الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارىء, الشباب والشابي

Share

لم أقصد من العنوان الرغبة فى الجناس وإنما ظهر لى ذلك بعد أن تم اختيار الموضوع . فتبينت لى أكثر من علاقة بين الشابى المنحدر من الشابية ( ولا أعلم لماذا سميت بالشابية ولعلها صيغة عامية للجمع يطلق على سكان مكان ما وفى صورة الحال جماعة من الشابة ) وبين الشباب . فلقد قال الشعر وهو شاب وتوفي وهو ما يزال شابا . وكان يتقد حماسا كشأن الشباب وكالنار إذ تشب . والشابى شاعر الحب والجمال وهو لم ينفك فى شعره يشببه تحسينا وتزيينا بذكر الحبيبة وكم تغنى بالشبابة وصاحبها الراعي وبالظلام حين يتفتح « شب الليل » وهو جنس زهر جميل من فصيلة الشبيات أزهاره تتفتح قبيل المغيب وبعيده .

ولست أعني بهذا المدخل أن الشابى مكتوب له أن يعيش هذه المعانى وأن يكون حظه من الحياة مرتبطا بعالم قريب من دنيا الشباب وهو الذى لم يعرفها كما عرفها انداده بل الذى أردت أن أتوقف عنده فى هذه العجالة هو موقف الشعراء الشبان من الشابى وهم الذين لم يكن لهم مهرب من تحديد وجودهم فى عالم الشعر من دون الرجوع الى أبى القاسم ودنياه الشعرية أكثر من غيره من الشعراء العرب العباقرة الذين عمروا القرن العشرين . ولهذا فان شعراءنا                                        3                                738

الشبان وإن قلدوا جبران والسياب وشوقى وحافظ وعبد الصبور وأنكروهم فان عيونهم لم تفتأ تتجه ولو بشق النظر الى أبى القاسم الشابى .

هذا الموقف أو هذا الوضع هو الذى أردت تحليله وتمحيصه ، واستقصاء حالاته واستخلاص العبرة من أطواره وتقلباته علما بأن تطور الشعر العربى هو مرتبط بما تفضى اليه التيارات الشعرية العاملة على الحصول على إضافة ما مهما كانت هذه الاضافة .

والغريب أن بعض الشعراء فى تونس كادوا يقتنعون بما اقتنع به الكثير من النقاد والادباء فى المشرق العربى وهو أن الشابى أصبح بمثابة الاسطورة وأنه ليس بعده ولا قبله شاعر يستحق الذكر فى تونس وهو ما أوجد فى كثير من الشعراء نوعا من الاحباط زاد على ما كان أحدثه فى النفوس أثناء الفترة الاستعمارية عامل التغريب والتشريق . فانكفأوا على أنفسهم وانقطعوا عن قول الشعر الا فى المناسبات القليلة بينما لو واصلوا شحذ قرائحهم ومرسوا أداة خلقهم على الانتاج والابداع لكان ذلك حافزا للشعراء الشبان لاقتفاء أثرهم ولأوجدوا مناخا ملائما وهو ما فتئت تحث عليه أسرة « الفكر » منذ تأسيسها .

هذا فريق أول من الشعراء اما الفريق الثانى فهو الذى آمن بنفسه وبشعره ولكنه اعتقد أن الشابى حاجز فى طريق إثبات وجوده فى الساحة الادبية وأن أسطورته سدت عليه الباب الموصل الى اشعاعه فى المشرق وأن صوت الشابى القوي والذى لم يفهم الكثيرون السر فى وصوله الى الشرق العربى هو الذي صم آذان المشارقة على سماع غيره وجعلهم يتشوفون الى شابى آخر من فصيلته .

اما الفريق الثالث فهو الذى حزم أمره واعتقد أن الشابى لم يكن شيئا كبيرا وأنه فى الواقع انتهى أمره دون النضج ويجب إما تجاوزه أو مواصلة تجربته الى أبعد الحدود وهؤلاء هم الذين حافظوا على إيقاع القصيدة العربية 739                                  4

وقاموا بمحاولات لتطويرها شكلا ومضمونا أو هم الذين حاولوا تجاوز تجربة الشابى باعتباره يمثل الماضى الذى يتعين الاستفادة منه وهم يمثلون الحاضر فيأخذون الجانب المضىء من شعره ويتركون ما لم يصل الى الدرجة القصوى من الجودة ويقفون ضد ما يسمونه بالتهميش الشعرى والنسف باسم التفجير المضمونى .

