذا ما واصل 15 % من سكان المعمورة استغلال 65 % من موارد الارض كلها .
وكان العالمون بنواميس الأشياء والمستقرئون لسير التاريخ وغيرهم من العرافين يتسابقون لاقناعنا بأن اللحاق بالعالم المتمدن إن لم يكن ميؤوسا منه ، - اذ لا بد من خيط يشدنا الى الأمل ليكون " للحوار " معنى ! - فهو رهان لا يمكن ربحه إلا بعد أجيال وأجيال .
وهكذا ينهزم الكثير منا معنويا قبل الانهزام السياسي والانكسار المادي ويستفحل العقم الثقافي ويضيق العيش لأن الأمل أصيب فى الصميم
وكانت حرب السادس من اكتوبر ! وبدأت معركة البترول وأومض الوعى ! لقد ادركت البلدان العربية المنتجة للبترول وأخذت تدرك معها البلدان الفقيرة الغنية بموادها الخام ، أية قوة هذه التى تملك اكسير الحياة وسر النمو الاقتصاد والرفاه الإجتماعي في الدول المتقدمة . فاذا نحن تغاضينا عن النزيف الذي منينا به فى ثرواتنا ما بقى الاستعمار جاثما على أوطاننا : بله القهر والنيل من الكرامة والغبن فى الذات البشرية ، وأردنا حصر " سرقة " خيراتنا من البترول فى سنة 1973 فقط وجدنا ان عائدات الذهب الأسود زادت ابتداء من 1974 بما قدره خمسون مليارا من الدولارات ! ، وليست " التضحيات " المالية الجديدة هي وحدها التى ارتجت لها أركان أوروبا وأمريكا واليابان ، بل إن هذه البلدان أدركت بعد حرب السادس من اكتوبر واتحاد كلمة بلدان الشرق الاوسط وافريقيا انها . . . غير مستقلة لأنها لا تملك الطاقة ولا المواد الخام التى تقوم على تحويلها واستغلالها معظم صناعاتها مما حمل الملاحظين الغربيين على التأكيد بأن مجتمعات الاستهلاك اكتشفت تداعي نظامها الإقتصادى مثلما اكتشفت سنة 1968 تهافت هيكلها الأخلاقي
ولئن استخلص عدد كبير من رجال السياسة والاقتصاد والفكر في الغرب العبرة من هذه الظاهرة ورضوا بما ليس منه بد ، فأخذوا يبتكرون علاقات تعاون جديدة ويتهيأون نفسانيا الى قبول نتائج توزيع جديد للتضحيات والمجهودات والفوائد على الصعيد العالمي ، فان قسما كبيرا من الرأى العام لا تزال تعبث به الصهيونية وتسممه بعض النفوس المريضة التى لم تهضم استقلال الشعوب ولا استأصلت من مناخها الثقافي والحضاري مركبات الغرور وعقارب العنصرية . وقد أشرنا إلى هذه الظاهرة وشهرنا بموقف نفر من الكتاب والصحافيين الذين ردوا الفعل ازاء وقفة العرب وتحديهم - بدورهم . " التحدى التاريخي " فانبروا يشوهون الاسلام ويظهرونه فى مظهر الطقوس والتعاويذ والتمائم للاساءة اليه ، وإظهار العرب فى مظهر ابطال ألف ليلة
وليلة بل عمدوا الى السخرية اللاذعة وكشفوا عن ترسبات لا شعورهم ، من دون ان يفقهوا انهم لا يجنون من ترهاتهم سوى الأوهام وأن دورهم لا يتعدى دور الصديق الجاهل
ومن دون ان نزج بانفسنا فى منطق القوة أو ننساق مع الخيال والخيلاء وجب ان نستمد العبرة من هذا الحدث التاريخي العظيم الذي جدد طبيعة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدان العربية خاصة والبلدان السائرة في طريق النمو عامة وبين البلدان المتقدمة صناعيا ، ونكون فى مستوى المرحلة التاريخية الجديدة التى سماها توفيق الحكيم مرحلة التعمير الحضاري ونعتها محمود امين العالم بأنها معركة التحضير العربية .
اليوم وقد ايقظتنا صبحات النصر واكتشفنا امكانياتنا وأصبح العالم يحسب لنا حسابنا ، يجب ألا نغتر أو نجتر كما اغتررنا واجتررنا في السابق ، بل علينا أن نحلل اسباب تخلفنا وقعودنا ونشرع في تخطيط نهضتنا على أساس تأكيد الذات وارساء قيم جديدة فى مجتمعاتنا وبلوغ مستوى النضج والتالق فى الاخذ بالعلم والتكنولوجيا ، على أساس الايمان بان احقاق الحق وأخذ البشر نصيبهم من نور الشمس لا يكونان بحد السلاح فحسب بل يعتمدان القوة الاقتصادية المتكاملة والنظام السياسي الشعبي المحكم والقوة المعنوية الصلد التى نعبر عنها بالعقيدة والتي من دونها لا يكون للحياة معني ولا هدف .
إن التاريخ تحرك بسرعة طيلة الأشهر الأربعة الماضية ، حركته عزيمة الرجال فعلي هؤلاء الرجال ان يكونوا فى مستوى التاريخ ، أى ان بينوا بمعية شعوبهم وبالتعاون مع كافة القوى الحية فى العالم المصير الأفضل الذى سيكون ما يريدونه ان يكون
إذ التاريخ ليس تعبيرا عصريا جديدا عن القضاء والقدر ونواميس الاشياء وانما هو جماع جهد الرجال الذين يعيشون من احل هدف اسمى ويضحون فى سبيل مثل اعلى وهو ثمرة جهادهم ودليل حريتهم وعنوان مجدهم وسر عظمتهم .

