فى هذه المناسبة التاريخية الجليلة اتوجه باصدق التهاني والاكبار الى مجلة الفكر الرائدة فى عيدها الخامس والعشرين والى اعضاء اسرتها المجيدة فى سائر انحاء الوطن العربي الكبير .
واذا كان الفكر هو الكيان الكروى الشامل الذي تتلاقي فيه ، سائر محاور المعرفة والعلوم ، فان العلاقة العضوية بين الفكر والشعر تجعلنا نؤمن انه لا وجود لاحد هما بمعزل عن الاخر .
ذلك ان الكائن الفكرى لا يمكنه ان ينتفس فى دنيا الحقيقة والواقع اذا كانت جذوره لا تستمد عناصر البقاء من بيئة الوجدان وما يزخر به من احاسيس ومشاعر كما ان الكائن الشعرى يبقى فى عالم الظلام ما لم تمتد فروعه فى اغصان شجرة الفكر الصاعدة على مر العصور فى مهب اعتى الاعاصير
واليوم ونحن نحتفل بعيد مجلة الفكر اذكر عبارة لرئيس جمهورية المانيا الاتحادية كان ادلى بها فى حفل تكريم قاجنر " شاعر الموسيقى حيث قال : ان خير تكريم للعبقرية هو ان نكرم جميع عباقرة العالم "
واليوم فى هذه المناسبة الجليلة يجدر بنا ان نقول : ان خير تكريم لمجلة الفكر فى عيدها ان نتحدث عن الفكر بالفكر
وخير ما أجده فى هذا المجال ان اهديتها هذه القصيدة الجديدة التى ما ازال حيا فى مناخها وتحت وابل احاسيسها الواقعية المضنية ..
وحسبها انها صدق واننى اتركها رسالة من الاعماق الى تونس الخالدة وانا اغادر ربوعها ، بعد آن اقمت فيها ما يقرب من عام .
سامحيى اذا رأيت بياني وجمت فى خميله الحاني
سامحيى فان بعض حروق من ارييج والبعض من سنديان
سامحيى فان جرحى عميق كان جرحي بخنجر الخلان
سامحيى ، مرى بلمة رفق ففؤادي بحاجة للحنان
سامحيى انى لديك وجمعي لا اراك الزمان جور الزمان !
سامحيى لديك ان باح جرحي فوق صدر الصديق حرز الامان
لا تلومي فالود حب رهيب حين يجفو السننا دجى السجان
اي سم يسقيه اشفاق وغد اى وخز يذكيه عطف مهان
يقتل الحر دمعة من ذليل وضماد ملوث من جبان
يخجل النور لوثة من ظلام ويموت العبير فى القطران
واذا ما هويت يوما تخير موقفا للصقور لا الغربان
ثم راهن بالعزم وانهض ابيا وتلقف بالصبر كأس الرهان
انا يا دار ما سلوت عهودا لم يزل بوح نثرها فى جنانى
نسيتني ربوعك الخضر حتى انكر البحر زورقي وجفانى
وحقول الزيتون اضحت كانى لم اكحل بسحرها اجفانى
يوم يمسى " باب السويقة " بابى لزمان مضمخ الخفقان
يوم اذكى النشيد ، والليل قلب ضمنى فى حدائق الاحضان
يوم اهديتها من الشمس عطرا اصله من مدينة " القيروان "
يوم اهدى لها السلام نديا من جبال الفيروز فى " بلودان
يوم من غابة " الفرلق " ، اجنى لك زهر الكباد والاقحوان
يوم من " بانياس ، احمل حبا مثل خد التفاح فى " الزبدانى "
كرز كان فى سلالي ولوز حلتي من فستق البستان
كنت آتي بألف حلم تفيا فى ثنايا حقائب ودناني
كنت آتي ووردة فى يميني كان تاريخ عطرها عنوانى
ما الذي ياتري تبدل حتى خاب حظى ، ولم يفز من رقاني
اترى عين حاسد خرقتنى ؟ ودهاني من شرها ما دهانى !
