انتهت -بانتهاء رحلة ابولو 17 منذ ايام مغامرة الانسان الفضائية عندما حاول غزو القمر ونجح نجاحا كبيرا تمثل في صيحة نيل ارمسترونف ذات يوم تاريخي حاسم من جويلية 1969 : " إنها خطوة صغيرة يخطوها الانسان ( على سطح القمر ) ولكنها خطوة عملاقة بالنسبة للانسانية .
وبالرغم عن ان الثقة المطلقة - والساذجة احيانا - التى فاز بها العلم منذ مطلع القرن العشرين خاصة ، بوصفه طريق المعرفة الثابت ومفتاح السعادة البشرية الناجع ، قد تناقصت منذ مأساة هيروشيما وناقازاكى ، إذ أصبح الناس يتساءلون هل أن العلم سيصبح أداة دمار وشقاء كلما تفاقم القلق واستشرى الرعب ازاء هول بعض التطبيقات العلمية .. فان غزو القمر قد بعث - من دون منازع - النخوة في النفوس ودعم شعور الانسان بأنه سيد الكون وربما زاد فى غروره ! والواقع ان هذا النجاح الباهر جولة إيجابية في تاريخ صراع الانسان مع الطبيعة منذ العهود الغابرة ، وسعيه المتواصل الى تجاوز ذاته ، ومغالبة جاذبية منزلته الارضية بعد التغلب على جاذبية الارض من دون ان نهمل الشحنة الشاعرية والقشعريرة الماورائية اللتين لا يعدمهما الشاعر الملهم والفنان الحساس والفيلسوف المعتبر والعابد المتبتل ورجل السياسة المخلص الأصيل . . إزاء جمال الكون وتأمل فضائه اللامتناهي والظفر بالقمر بعد فرط شوق وطول حنين !
نعم قد تكون مقابلة التحدي الروسي بعد إطلاق أول مركبة فضائية وجولة قاقارين المظفرة فى الطبقات العلوية ، بتحد أمريكي يماثله ويتجاوزه هى المحرك الحاسم في هذه المغامرة الكونية التى لم تخل من واعز قومي وغاية سياسة هادفة . . لكن ليس هذا هو الأهم . إذ يجب أن نتصور مدى ما انجز الانسان من اختراعات وحل من مشاكل نفسانية وحقق من مكاسب في
دنيا الفنون والتكنولوجيا وعندئذ ندرك أن قصة " ابولو " آلهة الحكمة والاعتدال عند قدماء اليونان - إنما هى فى الواقع صفحة مشرقة من ملحمة " بروميتيوس " الانسان
ذلك أن عملية " أبولو 17 " ، كسابقاتها منذ 1969 ، وغيرها من التجارب العجيبة التى يقوم بها الانسان يوما بعد يوم ، إلى جانب ما ستثري به معلوماتنا فيما يتعلق بعلم الجيولوجيا وفيزيا الكون واصله ، وما وفرته بعد من امكانيات لا تحصى ولا تعد فى خصوص استغلال الأدمغة الالكترونيه ومختلف تطبيقات التكنولوجيا ، من شأنها أن تقنع الإنسان - اكثر من اى وقت مضى - بأنه هو المسؤول الأول عن مصيره ، وان العلم ليس خيرا و لا شرا فى حد ذاته ، وانه ليس قيمة أخلاقية بل هو وضوح رؤية ، وانه فى آخر الامر لا يخدم صالح الانسان الا بقدر ما يريد هو ذلك ، لان الاختراع ليس له اتجاه ولا ميل بل الفكر البشرى هو المسؤول عن النتائج الحاصلة ، صالحها وطالحها . ومعنى ذلك ان العلم لا يخدم الانسان خدمة نافعة الا بقدر ما يكون هذا الإنسان خيرا ، فاضلا ، ذا ضمير أخلاقي حي . ولعل الفيلسوف برقسون قد اشار الى هذه الحقيقة عندما قال منذ أكثر من نصف قرن : الآن أصبح للانسان جسم فى مقدوره ان يرتقى حتى الى النجوم ولكن هذا الجسم يترقب اليوم مزيدا من الروح " ( * ) .
