إن من دواعى ارتياحنا للبيان الذى ألقاه باسم الحكومة التونسية السيد الوزير الأول أمام مجلس الامة يوم 17 نوفمبر المنصرم ، الى جانب ما اتصف به من جد ووضوح وشجاعة أدبية فى تشخيص الداء ووصف الدواء بالنسبة لكل قطاعات النشاط القومى وتوفيقه الى الملاءمة بين مقتضيات التنمية والازدهار وبين واجب العدالة الاجتماعية وضرورة الحرية الفردية والجماعية ، تأكيده فى غير التباس على تونسة التعليم وحرصه على تمتين اللحمة العضوية بين الاجيال ، مما يضمن للأمة الحياة والأصالة والمناعة ، وكذلك تذكيره برسالة الجامعة ومنزلتها فى البلاد ، وأخيرا دعوته للتمسك بالأخلاق وتمكين الشباب من (( أن يحيوا حياة عصرهم )) من دون ان يفقدوا روحهم .
ولئن اقتضى الحال ان يتوخى البيان الايجاز ويكتفى فى أكثر الأحيان بالتلميح ، فانه لا يوجد فى رأينا التباس حول مقاصده التربوية التى هى فى الواقع (( امتداد وتجدد )) لما لم يزل أغلب المسؤولين يلتزمون به منذ الاستقلال ، ولما أقرته كل مؤتمرات الحزب بدون استثناء .
وإنما نشأ المشكل ثم استفحل ، من جراء التباين الذى أصبح الجميع يدركونه أكثر من ذى قبل بين التصريحات والوثائق الرسمية والبرامج النظرية المتعلقة بالتربية والشباب من جهة وبين نتائج سياسة التعليم منذ خمسة عشر عاما ، متقمصة فى نوعية أجيال من طلاب العلم يتخرجون كل سنة من المعاهد الثانوية والعالية ، وملحوظة ، لا فى معلوماتهم الفنية والعلمية وقيمة شهاداتهم - فهذا مشكل آخر - بل فى روحهم وقيمهم العليا - ان كانت - وأحاسيسهم الوطنية والانسانية وفى أذواقهم وتصورهم لرسالتهم ومنزلتهم فى الوجود .
ولقد ظن البعض أن راحة الضمير تحصل بمجرد ترديد اغنية التنمية والتقدم ، واعتبار مشكلة المشاكل - بوصفنا منتمين الى العالم الثالث - هى الالتحاق بالركب ورفع المستوى المادى ، ثم تقليد العالم المتحضر فى حياته الاجتماعية وشؤونه الثقافية ؛ وكانوا يقولون أو كان لسان حالهم يقول : ألسنا بشرا كغيرنا ؟ ألم نحرز على استقلالنا وكفى ؟ ألم يحن الوقت لنتطهر من مركباتنا ونتجاوز عقدة الاستعمار فنتخلص من الوطنية الضيقة والعصبية النكراء ؟ ألا يكفى الاحتفال الرسمى بالمواسم الدينية والقومية وبدء برامجنا الاذاعية (( بألا خلدى يا دمانا الغوالى جهاد الوطن )) ! ، وما يتيسر من آيات الذكر الحكيم والاكثار من اذاعة أغاني (( كوكب الشرق )) السيدة أم كلثوم - وخاصة فى شهر رمضان - ليقال عنا إننا لم نضيع روحنا وأننا مسلمون
وأننا لم نذب تماما فى الغرب ؟؟ !
هذا موقف بعض (( المتطورين )) و (( المتحررين )) أو (( التقدميين )) ... الذين اعتقدوا أن السماوات خصتهم برسالة فى الثورية وبقدرة على تحقيق متطلبات التاريخ ... والذين لا تكاد تخلو منهم مصلحة ادارية أو فنية أو ثقافية - بل انظر الى العقلية السائدة في وسطنا السنمائى . . . الفتى - ولم تكد كذلك تحرم من انوارهم مدرسة أو كلية - وهو أدهى وأمر ! - لكن سلوك الشباب فى العائلة والمجتمع والمدارس و (( جروح )) الأمة فى شتى المجالات وما أصبح يقاسيه الشعب من (( نزيف )) بكل معانى الكلمة ، وأزمة الجامعة المتعددة المظاهر المتزايدة الخطورة بمرور الأعوام ، و (( الانتاجية )) السلبية لعدد كبير من الاطارات (( الشابة )) . . . كل ذلك حمل أغلب الناس اليوم على التفكير فى الأمر ، بل إن أولئك الذين ضربت فى عقولهم وقلوبهم (( سوسة )) التنكر للذات والتلبس بشخصية الغير فخلطوا بين التقدم والمعاصرة وبين التفريط فى الذاتية وإهمال الأصالة ، اضطروا هم أنفسهم الى مراجعة أمرهم والاصغاء إلى ٠٠٠ بقايا ضمير قومى ، وأصداء كرامة وطنية آتية من الأعماق !
المسألة إذن هي - قبل كل شئ - أن ندعم إصلاح التعليم الذى شرع فيه منذ أشهر - كما جاء فى البيان الحكومى - فلا نكتفى بالعموميات الأكاديمية والتوجيهات البيداغوجية المبدئية ونريح ضميرنا بالترديد السطحى لشعارات التفتح والانسانية والشمول ، بل ننفذ الى جوهر البرامج التعليمية بروح وطنية وعقلية جديدة جسورة وبقدر كبير من الخيال الخلاق والشجاعة الأدبية ، فنكيفها تكييفا جديدا طريفا بحيث تضمن تكوين الاجيال الصاعدة التى تتصالح مع ضمير الأمة وتنتصر فى معركتى المستوى والأصالة معا . وهذا لن يكون إلا بعد حوار تساهم فيه كل الأطراف التى لها قول فى تخطيط مصير تونس الحضارى .
وإننا لنثق فى كل المسؤولين ، وبالخصوص فى السيد الوزير الأول ووزارة التربية القومية وكافة رجال التعليم ، لمواصلة وتدعيم هذا العمل التاريخى الذي يرتكز - أول ما يرتكز - على الايمان بأن الأمة يجب أن تبقى أولا وآخرا الينبوع الاغزر والسند الأرسخ والاطار الأنسب والملاذ الأوحد والمرجع الفصل ، وان ما عدا ذلك أوهام فى أوهام وأضغات أحلام سوف تتبدد فى مستقبل الأيام .