بخريني " بالداد من دراهم " وانفحينى " بالنرد " واللوبان
هات حناء قابس بوميض مثل لون الخرنوب بالزعفران
عل " سيدى الحارى " ، يبارك نبضي ويزيح الجبال عن وجدانى
يا رياح الفكر المجنح هبى واحملى يا رياح اعتى الأمانى
حلقى بى فوق الربى وازرعينى عند نبع العيون فى " زغوان "
سيدي بوسعيد ، فى مغانيك خذني عل هذا السقام يجفو مكانى
واسقني من رحيق نفحك راحا فى فرادس سحرك الربانى
نسج البدر من اساه خيالي وتردى مواجعي وحكانى
فهو مثلى لا محرق بلهيب وهو مثلى المشنوق دون عنان
لست انسى وللبجار حديث فى بحار الخيال والوجدان
لغة الموج من بحارك كانت فى خيالي رسالة الغفران
كان حلمي أن يلبس الشعر بردا في مغانيك زاهر مع الاردان
كان حلمي لقاء قرطاج صيفا لأزف العروس فى المهرجان
كان حلمي أن يكتب البحر شعرا ويقيم الصلاة فى نيسان
كان همى أذوب الروح خفقا لا تخافى فإنني زوجانى
كان جسرى إليك شلال عطر سابح في بهائك النشوان
كان حلمي على ضفافك اصفى واقول اللوحات بالالوان
حطموا ريشتى وقصوا جناحى احرقوا الزيت كله والاوانى !
حطموا ريشتى وقصوا جناحى سرق اللص مقود الربان
هل جواب " بحلق واديك ، ينطفى ما بحلقي من حرقة الغليان
يا صديقى ، ونحن من قبل كنا مثلما تحلم العلا فرقدان
يا صديقى أنا وانت كلانا فى مرايا النفاق مخدوعان
البسوا عندك الحقيقة كفرا وكسوا الكفر جبة الايمان
واستكانوا لديك حتى استثماروا منك حد الحسام والصولجان
فرموا - مثلما ارادوا - الضحايا ثم قالوا : أنت الأثيم الجاني
وهمت رحمة الاله بفيض فاتاني من عنده ببيان
ها أنا اليوم عنك اطلب عذرا فتقبل من خافقي غفرانى
يا جبال الفكر الأبى هبيني وقفة فى المدى البعيد الداني
فازف النشيد لابن " رشيق " ثم اهدى قلادتى " لابن هاني "
و " ابى القاسم ، المريد حياة و" ابن خلدون " واضع الميزان
"ومزالى" الذى على كل صرح يزرع النجم ساطع العنفوان
يا جبال الفكر الفتى تحدى جبهة الشهب واعصفى يا امانى من ضحاياك ما يزال فؤادى ظمأ الشمس لارتشاف الدنان
غير انى وما تزال قلاعي من مريج الياقوت والصوان
يا عميد الجهاد يا خير بان لمروج الاخلاق والعرفان
انت نور يمحو دياجير بؤس وشفاء من هذه الاوطان
يا ابا الفكر ، والجهاد شروق من سنا ومضك الشموخ الحاني
فكرك الفذ ما يزال سناه فى الدياجى حدائق الحيران
مارد فكرك المجنح يغزو كل غزو بوقده البركاني
يا ابا الفكر لا تلمني اذا ما لاح فى ناظرى اسى تبياني
كيف اهدى الحبيب باقة ورد من قطافى وليس عندى يدان ؟
رسم البحر صورتى فى مداه مثله لا شفاه . لا ساعدان
صرت والبحر فكرة ووجيبا فى احتدام الامواج يلتقيان
مثله تهدم القيود كياني وهو مثلى يغلى بغير لسان
صار صوتى انسان بحرك يروى اغنيات العذاب فى احزانى
لا تخافي لديه ان لاح وجهى وسمعت النداء فى الشطلان
واعلمي انني بموجك احيا الق الشمس وامتداد الزمان