لذلك عندما يتحسر بعضهم - مخلصين - على تبذير 26 مليارا من الدولارات لانجاح عملية ابولو وتمكين بعض الرواد من قطع أربعمائة الف كيلومتر للقيام بجولة عابرة على سطح جرم سماوي خال من الحياة والرجوع منه ببعض الحجارة . . فى الوقت الذى يقاسى فيه مآت الملايين من البشر ويلات الجوع والجهل والمرض وتزداد ثروة الشعوب الغنية ويستفحل بؤس الشعوب الفقيرة . . لا يسعنا إلا أن نذكر بعضنا بعضا بأن المتهم ليس العلم ولا عملية أبولو بالذات وإنما هو الانسان الذي يعاني ازمة ضمير ويتجرع غصص تناقض ذاتي وجودى اذ هو بقدر ما يغزو الفضاء ويكشف من اسرار الطبيعة يبدو جهله بنفسه متفاقما واعراضه عن معرفة ذاته مستفحلا وعجزه عن تزكية ضميره متزايدا .
ولو فرضنا ان عملية أبولو لم تنجز وان الاعتمادات الضخمة لم ترصد للبحث العلمي في شؤون الفضاء فهل نحن واثقون من انها كانت تنفق فى سبيل مقاومة الفقر والأمية والأخذ بيد الشعوب المستضعفة ؟ لا اعتقد ذلك ويكفى أن نتذكر ما لا تزال غالب الدول الكبرى الى اليوم ترصده لصنع الأسلحة الفتاكة ونعيد الى الأذهان حجم الطاقات المادية والبشرية المنصرفة اليوم الى الحروب السخنة والباردة وما تخصصه بعض الشعوب المستضعفة - هي ايضا - من اعتمادات في ميزانياتها لشراء عتاد حربى كثيرا ما تتجاوزه الأحداث ، غفلة منها وتصورا زائفا للمناعة والحفاظ على السيادة !
يكفى ان نتذكر كل ذلك لندرك أن الأزمة هي ازمة حضارة قبل كل شئ أى أزمة الضمير الانساني
وعلى هذا الصعيد فان المتأمل في شؤون الانسان فى هذا الثلث الاخير من القرن العشرين لا يمكنه ان لا يبصر الغيوم المتراكمة فى الأفق إذ أصبحت ظاهرة التلوث والتفكك الايكولوجي في مقدمة مشاغل الانسانية التى ادركت أن الجنس البشرى نفسه أصبح مهددا بخطر المحق نتيجة عدم اهتدائه الى السيطرة على اختراعاته وتقدمه الصناعي العظيم ومغالبة جشعه وانانيته .
ثم إن خطرا باطنيا يهدد هو أيضا الأجيال الطالعة أى مستقبل البشرية ، نتيجة ازمة التربية في كل البلدان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية خاصة ، واختلاط القيم عند الاولياء والابناء وترك اولئك هؤلاء وشأنهم بدعوى الحرية ومقتضيات العصر ، والتضحية بكل شئ فى سبيل الظهور بمظهر العصرى المتفتح ! كأن المعاصرة الحق لا تقتضى التشبث بسلم قيم ثابتة ورياضة النفس حتى تعطى صاحبها المقادة وتذعن للعقل فيكون الضمير زماما متبوعا ، هاديا .
ولو اقتصرنا - فى هذا الباب - على ظاهرة واحدة من الأعراض التى تهدد الشباب في الصميم ووقفنا عند سبب من الاسباب التى تهوى بالمرء الى درك الانحطاط لقلنا ان طلب الغيبة ومناهضة المجتمع والتوق الى الافلات من الوسط الاجتماعى وما يفرضه من جدل بين الحقوق والواجبات . . . أدت الى الاقبال على المخدرات بوصفها مخمدات وستارا سميكا يجحب الحقيقة عن المدمن الممحون الامر الذي حدا بالمنظمات الدولية الى تحليله والتعرف على أسبابه والبحث عن انجع الأساليب لمقاومته ، من ذلك الملتقي الدولي الذي انتظم بين رحاب مبنى اليونسكو فى ديسمبر الفارط .
ألم يقل رئيس الولايات المتحدة الاميركية : " إن الافراط في تناول المخدرات لهو عدو الولايات المتحدة الألد . واذا لم نتوصل الى القضاء على الخطر الذي تسلطه علينا المخدرات فانها هي التى ستقضى علينا لا محالة ؟ " .
