كان للزيارة التى قام بها الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول ومدير مجلة (( الفكر )) الى باريس فى غضون شهر مارس 1985 والتى انتظم بها فى رحاب الصربون حفل تسليم ميدالية هذه الجامعة اليه كمفكر وفيلسوف تونسى عربى ، الاثر الكبير فى نفوس التونسيين بصفتهم عربا ومسلمين وخاصة وهو أول عربى نال هذا الاستحقاق . ( راجع على صفحات المجلة بباب أصداء وقائع هذا الحفل وكذلك خطاب الاستاذ محمد مزالى ص. ص. 7-12 ) . ولم تكتس هذه الزيارة صبغة سياسية فقط بل كان لها جانب حضارى ثقافى سواء فى اهتمام المحافل الجامعية الباريسية عندما سلمت الى الاستاذ محمد مزالى السيدة أوفيلير عميدة جامعات باريس ميدالية الصربون فى حفل مؤثر أو فى تسليم السيد شيراك رئيس بلدية باريس ميدالية المدينة أو فى المساجلة السياسية الحضارية التى واجه بها الاستاذ محمد مزالى فى إذاعة الكسمبور وتلفزتها جمعا من الصحافيين بهذه المؤسسة وبجريدة (( لوموند )) .
وليس فى ظنى أن أعيد على هذه الصفحات ما كتبته الصحافة التونسية وغير التونسية - مما سيجد القارئ الكريم نبذة منه فى هذا العدد وفى العدد القادم - بل إننى عندما حضرت هذه الوقائع كلها فى اليومين الزاخرين باللقاءات تمثلت الحدث فى تسلسله التاريخى الحضارى وربطته بتاريخ تونس منذ ما يقرب من مائة وخمسين عاما باعتبارها جزءا من العالم العربى الاسلامى له مع الغرب تاريخ طويل وخطب عظيم .
ولم يكن من الهين على ألا أتاثر بذاك الموقف الجليل فى رحاب الصربون وألا أستعيد شريط لقاءات التونسين فى مدينة الانوار بباريس منذ أكثر من
قرن وأن أقارن بين وقفتهم وهم مبهوتون مبهورون بما وجدوه فى هذه العاصمة الاوربية من تقدم وعلم ونظم ووقفة الاستاذ محمد مزالى أمام عمداء جامعات باريس وأساتذتها وأمام أعضاء الاكاديميات وأساتذة الصربون : وقفة الاعتزاز والشهامة لا وقفة المبهور المفتون وموقف الغيور الفخور بلغته ، المتمسك بحضارته وثقافته المتعلق بوطنه وأمته لا موقف التابع المأفون والمبهوت المجرور كما حكى ذلك ابن أبى الضياف فى كتابه الاتحاف .
وإنه لمن حسن الطالع والسعادة المثلى أن أحضر مع اخوان تونسيين وأشقاء هذا الحفل الذى أبرز فيه الاستاذ محمد مزالى مآثر الحضارة العربية الاسلامية وتأثيرها على الحضارة الغربية وبين فضل هذه الحضارة عليه ليظهر بفكره وقد تآلفت فيه عصارة الحضارتين ولباب الثقافتين ليكون موقفه هو الخط الأمثل لما يحب أن يكون عليه حوار الثقافات بل تمازجها ولما يقتضيه السلم فى العقول والطمانينة فى النفوس من تسامح ورحابة صدر وتكاتف وتعاون مثمر .
وان الذى أريد أن أؤكده فى تعليقى على هذا الحدث هو أن ما تم ممثلا فى شخص محمد مزالى من الناحية الفكرية والفلسفية يعد فى رأيى خلاصة جهد هذا الشعب وجهاده الممثل فى شخص المجاهد الاكبر الحبيب بورفيبه الذى فهم قبل غيره من الناحية الحضارية والسياسية خطر الرهان وذلك فى أحلك عصور الاستعمار وأبشعها .
وليتبين القارئ الفارق بين ذاك الماضى الذى يظنه الكثيرون بعيدا ، وبين هذا الحاضر الذى يستهين البعض بمآثره ويمر عليه البعض الآخر مر ((الكرام)) فلا بأس من التذكير ببعض الاحداث والمواقف ولو أن الذكرى لا تنفع الا المؤمنين فى انتظار أن تلحق الهداية بمن لم يعمر قلبه الايمان ومن لم يسكن عقله العلم والمعرفة وانتصب محتكرا للحكمة والحقيقة ناصحا مرشدا ، متلقطا للسقطات راجما بالغيب ، مشيعا للاراجيف ، مغضيا عن الحسنات مضخما للمعايب .
أنه لا يمكن لمن عرف تاريخ تونس الحديث أن ينسى تلك الرجة التى عرفها المجتمع التونسى إثر احتلال الجزائر سنة 1830 وتأثير الغرب فى حياته وخاصة الفرنسيين منهم وما كان لأحمد باشا من همة فى (( الاخذ بوسائل التقدم وعزيمة ثابتة على الاصلاح )) بتأثير الوزير مصطفى صاحب الطابع . فأنشا بعد سنة من توليه أى سنة 1838 مدرسة باردو الحربية التى جمعت بين تعليم اللغة
الايطالية والفرنسية والعلوم الحربية وبين تعليم اللغة العربية والتربية الدينية وكان قابادو هو الذى اضطلع بهذا التعليم وخاصة ترجمة كتب أوربية فى الفنون الحربية وعهد بالاشراف على هذه المؤسسة لخير الدين العارف باللغة الفرنسية ثم بالعربية فى تونس .
