الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

إلى (( معين بسيسو ))

Share

عندما التقيت بك ( * ) أول مرة فى الماآتا عاصمة كازاكستان لم يكن لى بك سابق معرفة . . لم أقرأ لك شعرا ولا نثرا . . لم يجمعنا لقاء قبل . ولجنا الطائرة التى ستقلنا الى ايريفان عاصمة أرمينيا لا حديث ولا حتى مجرد تحية كان ذلك منذ أربعة عشر عاما خلت . وكنت فى أوج العطاء . سمعتك تحدد مسؤولية الشاعر المناضل فى كلمات رسخت فى ذاكرتى كأبيات الشعر تنحت على الصخر .

قلت : (( عندما يمد الشاعر يده للتحية فانت لا تلمس فى الحقيقة جسده لانه يحييك بدمه كما يكتب الشعر بدمه )) . وحييتنى وأرادت الاقدار ان تمكث يدك فى يدي حتى ذلك اليوم الذى كنت أنا فيه طريح الفراش معلق الرجل غائر العينين مدمر القلب والرئتين مدعوا الى سفر بعيد لا رجوع منه . عدتنى وودعتنى . . . وبقيت أنا وذهبت أنت وها هى سنة تمر على يوم الفراق ذاك وكأنى بيدك تعود اليوم الى يدي دافئة مطمئنة مبشرة بلقاءات ستكون لنا فى القدس التى ترفض السرج واللجام .

ونجتمع اليوم حولك يا معين فى الذكرى السنوية الاولى (( لوفاتك )) لنذكر بكلماتك الخالدة فنصبح أقل خوفا من الموت . . . لنقهر العدم .

واذكر انك فى جلسة من جلساتنا فى اتحاد كتاب آسيا وافريقيا تناولت الكلمة لتشكر مضيفينا وتتقدم ببعض المقترحات العملية بالنسبة الى الاجتماع

القادم الى غير ذلك مما نقول عادة فى مثل هذه المناسبات وكان من المفروض أن ألقى بدوري كلمة باسم اتحاد الكتاب التونسيين فقلت متسائلا وقد سبانى كلامك وسحر بيانك : (( وهل يتكلم بعد معين بسيسو ؟ )) وسكت لان فلسطين تكلمت باسم تونس وباسم العرب جميعهم وكانت كلمتها معبرة . . . والألم دائما معبر .

كلمتك يا معين باقية لانها فى صميم آلام الناس التى صورتها أبدع تصوير لا بصفتك الناقل الامين لتلك الآلام ولا المردد لأنات المعذبين فى الارض بل لانك أنت الألم بالذات وأنت الصياح وأنت العويل وأنت السخط . . . معا وفى نفس الوقت . .

كل كلمة قلتها يا معين كانت خطوة وكانت الطريق أمامك طويلة . . . فمن اختصرها . . ؟ ولم اختصرها ؟

" سفر . . . سفر " .

أنا عشت القصيدة . . . قصيدتك من الينبوع الى قوس قزح وكنت فيها شاعرا متألقا عملاقا .

وأسائل نفسى : (( هل حقا مات معين بسيسو ؟ )) .

وكأني بصوتك المجلجل أبدا يذكرنى بقصة شاعرك العربى القديم الذى أمر الحاكم الذى هجاه بأن يحضر مكبلا فى اصفاده وان يجبر على محو الابيات التى نقشها على الحجر بيده فذابت يده اليمنى ثم ذابت اليسرى وأجبر الشاعر على محوها بوجهه فذاب جلده وسقط . . . سقط الشاعر لكن بقيت على اللوحة الحجرية كلمة (( لا )) شاهدة له بالصمود وعلى الحاكم الجائر بالغباء والجبن .

صموك يا أخى العزيز فى وجه النائبات التى انتابت وما زالت تنتاب شعبك البطل نقشته على الحجر . . . على جدران قلاع الشرف وكم للشعب الفلسطينى من (( قلعة شقيف )) ! .