وهناك فريق آخر اعتبر أنه من الواجب الدخول فى جدل فني مع الشابى لا لأنه فى ذاته منهج فني ومصدر معرفى بل لانه تكمن فيه فكرة محركة للعمل الفني وهؤلاء هم الذين حاولوا الارتباط بالواقع الفني الذى ترعرع فيه الشابى انطلاقا من الواقع الاجتماعى وتشبثا بالمقومات الاساسية للمجتمع التونسي وتمسكا بخصائصه التى منها يمكن التفاعل مع التيارات الشعرية الاخرى الموجودة فى المشرق العربى والتى تكون الارضية المشتركة لكل عمل فني شعري أصيل . وهؤلاء لم يلجأوا الى افتعال القطيعة مع الشابى ولم يعملوا بالقولة المشهورة « خالف تعرف » .

أما الفريق الذى ظهر بقوة وغطى الساحة الشعرية ضجيجا فذاك الذى تنكر للشابى بل الغاه تماما وسمى عمله تجريبيا واعتبر أنه يجب الخروج عن المسالك الشعرية المطروقة وهو فى الواقع يجهل مقومات الشعر العربى وايقاعاته وبنطلق من تجارب أجنبية ويتمسك بعبارات مثل «التفجير اللغوى والشعرى» ومثل «التجاوز فى الشعر» ولم يعرف أن ذلك لا يصح الا اذا كان متشبعا بالايقاعات الشعرية العربية وأنه مثلما أن للغة عبقريتها وعبقريتها كامنة فى نحوها فان للشعر العربى عبقرية وعبقريته كامنة فى ايقاعاته .

ولهذا فليس لاى كان أن يدعى الاضافة للشعر العربى بالتجاوز أو غيره اذا هو لم يقدر فى يوم من الايام على صياغة ما فى عمود الشعر .

وعندما أقول ايقاعات لا أعنى البحور والاوزان الخليلية لان هذه انما هى مقاييس أرادت أن تضبط هذه الايقاعات ولكن الايقاعات الحقيقية هى فى                                                                        740

نفوس الشعراء ولم يحصر الخليل فى الواقع الا بعضها الذى كان متداولا فى ذلك الزمان وهذه هى القضية الكبرى فى الواقع للشعر العربى فى عصرنا الحاضر والتى أمكن للشابى بعبقريته أن يحلها اذ هو حافظ على ايقاعات الشعر العربى الاساسية وكرع من ايقاعات الحياة العصرية بالاندماج فى شعبه والتفاعل مع لهجته فطعم بها لغته الشعرية فأتت متلائمة مع ما ينتظره الجمهور المتشوق للادب لانه كما يقول الفيلسوف الفرنسى « آلان » : « إن ما يختص به الشاعر أولا هو أن يكون قويا بايقاعه » .

هذا اذن هو مشكل الشعر العربى فى الحاضر وهو أنه لم نقدر الى الآن على حصر ايقاعاته أو كما لم أفتأ أقول: على ضبط الوحدة الايقاعية فيه وهى الوحدة التى تتكرر وتتعدد بنسق ما اذ التفعيلة لا يمكن أن تكون وحدة ما بل هى تجزئة اعتباطية للبيت ولم يسلم الشعر العربى من الضياع - وهذا من حسن حظنا إلا لان هناك من الشعراء من لا يزالون يحملون فى نفوسهم الايقاعات الاصيلة والاساسية للشعر العربى وهم أيضا القادرون على التطوير انطلاقا من ذلك والشابى كان منهم .

فما على الشباب من الشعراء إلا أن يتطبعوا قبل كل شىء بايقاعات الشعر العربى الاصيلة ويتركوا التجريب لانه لا يمثل خشبة النجاة فى بحر الشعر الطامى وعليهم أن يتمرسوا على ما نجح فيه غيرهم من الشعراء ثم اذا هم أحسوا بأنه لم يغب عنهم ايقاع واحد من الشعر العربى وخزنوه فى نفوسهم أن يقدموا على التجاوز والتطور والى ما الى ذلك .

ولكن يبقى المشكل قائما بالنسبة الى الشعر العربى ألا وهو ضبط الوحدة الايقاعية بصورة أحكم أو اذا أردنا أن نقول : هل من خليل جديد قادر على إيجاد مقايبس جديدة وموازين أشمل وأدق ؟.

اشترك في نشرتنا البريدية