الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارىء

Share

نتجه دائما في هذه الصفحة الى قرائنا الافاضل ونرجع اليهم لاننا منذ ان اخذنا انفسنا بانجاح هذا المشروع الثقافي الخطير فى كامل الشمال الافريقي لا نزال نعمل لهم ونسعى الى التجاوب معهم والاستمداد من هذه التربة المباركة الخصبة التى انبتت افذاذا في اصناف العلوم وضروب المعرفة رفرفت روحهم على ضفاف هذا البحر الابيض المتوسط وسطع فكرهم فى دنيا الثقافة على ممر الدهور .

والتجاوب مع القراء والتزود منهم ضرورة ما دمنا نعتبر " الفكر " محاولة لمعرفة واقعنا وسبر اغواره وتفهم ابعاده ووفاء لروح الامة التى اليها تنتسب ومقتضيات العصر الذى فيه نعيش ، وما دمنا نعرض عن ادب الاخيلة المريضة على ما قد يتصف به هذا الادب من جمال فنى ويحدثه من اثر سحرى . فليس الفكر عقلا مجردا فقط ولا وجدانا او حدسا فقط وانما هو جماع الجهد البشرى الفاتح تخدمه ملكات الانسان كلها وامكانياته الظاهرة والباطنة كلها

وعلى هذا فان معيار التوفيق في العمل والبقاء في الاتجاه الصحيح انما هو مدى التجاوب مع النخبة المثقفة من ابناء بلادنا ونسبة الثقة التى يولونها ايانا والعطف الايجابى الذى يحوطوننا به .

هذا هو راينا؛ راينا ان نعلن عنه مرة اخرى بمناسبة صدور العدد الاول من سلسلة السنة الرابعة ؛ ونحن اذ نعتز ونفتخر وننسى شيئا من الاتعاب التى نتكبدها باستمرار لاخراج هذه المجلة رغم التكاليف المادية بما لا نزال نتلقاه من رجال الفكر والثقافة فى الشرق والغرب من آيات التقدير والاعجاب - نشكرهم عليها ونعمل لاستحقاقها - لا يفوتنا ان نذكر قراءنا الكرام بما ينتظره منهم هذا المشروع من سديد التوجيه وصادق التشجيع ، ومطرد الاعانة

هو نداء نوجهه الى ادباء الشمال الافريقى خاصة والى رجال القلم الناطقين بالضاد عامة كي يشاركوا في المشروع ويدعوا اليه ويعرفوا به ويبشروا بنبل مقاصده وسمو أهدافه .

لقد اصبحت الفتاة التونسية شغوفة بالثقافة - شغف المخمور بالخمر - فكانت تستمد احكامها من " النور الطبيعى " وتحتاط مع ذلك من وسائل اللهو التى ادخلها الاجنبى الى البلاد ، خشية ان تفقد روحها وشخصيتها . ورغم انها كانت " تلتهم " القصص التهاما فلم تتجاوب معها وتتأثر بها تماما . انها تشاهد الافلام متى سمح لها ابوها بذلك ولكنها تكظم اسنانها اثناء العرض وتبقى منقبضة

واذا قرات روايات " راسين " لم تتمالك على الابتسام . لقد كانت معتقداتها وتربيتها وكل تراثها في خطر لذا كانت تقاوم هذا التيار الجارف وتصمد فى وجهه . ان بعض الفتيات شجعهن وسطهن فلم يقدرن على الصمود وسرن مع التيار الاجنبي وادمجن فيه . اما اكثرية الفتيات فقد كن اشد باسا واثبت جاشا وصبرن ولم يفكرون في شؤونهن الخاصة ولا في حقوقهن او في كيفية قضاء اوقات فراغهن . بل هن لم يتعلقن الا بواجب واحد هو الانهماك فى الدراسة والاقبال على العلم ،

لقد كان اساتذتهن مبهوتين ومعجبين بهن وبقدرتهن على التعمق في تحليل المشاكل وفي تقليبها من جميع الزوايا بروح نقدية لا بمجرد رياضة عقلية خالية من الفكر وان عنيت بالشكل والقشور . لكن - مع الاسف - لم تكن نتائج هذا التفكير العميق واضحة ومضبوطة لان التوازن كان مفقودا ولان القلق كان في الحقيقة مسيطرا . وما كان لمجرد تكوين مدرسى ان يعين الفكر على التغلب على هذا القلق .

بذلك سلم جميع علماء التربية ، ولا يزالون يؤكدون في كل مناسبة ان المدرسة لا يمكنها ببرامجها واساليبها وخصوصا بوسائلها المحدودة ان تكون - وحدها - الشباب ، وهم يعالجون اليوم موضوع " المدرسة والحياة " ليبينوا ان المدرسة يجب ان تترك للشباب الوقت الكافى ليجربوا الحياة ويعرفوها ويحيوها ، او انه يجب عليها ان تغير اساليبها بحيث تقدر على إعداد الشاب الى الحياة . وهذا امر صعب .

