الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

إليها...

Share

هى امرأة ارادتها القصة ان تكون . . . فكانت طريقة ، عذبة كارتعاش الضمير . . كالسر الذاتى .

لقد كانت ، مذ حين ، متمددة على الفراش تطالع احدى القصص العاطفية فندت عنها حركة منفعلة القت بعدها الكتاب عرض الحائط . . وقررت ان تسافر . . ان تسافر فقط . .

واحست ، وهى تسوق سيارتها ، انها قضت خمس سنوات ملآى بالاحداث والمغامرات ، . . خمس سنوات ملأى بدون جدوى او رجاء .

وتململت عند ما ادركت انها كانت تعيش قصة ، . . قصة متمردة ، غير مخلصة . . واستسلمت لصمتها اذ احست انها مدفوعة قضاء الى القصة . .

وشعرت وهى تدخل بيتها الريفى ، انها خرجت من هذا الجو القصصى . ولكن عندما حلت بغرفة النوم تذكرت انها تركتها . . تركتها ، ذات ليلة ، منذ خمس سنوات ، مضطربة فى فوضى . . وصاحت ، فوضى ، فوضى فى النزعات والاحاسيس والتفكير . . وهوت على سريرها الذي قد علاه الغبار . .

واعادت الى مخيلتها الخمس سنوات فى لف وبعثرة وشتات كانها اشلاء . .

لقد قالت له منذ يومين : سوف احيل كل شئ الى ذكرى . . ذكرى حميمة نعم سوف احيل كل شئ او سوف يحال كل شئ الى ذكرى

واحبست بارتخاء واعياء وقلق واضطراب ، . . فخرجت تبحث عن تسلية . . غير الجسد طبعا ، او حتى الفيلم العاطفى . . ووقفت امام احدى دور السنما تتامل المعلقة التى تنص عنوان الرواية . . وانتهى اليها صوت يهمس بالعنوان ولم تتسرع بل ترنحت وهى تتحسس الصوت وتستعيد صداه كانها تتلمس شيئا مالوفا . . والتفتت . .

- سالم ! وزعقت بالضحك . . .

فابتسم وهو يقدم اليها تذكرة . . واخذتها . . وبدات تفكر وهى تاخذ مكانها بجانبه : " لماذا زعقت بالضحك عندما راته ، ولماذا قبلت تذكرته ، او لماذا هى الى جانبه . .

ولم تكن بها رغبة فى الكلام او فى الاجابة عن بعض اسئلته ولكن احست " بسالم " الذى رافقها وهى فى السادسة عشرة من عمرها . . فى اعنف ازمات المراهقة . .

وراى دموعها . وخشيت ان يظن انها تبكى من اجله او من اجل اى رجل وانهمرت دموعة وجمدت عيناه على الشاشة فى لا شعور .

وليس الفيلم هو الذى ابكاهما او الموقف او المفاجاة ، وانما هو شعورهما انهما فى حتم القصة . . القصة الوجودية

وغادرا صالة السنيما صامتين . . قالت له عند بابها : متى رجعت الى الريف ؟ قال : منذ ساعات وادركت لماذا غادرت المدينة فجاة . . ولماذا تركت " الآخر " يترقبها . . ومد يده مصافحا ولكن اشارت اليه " ان ادخل " . . وكانت ليلة . . ليلة اسطورية ، سحرية . . ليلة شيطانية رقيقة .

كان جالسا ساكتا يتاملها وكانت تخلع معطفها فاحست ان اناملها لمست نهديها البارزين . . فابتسمت والقت بالمعطف عليه . . واخذت يده ثم غمرت وجهها فى صدره . . وكانت هزة مشاعر طافرة دفعتها الى ان ترفع شفتيها وتغمرهما فى قبلة عميقة كالخلود ، كالفن . . قبلة مرتجفة عطشى كالنظرة ، . . كالميول ، كالصبية . .

كانت ممثلة بارعة فى تلك الليلة ، . . وكان منهدم الحس ، متداعى القوى . . وكانت الليلة سحيقة القرار . . اما الصباح فقد كان مدهشا لعينيها هذا سالم نائم الى جانبها . . ورات ثيابها على حقيبتها التى لم تفتحها . .

وغادرت الفراش بحذق فائق لكى لا توقظه . . ولما سارت بها سيارتها الى المدينة تذكرت انها لم تتعش البارحة وقالت : سوف يفاجئه غيابي كما فاجأه لقائى . . ولما تذكرت ان مفاتيح البيت الريفي سوف تبقى عنده هزت كتفيها وزادت فى سرعة سيارتها . .

