عندما تضطرنا الأحداث أو الحوادث التي تجد فى عالم الناس إلى تسليط الاضواء الكاشفة على المعطيات الاجتماعية أو الثقافية أو التعمق فى بعض القضايا الإيديولوجية ، والتنبيه - أحيانا - إلى ما يهدد البشرية فى كرامتها او جتي في كيانها ، لا ننزع منزع التشاؤم الأقتم ولا نسلك سبل التهويل السهلة والمجانية ، وانما نسعى دائما إلى التقيد بالواقع الصارم ، وننطلق منه لاثارة احساس اخواننا في الانسانية بخطورة القضايا المطروحة ، وإيقاظ هممهم ، واثارة مكامن ارادتهم ، ودفعهم إلى تحمل مسؤوليتهم ، لأننا مؤمنون بالانسانية ويقدرتها على تجاوز متناقضاتها والتغلب على ازماتها ، ومتفائلون ، تفاؤلا متبصرا يقظا ، بمستقبلها ، ولأننا نعتقد أن الحياة نضال
وان قيمة البشر في مدى قدرتهم على تغيير ما بهم ، والتخلص من او هامهم ، والتلاؤم مع ما يفرضه العصر ، وتمليه الحقائق الملموسه ، وكذلك فى عمق صدقهم وجهدهم ، وتوتر ذهنهم بحيث يقدرون على تتويج كفاحهم الذاتي وكفاحهم داخل محيطهم الطبيعى والاجتماعى بما يرضى الضمير ويشهد بعظمة الانسان الذي استخلفه الله فى هذه الأرض وكللفه تكليفا (*). وان من بين الكوارث الكبرى التى تهدد البشرية تزايد السكان بحوالى ثمانين مليونا من الأفراد في السنة أى بمعدل 200 ألف مولود جديد كل يوم مما سيؤول فى السنوات الخمس والعشرين القادمة إلى أن يرتفع سكان العالم من 4 الى 7 مليارات ، فى وقت انخفضت فيه المنتوجات الزراعية وارتفعت اثمانها وكثرت المجاعات وأخذ القحط يهدد الملايين فى عدد من بلدان افريقيا الساحلية ، والمرض يفتك بمئات الآلاف ، والأمية يستفحل أمرها فى آسيا وافريقيا اذ ارتفع عدد الأميين فى السنوات الأخيرة ، رغم ما لا يزال ببذل من تضحيات مالية وبشرية فى هذا الميدان ورغم ما سجل من تقدم من 700 إلى 783 مليون نسمة .
وإلى جانب عدد كبير من العلماء والمفكرين الذين ما فتئوا يطلقون صيحات الانذار في جل عواصم الدنيا ، فان هيئة الأمم المتحدة شرعت في القيام بحملة واسعة النطاق من أجل ضبط سياسة عمرانية يؤمل أن تخفف مر وطأة هذه المعضلة فقررت أن تكون هذه السنة - أى سنة 1974 - السنة العالمية للعمران البشرى ، وسينعقد في أوت القادم ببوخارست ، عاصمة رومانيا ، مؤتمر دولي لهذا الغرض .
وقد التام بتونس فيما بين 17 و 22 جوان الماضي ملتقي دولي درس العلاقة بين القانون والنمو السكانى ، فأبرز المساهمون فيه ان للقانون وظيفة فعالة فى تنظيم الأسرة والحد من خطورة التزايد العمرانى ونوهوا بما حققته الجمهورية التونسية من مكاسب فى هذا الميدان إذ تعتبر مجلة الإحوال الشخصية ، التى صدرت غداة الاستقلال فى 13 أوت 1957 ، أى بعد أربعة أشهر فقط من تأليف الرئيس الحبيب بورقيبة لأول حكومة ، ثورة بحق ووثيقة تحرير وتحرر بالنسبة للمرأة التونسية .
وإن العقل الفاتح والاجتهاد المخلص والخيال الخلاق والشجاعة الأدبية التى تتقيد بالمصلحة العامة ولا تراعي أى اعتبار آخر ، هي التى ساعدت على قطع خطوات جبارة في طريق التحرر من رواسب المعتقدات الخاطئة الآسنة والعادت البالية المؤذية وأعانت على اللحاق بالعصر دون تفريط في روح الاسلام الحنيف ولا زيغ عن أصوله السمحة ، بل بالرجوع الى نبعه الصافي واستيجاء مقاصده السامية .