وادا اعتمدنا ما جاء في مقال لمجلة " حقائق " الفرنسية ، فان نظام الاقامة بدار المعلمين العليا الكائنة بننهج " أولم " يمكن اعتباره مثاليا فى هذا الباب ، اذ ان الطلبة يتمتعون فيها بضرب من الاستقلال الذاتى . الا انهم - والحق يقال -

ليسوا من صغر السن الى الحد الذى قد يظن ، ثم ان اوقاتهم موزعة دوما بين الدراسة ووسائل الترفيه والعبث البرئ .

اما بالنسبة للتلاميذ الذين لا يقيمون بالمدرسة فان ساعات الفراغ التى يجب البحث عن وسائل ترفيه لقضائها تبدأ بعد اوقات الدراسة وبالنسبة للشغالين بعد اوقات العمل بالمكتب او بالمعمل . ومن الامور المبتذلة صرد الوسائل التي نملكها اليوم بفضل التقدم الفنى . اذ المهم هو ان يكون للانسان ساعات فراغ اولا وان يحسن تقضيتها ثانيا ، وان يكون حرا فى ذلك ثالثا وبالخصوص . وهذا صحيح بالنسبة للفتاة التونسية على الاقل والمشكلة تقوم اليوم على هذا النحو .

وازاء ساعات الفراغ وكيفية قضائها يمكن ان تقسم الفتيات التونسيات الى ثلاثة اصناف : (١) الفتيات السلائى يضطررن الى اوقات الفراغ اضطرارا (٢) العاملات والموظفات (٣) الطالبات اللائى يتمتعن ببعض ساعات من الراحة .

يجب ان يفهم الصنف الاول من الفتيات وخاصة من تتمتع منهن بحظ من التعليم ، وبالإحرى يجب ان يفهم آباؤهن ، انه يتعين عليهن ان يجندن انفسهن للقيام بعمل من الاعمال والى تنظيم وتسيير اوقات غيرهن ممن ليس لهم اوقات لهذا الغرض ولكنهم فى حاجة الى وسائل ترفه عن النفس وتهذبها فى آن واحد ،

اما العاملات والموظفات فيحسن بهن ان يطلبن الراحة وان يجددن قواهن عوض ان يثرن اعصابهن الا انه من المفيد ان يقمن ببعض الاعمال اليدوية الطريفة كى يفلتن من الحياة الرتيبة وسآمة العمل العادى ، وخير مثال لذلك الفتاة التي تشتغل في كتابة الدولة للبريد والبرق والهاتف والتى تقضى يومها ازاء آلة الهاتف لا تنفك تقوم باعمال آلية مرهقة . بقى صنف التلميذات والطالبات : واذا كان سعى المربين هو ان لا تطغى الدروس على عقول الاطفال طغيانا فان العادة التي يلقنونها اياهم هى ان لا يقتصروا على قتل اوقات الفراغ بل ان يوجدوا اوقات الفراغ ويحسنوا تقضيتها . وهذا اصعب شئ بالنسبة للفتاة وللمراة فيما بعد.

وسواء  كان الأمر بعد الفصل أم بعد العمل فان الفتاة تعود الى الاسرة حيث الاباء والاخوات وصياح الاطفال بحيث لا يمكن الترفيه عن النفس فى ساعة

الراحة ، وهذا معناه انه يجب تمكين الفتاة او المراة من هذه الراحة ويبقى بعد ذلك ان نعلمها كيف تحسن قضاء هذه الراحة

وإزاء نظام الحياة الموجود ونظام التعليم القائم فالواجب يدعو الى ان تزود الفتاة فى اوقات راحتها بالمزيد من التربية والثقافة . وقد يميل المرء بدافع الكسل او الملل الى ان ينسى نفسه بمطالعته لاحدى القصص او بمشاهدته لبعض الافلام او الروايات المسرحية او بالترنم بعذب الالحان الموسيقية . لكن يبدو انه كتب علينا ان نبقى محرومين حتى من ذلك . فهناك من يحدثنا عن اسلوب المطالعة المجدى وعن الاسلوب غير المجدي . وهناك التعاليق المسجلة مع الموسيقى ؛ وهناك نوادى السينما حيث تعرض الافلام ويتبعها التعليق والمناقشة ، وحتى فى المسرح فان بعض الفرق تأبى الا ان تيبى الجمهور وتقدم المسرحية مستغلة للانفعال الذى يحدث في نفسك ، فيزول سحر الفن وتعود الى النفس يقظتها وانتباهها وتضطر الى التفكير ولا يمكنك ان تنسى نفسك وهمومك بالتجاوب مع الاثر الفنى . وليس للفتاة التونسية ان تشذ عن هذه القاعدة طبعا .