أحببت تونس وألقيت بها عصا الترحال . . لأمد . . . وقلت : (( هنا يا رفيقى مصطفى سيكبر البرتقال والرمان والتين وسيثمر فى حديقة منزلى . . أمام عينى . وكان ما أردت . اقتنينا الشجيرات وغرسناها فى حنو وكثير من الصبر والحذر . . . كالاحلام نذودها ونخشى عليها العطب . كنت تجلس اليها  تحدثها فى لطفك المعهود عندما تروى حكاياتك للاطفال . . . لتلك التى فى                                            19                                     891

العاشرة من عمرها تبحث عن خارطتها بنفسها وعن نشيدها الوطنى وعن كل شئ يثبت انتماءها الى وطن . . . لانهم لم يقدموا لها ذات يوم لا جغرافيا ولا تاريخ فلسطين .

معين بسيسو الشاعر المناضل نصفه طفل ونصفه الآخر مقاتل . كنت شاعرا  وكانت أبياتك تنعش الثورة ولا تنفك تذكيها . ذاب شعرك فى النضال وذاب النضال فى شعرك وستغدو جداولك شلالات وتنمو الثورة . . . تنمو حتى تصبح (( جبل نار )) وخيمة دم فى الريح منصوبة . الفكر كان ولم يزل عندك رصاصة والعقل لديك أخ البندقية . . . توأمان متلازمان .

لم ترد أن تترك ثأرك للتاريخ . . . ثارك ضد أولئك الذين يتركون الطفلة تبحث وحدها عما يؤكد انتماءها الى أرض . شهرت بالكلاب البوليسية الادبية وقطط دور النشر بشعرائها وكتابها الاكثر توزيعا والذين (( هربوا الى حيث تقف الدبابة الاسرائيلية )) .

لذلك لم تدس رأسك فى الوسادة الناعمة فى انتظار أن تنزاح من أمام عينيك المشاهد المزعجة وان تنسى بعد ذلك الألم وقد شغلك عنه بهرج الحياة وزخرفتها الخالية من كل لب . أدبك يا معين نابع من ذاتك . . رجوع الى النفس ومحاسبة مستمرة .

ألم . . . ألم . . .

والاصبع عندما يقع على الجرح يصبح سكينا . . . الاصبع يؤلم وكم من مرة وضعت اصبعك على الجرح . . . فتألمت وألمت .

سفر سفر . . .

سار القطار الذى لم يفطم بعد لانه ما زال يرضع من حليب شجرة الورق . . . سار القطار وانطلقت صفارته مذ (( غابت عن يديك عيوننا . . وركبت قبرا آخر . . وأصبحت شيئا آخر . . . )) سار القطار . . . ولعلك الآن تعرف وسط هذا البلقع . . . من كان من الذئاب عليك . . . ومن معك .

وأعرف أنا . . . أعرف انك كنت مع من (( علم النوارس القراءة والكتابة ودروس الرسم . . ومن صار وجهه عاصمة لكم )) . . معشر الفلسطينيين . . . ذاك الفلسطينى الذى اسمه ياسر عرفات والذى تقول فيه :

(( وأنا وأنت هنا . . . ومن كفيك وجهى يبتدئ هذا هو المتراس دالية من النيران غطاها الندى وأنا معك ))

علمتنى يا معين أكثر من حكمة لا تحصل الا للمشردين الضاربين فى ارض الله وما من مقر . قلت : (( أنا ريشة من بين الريش الذى يغطى جسد الصقر الذى كنا فى سابق الزمان والذى نريد أن نكون فيما تبقى من الدهر )) .

وقلت : (( الشاعر اليوم لا ينتمى الى قبيلة بعينها أو بطن منعزل عن المجموعة . نحن عرب . وعلينا أن نتحمل مسؤولياتنا فى النصر كما فى الهزيمة . . . وبعد هذا وذاك . . نحن بشر قبل كل شئ . . وعلينا ان نتحمس لرسالتنا الانسانية كبشر )) . وقلت : (( تعلمت صناعة الشعر طفلا فى غزة كما يتعلم الاطفال أصول السباحة . لكن ما أعسر أن تسبح فى قطرة حبر . . . فى قطرة دم . . . )) وقلت : (( همى كل همى . . . أن يقرأنى الانكليزى والالمانى والامريكى والروسى والصينى وان يخرج من قراءة شعرى وقد امتلأت رئتاه بحب فلسطين )) . وقلت وقلت وقلت . . . وأنا استمع اليك كمن يقرأ فى كتاب مفتوح . . . وأحببت من خلالك فلسطين وأصبحت من أجلك ثورة .