ولقد أكد اخيرا ناطق بلسان حكومة ألمانيا الفيديرالية ان الخطر يتهدد صحة ما ينوف عن ثلاثة ملايين من الشبان الألمان وكشفت البحوث عن فداحة الخطب . ففي مدينة كولونيا اعترف 34 % من بين 400 تلميذ بالمدارس الثانوية تتراوح أعمارهم بين 13 في 21 سنة انهم تناولوا مخدرات ولا يستبعد ان يكون 23 قد أقبلوا هم ايضا عليها .
واتضح من خلال بحث مماثل أجرى بجميع المدارس الثانوية بمقاطعة SchlesigHolstein أن 21%من التلاميذ ذاقوا " الحشيش " مرة واحدة على الأقل وان 9،7 % ينوون الاقدام على تجربته في أول فرصة سانحة .
ولوحظت الظاهرة نفسها بسويسرا حيث تتراوح نسبة من تناولوا المخدرات بين 20 و 30 % من تلاميذ ثانويات لوزان ، كما لوحظت بهولاندا حيث استجوب 1000 تلميذ بإحدى وعشرين مدينة فأعترف 11 % انهم تناولوا المخدرات مرة واحدة على الأقل
أما في الدانمارك فيقدر عدد المتناولين لمشتقات القنب بمائتى ألف من بين 00.000 يمثلون عدد السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و 25 عاما وفى فرنسا فان 90 % من بين المدمنين الذين وقع إيقافهم سنة 1971 وعددهم 1878 - لا تبلغ أعمارهم 25 عاما .
ولا يمكن ان نحلل أسباب هذه الظاهرة المقلقة تحليلا اوجز ولا اوفى بالغرض مما جاء فى تقرير احد الخبراء الدوليين :
نحن نشهد اكثر فاكثر كيف توضع الهياكل العائلية والتربوية والدينية المحيطة بالفرد والموفرة للامن والطمانينة موضع الشك وكيف يتزايد الشعور بالقلق والعزلة وانعدام الامن فيصبح سائدا وذلك لفقدان الحوافز الشخصية او الجماعية فقدانا يؤدى الى رفض الالتزام تجاه عالم ومجتمع لا يرى لهما معنى أو غاية وكذلك لفقدان الضمانات الكافية في ميدان الشغل واخيرا لما يطرأ على أهداف التعليم وغاياته من مراجعة جذرية
ولئن توسعنا فى الحديث عن ظاهرة تفشى داء المخدرات فى أوساط
المراهقين فذلك رغبة فى التأكيد على المخاطر التى تتسرب الى القوى الحية الطالعة وتهدد المستقبل ، واستشهادا على الأزمة الإخلاقية المستفحلة التى استبدت بالانسانية وعلى التناقض الوجودى الغريب الذي جعل الانسان يسيطر على العالم الكبير الذى حوله ويضعف ايما ضعف فى السيطرة على الكون الذاتى الصغير ، فكأن إنسان اليوم ، ازاء ما ملكت يداه وما كشف عقله وأمام . بحران وجوده الباطنى وخفوت صوت ضميره ، يناجى نفسه قائلا : أشكو منك إليك .
وإن هذه الغيوم المتراكمة فى الأفق ليس الانسان عاجزا عن مجابهتها إذا ما غير ما به ونزل المربين والفلاسفة ورجال الدين وعلماء الإخلاق المنزلة اللائقة بهم وأصغى إليهم ووازى فى سياسته بين شؤون الروح ونواميس المادة .
وليست المعركة ميؤوسا منها اذا ما اتفق اولو الأمر وهداة البشرية على ضرورة التحدى الجديد ، الا وهو غزو الانسان عالمه الذاتي بعد أن غزا القمر وأخذ يفكر فى غزو المريخ . . وهو وجه من وجوه الثورة الثقافية !
وليس هذا التحدى الجديد فرارا الى الامام بل سعيا ذكيا وعزما حديدا وجهودا منسقة ومحبة خالصة من أجل تزكية النفوس وارهاف الضمائر وطلب الحقيقة والخير معا .
فهل يصدق الامل ويحالف الجنس البشري التوفيق كما حالفه عندما طلب القمر ؟
إن منادي المستقبل ينادينا ، نحن معشر البشر ، وقد وضعنا القمر في يسارنا : لنكن واقعيين ، لنطلب المستحيل . .