لكن يجب ان لا تقصر عنايتنا على التربية العقلية والفنية والسياسية ؛ بل للتربية البدنية والبدوية مكانة ممتازة ، فالفتاة التونسية القابعة فى عقر ديار " المدينة " العتيقة فى حاجة اكيدة إلى الرياضة والى الشمس والهواء الطلق والخضرة اللامتناهية . والاسفار التى نوه بشأنها القدماء والمحدثون اذا وقع تنظيمها كفيلة وحدها بان تربى تربية عقلية وجسدية . ولكن اذا حرمت على الفتاة التونسية وسيلة للترفيه عن النفس وقضاء اوقات الفراغ فانما حرم عليها السفر . فمع من تسافر ؟ واين تقضى الليل ؟ وهل تكون فى مأمن حقا ؟ تلك هى الأسئلة التى يتساءلها الاباء في حيرة كلما استاذنتهم بناتهم فى السفر . ثم هل من الضرورى ان تسافر الفتاة : إن الاباء يؤثرون ان يكون السفر مع الزوج وإن اكثر من شاب تونسى يرى رأيهم . هذه معركة يجب ان تخرج منها الفتاة ظافرة .

ومن جهة اخرى والى جانب ما تتيحه اوقات الفراغ من فرص للفتاة كى تكمل تكوينها العام فان هذه الاوقات يجب ان تستعمل بطريقة غير مباشرة لربط علاقات اجتماعية . وقد يبدو هذا طبيعيا ، الا ان الفتاة التونسية لم تتمتع بهذا الحق دائما ، وكان لا بد ان تتاح الفرصة للفتاة كي يعرفها المجتمع القريب منها ، فكانت

حفلات الزواج فرصا تضطر فيها الى ان تعرض نفسها على النساء اللائى قد توجد بينهن من تخطبها لابنها او لاخيها فالمعركة الثانية التى يجب ان تنتصر فيها الفتاة هي ان تختار لا ان تكون مختارة فقط .

ويرى بعضهن ان هذا الاختيار قد يقع بمناسبة اجتماعات تجرى فى اوقات الفراغ ، وفي عالم لا يزال الاختلاط يغزو فيه العادات الاجتماعية باطراد ، يجب ان يقضى الاولاد والبنات اوقات فراغهم بصورة واحدة رغم اننا لا نرى الى اليوم نساء يتعاطين الصيد او رجالا ينهمكون فى التطريز . لكن لا بد من ان نلاحظ ان جو الاختلاط لا يعين الى اليوم على الراحة وذلك حتى فى البلاد التى تعودت به منذ زمان بعيد ، فان الوانا من الغيرة والحقد تطغي على الشبان فى الاجتماعات المختلطة ، خصوصا عندما تتلاعب الفتاة بعواطفهم وتتظاهر نحوهم بما لا تشعر به

فمهمة المربين الذين يرومون تنظيم اوقات الفراغ للشبان والفتيات معا عسيرة ودقيقة اذ عليهم ان لا يعتمدوا على الحماس وحب الاخلاص فى العمل الذين يظهران في اول الامر ، بل يجب ان يضعوا اساسا ثابتا منيعا منذ البداية والى جانب ذلك فانا اذكر ما لاحظته لى صديقة غير مسلمة بعد ان قضت سويعات عذبة على شاطىء خاص بالنساء حيث تختلط الحسناء بالحامل والعجوز : الحق يقال ، ان هؤلاء النساء مستقلات عن الرجال لهن ان يبالين بوجودهم فاني لم اتسل ولا احسست بالحرية الكاملة مثلما تسليت واحسست اليوم .

والخلاصة انه ما دام نظام التربية الرسمي على ما هو عليه اى عاجزا عن ان يربي النشء تربية كاملة فانه يجب ان يقع تنظيم اوقات فراغ الشباب ذكورا واناثا بحيث تكمل لهم تربيتهم ويقل عنهم الارهاق ، ومن الممكن ان تكون هذه الوسائل واحدة بالنسبة للجنسين من دون ان يعتبر الاختلاط ضرورة . ومهما يكن فان الفكرة الاساسية هى ان يحسن الشاب قضاء اوقات فراغهم ولن يكون ذلك الا اذا شعروا بالانبساط وانتفى عنهم الضيق والحرج . ويجب ان تكون هذه الوسائل صالحة دائما حتى لا نسمع مثل هذا القول من الشاب : نعم أشارككم فى ناديكم لكن عندما اتزوج ، فعلى ناديكم السلام

اشترك في نشرتنا البريدية