أقول اليوم :

ما زلت يا معين بيننا وما زلت تتكلم . . . ما زلت تنبه الى فداحة الخطر من الشعور بالراحة النفسية بالنسبة الى عدد كبير من الكتاب والشعراء هنا وهناك ممن يصمتون أمام حرب الابادة المهندسة ضد الفلسطينيين والوطنيين اللبنانيين .

قلت لهم : (( عبثا نحاولون أن تاكلوا خبزكم بلا دخان . . . ان الدخان يفوح حتى من الموسيقى التى تؤلفون لأطفالكم . . . والدخان سيصعد من الورق الذى ستكتبون عليه . . . فالدخان علق بأيديكم . . . وعبثا تحاولون غسله بالحبر )) .

وقلت لهم : (( ما أكثر الكتب الرديئة التى جرتها وراءها على القضبان قطارات الثورة المضادة ! )) .

وأقول اليوم : (( أنت يا معين من معدن كريم . أنت عندما كتبت وجهت قصائدك الى قارئ واحد  . . . ذاك الذى سيطر على كل ما كتبت دون شفقة ولا رحمة . وحالفك الحظ لان قارئك الوحيد ظهر لك فى وقت مبكر فكتبت له قصائدك كانها رسائل وجهتها اليه هو دون أى أحد سواه . وكلما كتبت له بشكل أفضل أحسست انك اقتربت منه أكثر فأكثر . . . قارئك هذا ليست له قومية محددة ولا جنس ولا دين ولا لون بعينه . قارئك - وانت من وطن يبحث عن وطن - ملايين من القراء . . يقرؤون فى كل اللغات . . فى كل القارات . . فهنيئا لك يا أخى . . يا عنقود عنب تفجر فى الفضاء  . . (( عنقود فوق رغيف . . والشاعر يمشى . . فوق زجاج شبابيك العالم . . يصنع لغة أخرى . . يتشكل صوتا آخر . . بين رصيف ورصيف )) .

أنا وأنت يا معين تعلمنا من شجر الزيتون كيف نكون وعرفنا أن صوت الشاعر كصوت أجراس المدارس لا ينسى وانه كصوت قطرات المطر فوق زجاج الشبابيك .

أقول اليوم :

لم اكتب عنك بعد يا أخى معين . . . لانك تستحق أكثر مما بوسعى الآن أن أكتب فيك . . . أن أقول عنك . . لم يحن الوقت بعد . . الجرح ثخين لم يندمل بعد . . . لا بد أن تلون الفراشة أصابعى وأنا أكتب عنك وفيك . . . لم يحن الوقت بعد . . . لم تطر بعد بأرجائى تلك الفراشة التى حدثتني عنها وقلت : (( انها الوارثة الاولى للضوء والنار وبطلة الرماد الذى من عجيته تأتى الكهرباء )) .

أنت يا معين من أغصان شجرة الصداقة فى (( سوتشى )) تتدلى منها كالبراعم البيضاء بطاقات تحمل أسماء أولئك الذين أعطوا أسماءهم وأصواتهم لشعوبهم وللبشرية جمعاء . . . بابلو نيرودا وعزيز شريف وفايز أحمد فايز وناظم حكمت . . وأنت يا معين . . أنت وهم . .  . . وهم كثر .

كل ثمرة من هذه الشجرة الطيبة التى أصلها ثابت وفرعها فى السماء تتحول إلى كأس . . . كاس نرفعها - نحن الأحياء ؟؟ - فى مناسبات نخب من أعطوا قوة الدوران للارض وللحياة . . . احياء لذكراهم وتمجيدا لأسمائهم وتخليدا لآثارهم .

هنيئا لك يا رفيقى معين . . . يا شاعرا له وجه الينبوع . . . (( تحس انه صخرة من الورد يربض سرب من الغزلان على أغصانها )) .

هذه آيات من آياتك ساظل أرددها - ما حييت - لأصبح أقل خوفا من الموت .

على نخبك يا معين . . .

قل لى بالله عليك قل لى : من أى قطرة تراب بدأت شجرة الصداقة فى سوتشى ؟ أمن دم الشاعر العملاق بوشكين الذى سقط برصاص اللقيط دانتس ؟ وهل يكتب لنا - مثلك يا معين - ان تغوص فى دمنا جذور شجرة الصداقة . . . فى سوتشى ؟ .

اشترك في نشرتنا البريدية