. وتهاطلت رسائله ، . . ولم ترد عن واحدة منها وانما كانت تتذكر عند

قراءة كل رسالة - ذلك اليوم الذى عادت فيه الى المدينة والذى قضت بقيته فى نوم لذيذ عميق

. . واقلقتها رسائله ولكن . . كل ما فى الامر انها منحته ليلة . . ليلة كانت حوادثها جميعها من وحي اللحظة . . والقت بكل رسائله فى الموقد . . " قصدت ليلة فحسب لاعشرة وحبا وذكريات و . . كل ما ارادته ليلة . . وقد تعطف المراه . . تعطف فقط . . "

والتفتت الى الموقد الذى يلتهم الرسائل فلمحت شبحها فى المرآة . . ورفعت يدها اليه واخذت تتحسسه حتى انزلقت اناملها على شفتيها . " ولكن هذا وجهى . . وأحسست في صمت بارد انه عذب جذاب . . وجهها المسكين الذى طالما اسلمته لهؤلاء ، أي الرجال ، فى شعور سلبى . . تلبية لنزعة ما . . ولكن ، . . لماذا ؟

الانها امراة . . امراة افتاقت فاندفعت فى مهمة المغامرة الحائر . . واغمضت عينيها وهى تتمتم : " ولكن المشكلة فى ان افهم ذاتى ماذا اريد ؟ عن اى شىء ابحث ؟ . . "

. . استيقظت ذات صباح على دقات ساعة تعلن العاشرة . . فتحت عينيها وهى تشعر برضى عن انكماشها . . وباستعداد طارىء الى ان تطير . . وفتحت المذياع . .

كانت الموسيقى تنساب عذبة ندية . . وكانت تستمع اليها وفى دمها ترتعش لذة ناعمة . . دافئة . . وارتجفت ارتجافا عنيفا اذ دغدغ جنين احشاءها . والتفتت الى الموقد الذى ابتلع رسائله . . ثم الى وحدتها وانتصار " القصة " وهزيمتها . . وانكبت على وجهها باكية . . ولكن الموسيقى بقيت منبعثة راقصة . . مناغية ، فرحة . .

لم تفكر ، طيلة اليوم فى ان تكتب له رسالة . . ولم تفاجأ اذ راته يدخل عليها شاحب المحيا بل كانها كانت تترقبه . . نعم تترقبه مهزومة . فالحوادث ، اصبحت ، فى نظرها ، حتما مسلطا . .

قال لها : جئتك بالمفاتيح التى ابقيتها ، تلك الليلة ، . . ولم تجبه . . وضمها الى صدره بعنف .

قالت : سوف يقولون انك تزوجت اجنبية متطرفة . . قال : سوف اكتب لهم قصتنا . . قالت : القصة عندهم ضرب من الخيال والتصور قال : بل سوف انقل واقعا قالت : لقد فررت من القصة ولجأت الى الريف . . واذا مرة اخرى - تضطرني القصة الى حتمها وانا فى وعي منتبه وتبرم وحذر يقظ منها . . وكانت تلك الليلة . . ليلة هي - كما قالت احداهن - من باب الصدفة " الصدفة الكبرى التى هي العوبة الحبث "

قال : سوف نحب طفلنا فينعشنا وجوده . قالت : سوف احبه - كما قالت لك احداهن - كما احب كل شىء اصنعه فى نشوة واغراق . . ودوار : .

وابتسمت وقد احست في شفتيها احساسا نابضا وانتباهنا . . فهى ليست الشفاه التى كانت تسلمها لتتخلص من عناء يثقل حياتها . .

ونظر في عينيها المخضلتين بالدموع . .

فقالت في مرارة وياس : ليواس بعضنا بعضا ما دمنا فى ازمة البحث . . ازمة الضياع . . واشعرني انى الى جانبك انسانة . . انسانه حتى لا ابدو لك ، شيئا . . او عبثا ، او اسفافا وضعة . .

ولما اضطر تها الظروف الى ان تسافر الى بلدها حيث يعيش اهلها قالت له : سوف اكتب اليك !

. . وجاءته رسالة منها بعد ثلاث سنوات تقول فيها

- اما ابنك فقد ذهب قبل ان يولد . . وسوف يبقى رائعا كقصته . . وليلته . .

واما القصة فان مازلت اثرقب صدورها في احدى مجلاتكم العربية . .

اشترك في نشرتنا البريدية