وكذلك قانون الاجهاض وكل الاجراءات القانونية والادارية الأخرى التى نسهل ترويج المواد الواقية من الحمل أو تساعد على التعقيم الوقتي أو النهائى ، فهى إنما صدرت عن عزيمة السيطرة على النمو السكانى فى هذه البلاد ، لأننا اقتنعنا بأن مجهود التنمية لن يأتي بكل الثمرات المرجوة اذا وازاه التزايد الحالى فى النسل ، وان العبرة ليست في الكم بل في الكيف لأن رجلا كألف والفا كاف ، ولأن المباهاة بالمسلمين يوم القيامة وفي دنيا الناس لن تكون إذا كانوا قوما حفاة عراة جائعين اميين ، بل إذا توفر لهم القدر الأدنى من رغد العيش ونور العلم وأمكن لهم الشغل الكريم والاطمئنان على المصير .
ولن تقوم لنا قائمة ، مهما زادت الموارد ومهما عظمت البترول ما لم تدرك حقيقة بديهية لكنها ظلت - ولا تزال أحيانا محجوبة عن بعض الابصار والبصائر بحجاب القضاء والقدر أو الجهل والصلف...وهى ان النهضة والازدهار والقوة الاجتماعية والمناعة السياسية تنطلق أساسا من
سلامة العائلة وتوازنها وتآلف أفرادها ، وانه لا سعادة لهذه العائلة ولا وئام ولا استقرار ما لم يدرك الأبوان تبعات منزلتهما وخطورة مسؤوليتهما وما لم يقدرا على التحكم في شؤونهما ويعرفا العلاقة بين السبب والمسبب فيقررا عدد الأطفال الذي يمكنهما إنجابهم والظرف الذي يحسن إيلادهم فيه. ثم هل يمكن أن نغفل عن حقيقة اخرى وهى أن الأمر يتجاوز مجرد التوازى بين السكان والانتاج وانه إذا لم يوجد فى العائلة المناخ النفسانى والتربوي الملائم فانه هيهات أن تنمو كل مدارك الطفل العقلية والشعورية وان تزدهر ملكاته وتزكو ؛ وهيهات أن يتطور المجتمع ويستشرف مستوى الحضارة الحق
لذلك وجب علينا معشر العرب والمسلمين - وأبناء العالم الثالث عامة - ان نضع هذه القضية المصيرية فى إطارها الحقيقى ونفهم ان مفتاح الحل بأيدينا ، أى انه علينا أن نغير ما بانفسنا حتى يغير الله ما بنا ، فننظر للأشياء ، نظرة حديدة ونواجه الواقع بكل جرأة وصدق
فأما أن نضع المسألة كما يجب أن توضع ونعمل على رفع كل الحواجز التى تحول دون سيطرة الجماهير على مصيرها فى المستوى الفردى أو العائلى او الاجتماعي عامة ، سواء كانت هذه الحواجز ايديولوجية أو نفسانية ، او ثقافية او اقتصادية . . أو أن نترك الأمور تسير سيرا فوضويا فتكون الكارثة ويصبح عدد السكان سنة 2000 حوالي 7 مليارات لا من البشر بل فى الواقع من الحشرات كما تنبأ بذلك احد علماء العمران البشرى مع ما ينجر عن ذلك من احقاد واضطرابات وحروب .
وقد يبدو للبعض ان الداء استفحل وان النصر صعب يكاد يكون ميؤوسا منه والجواب هو أن طاقة الانسان لا حد لها فهو الذى تحدى بالامس القمر وكسب الرهان ، وفي مقدوره اليوم أن يتحدى هذا السرطان الفتاك الذي يهدد كيانه فى هذا الكون وان يستنبط الطرق والوسائل الكفيلة بجعل الحياة بين البشر ممكنة ، بل رغدة ، وجميلة ، بعد سنة 2000 .
والطريق طويلة لا محالة لكن الم يقل ماوتسي تونغ : ان قطع مسافة 1000كلم يبدأ دائما بخطوة متواضعة ؟ " (*)