ووصل الانبهار بالغرب الى حد توجه بسببه أحمد باشا الى باريس بنفسه فى رحلة رسمية سنة 1846 (( صحبه فيها كثير من وزرائه وقواده ورجال حاشيته وكان ذلك فى عهد الملك لويز فيليب ونظام دولته الملكى الديمقراطى ففتحوا أعينهم على حياة باريس الباهرة ونظمها وحضارتها ورجعوا مبهوتين يفيضون من الاحاديث ما أصبح فى الحياة الشعبية مادة للتنكيت والاساطير وأصبح فى الحياة الفكرية توجيها لحركة الاصلاح وطابعا لتطور الأدب الراقى . وتتابعت رحلات رجال الدولة الى فرنسا فيما بعد فكان فى الراحلين من أمراء البيت المالك ورجال من الوزراء والقواد منهم زعيم العصابة الاصلاحية خير الدين وعضده حسين )) (*) .
واذا كان هذا الانبهار قد رافقته نزعة اصلاحية ظاهرة فانه رغم تمسك النخبة كمصطفى صاحب الطابع ثم قابادو وخير الدين وأحمد بن أبى الضياف ومحمد بيرم بالنظرة الخلدونية وبالاصالة الاسلامية لم يكن من السهل على هؤلاء التشبع بالثقافة الغربية التشبع الذى يجعلهم يقدرون على مخاطبة الغرب بلغة هى تأليف بين ثقافتهم الاصيلة وبين ثقافة الامم الغالبة بل كان همهم أن يقلدوا ما وسعهم ذلك ويسلموا بالغلبة والتبعية . ورغم ان ما سنوه من عمل اصلاحى كان فى امكانه أن يخرج البلاد مما كانت فيه من تأخر وجهالة فان تضافر القوى الهدامة وأصحاب المصالح المحيطين بالباى والمرتبطين بالاجانب ثم انتصاب الحماية كان كذلك تعطيلا لذلك السير فأصبح هم النخبة فيما بعد هو الدفاع عن شخصيتهم العربية الاسلامية والتنبيه الى تدهور الحال حتى أن الحركة السياسية الاولى المنظمة كان فيها اعتراف بأن تونس قد فقدت كل مقوماتها فهى شهيدة جديرة بالبكاء والنواح والرثاء وهى تنتظر العطف من المحافل السياسية الفرنسية .
ولم يكن ذاك التمشي الا صورة من الانبهار والتبعية وما أن جاءت الثلاثينات حتى انتشر الوعي واستفاقت الضمائر الحية وخلص الفكر من الخنوع وظهرت حركة فكرية وثقافية وسياسية نشيطة أهم ما فيها بروز الحبيب بورفيبه الذى أثار الانتباه بتفكيره الجديد المتمسك بشخصيته العربية الاسلامية ولكنه المعبر عن ذلك فى دفاعه عن وطنه وكفاحه من أجله بلغة يفهمها الغرب وينفذ الى مراميها . فكان ذلك بدءا فى الواقع للخروج من الانيهار والخنوع والتبعية وحث الشعب على رفع رأسه أمام الغاصب الغالب . وكان الانتصار السياسى والاستقلال وخوض سبل التقدم والازدهار الثقافى والحضارى ومحاولة ضرب كل تبعية مقيته والدخول فى حلقة الابداع والابتكار فى جل الميادين سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية .
وإن محمد مزالى بما له من كفاءة وقدرة على الاحاطة بهذا الجهد المستمر والجهاد المتواصل لكل القوى الحية فى البلاد بدعم وتوجيه من صانع مسيرة خلاص الشعب التونسى الرئيس الحبيب بورقيبه ليس الا رمزا لهذه المسيرة التى أوصلته إلى رحلته الباريسية التى لم تكن كرحلات المصلحين الاول بل هى رحلة يمكن أن تعد تحولا فى تاريخ تونس لانها ترتكز على نظرة هى السبيل المثلى لاحلال الوئام بين البشر وللخروج من المسالك التى لم تؤد الا الى الحروب والاستعمار وجعلت أمما تغذت فى الواقع من نبع واحد تتصادم فى عنف وتديم الاحن بينها .
فلعل هذا الحدث الذى فيه اعتراف من صانعى الافكار والمذاهب فى جزء خطير من أوربا بأنه فى الامكان احلال الحوار محل الشعور بالتفوق وأنه ليس من نجاة للبشر فى هذه الحقبة المنذرة بالدمار الا الانصات المتبادل والتراشح المتواصل أى السلم المثمرة للخير العميم .
فهل يتواصل هذا المسعى مع رجالات آخرين من بلاد العالم الثالث فتتغلب بذلك كفة التفاهم والحوار البناء على كفة التحديات ومظاهر التفوق ؟ وعلى كل فشتان بين الرحلة الباريسية بالامس البعيد والرحلة الباريسية اليوم !.

