تعليق على حديث الاستاذ صالح القرمادى
خصصت الفكر عدد فيفرى باللغة العربية - فتعددت الدراسات وتناول كل باحث ناحية من النواحي التى تعمل على ازدهار اللغة بما يجعلها قادرة على اداء ما يحمله الفكر من أنواع المعرفة فى وضوح ويسر
واللغة كائن يتأثر الى حد بعيد بالأحوال الاجتماعية وينفعل بها كما ان طبيعة هذا الكائن ، ومرونته او تحجره ، عامل هام فى تطوره . تناول الاستاذ القرمادى بحث هذه الناحية الاخيرة . وكان واضحا فى افكاره مرتبا لعمله . وبمقدار ما بذل من مجهود في تحديد عناصر بحثه ، بلغ به حدا من الايمان اراد ان يحمل عليه القراء بما ضربه من امثلة وجلبه من شواهد . فان كثيرا مما عده عوائق تضيق الخناق على المفكر العربى فى مجالات التعبير قد فرضت له الحلول منذ عشرة قرون . اذ فى خامات العربية اذا أتخذنا المدرسة الكوفية اماما فى الاشتقاق ما ينفس على الكتاب والعلماء والمفكرين فى سبيل الافصاح المحدود تحديدا يرضى العلم
وفى كلمتى هذه الزم نفسى باتباع ترتيب الكاتب 1 ) امكانية الاشتقاق محدودة فى ميدان التطبيق ثم يضرب مثلا لذلك كلمة Personna٥ حدث فيها عمليتان تحول من ٥ عon الى ومنها الى ٥ Person٨ وهذا التحول يجرى على قواعد الاشتقاق العربى فى كلمة شخص دون ان يثير جرسها الاصماخ فى قوة وعنف بما لا يقبله الذوق فيما الفه من الاستعمال العربى ودون حاجة الى شخصانية ان " شخص " ينسب اليها على طريقتين - أ - شخصى وهى الطريقة المعروفة - ب - شاخص والكوفيون يرضون عن هذا الاستعمال بفتحهم باب القياس على لابن وتامر منسوبين للتمر واللبن . ثم يصاغ من شاخص شاخصية مصدر صناعى تؤدى معنى Personatisme ولا اعيب على الكاتب بحثه عن الطريقة التى تترجم بها الكلمة ويجب ان لا يحشر مثل هذا فى التبعية الثقافية ذلك ان الفكر تعمره معان
واضحة محدودة يريد الافصاح عنها فيجد الكلمة الفرنسية او الانقليزية فيحاول فى الحقيقة التعبير عن ذلك المعنى بلغته فى تحديد كاشف لما ف النفس حاصر له
ب - وسيلة الزوائد الامامية والخلفية يعدها الكاتب ضيقة ضيقا يحد من استعمالاتها . وكأنه يريد أن تكون اللغات جارية فى الاصول التركيبية على نسق واحد . ومثاله Anticonstitutionnel و مفهومه العربى " مناف للدستور " لوحكمنا ذوق السامع فى التركيبين فانى لا اشك انه يفضل الصيغة العربية ويراها احمل وقعا فى الاذن واخف على اللسان مع تساو تام بينهما فى تحديدب المدلول
2 ) التركيب . الطامة الكبرى في نظر الاستاذ هو عرضة فى سبيل تطور العربية ويقول " اعنى به عدم اهلية اللغة العربية القديمة وبالتالى الحديثة لاستعمال التركيب اللفظى " ويحكم فى جزم ان العربية لا يوجد بها الا التركيب المزجى
وأمانة الباحث تقضى عليه ان لا يطلق القول الا بعد تثبت كامل واستقراء تام لموارد المبحوث فيه ومصادره . والتركيب المزجى الذى حصر فيه اللغة العربية لا يعدو أسماء الاعلام والعلم لايكاد يتصل باللغة فى رأيى هو وضع خاص لا يلتفت واضعه الى اصل المعنى الا نادرا
العربية غنية (1 ) بالتركيب الاضافي ( 2 ) بالنحت والنحت باب من أبواب الاشتقاق ولغة - عربية فصيحة - جمعوا عبد الله على عبادله - وقالوا حوقل للدلالة على " قال : لاحول ولا قوة الا بالله ) ونسبوا الى بنى عبد شمس - " عبشمى " والى امرىء القيس ( مرقسى ) فهى الطريقة التى تعتمدها مدرسة الكوفة فى النسب الى المركب . امثلة تستغيث بها العربية لتثبت اصالتها فى التركيب . ويظهر أن ما يقترحه الاستاذ من ترجمة . شفيو اسناانى 4 Labio dentat تقبله العربية اصلا اذ هو جار على اصولها القديمة تحتضنه على انه اين لها لاربيب ادخل عليها ولكنها ترفضه شكلا لموقع هذه الواو النابية فى شفيو اذ العربية لا يوجد فيها كلمة آخر ها واوساكنة قبلها ضمة
3 ( حياة المعنى القديم وتدفقه الى الاصلاح الجديد يربط الكاتب هذا الحنين وعدم الخلوص والشوق الدائب الى المعنى القديم يربط كل ذلك باولية المادة الثلاثية . والحقيقة هو ان الاختلاط اثر قرب الاستعمال الجديد
وعدم تداول الكلمة تداولا يؤصلها فى المعنى الجديد واعرض على القارىء هذا التركيب " الساعة كذا وعشر دقائق وخمس ثوان ، فهل يختلط هذا بالمعنى القديم للدقيقة والثانية . فالكلمة كلما عمرت تأصلت في مدلولها وفطمت نفسها عن ثدى الام - هى كالانسان يولد معتمدا على ابويه حتى اذا اكتمل نموه وبلغ أشده أستقل بشخصه واستقام له كيانه الفردى - وليس هذا خاصا بالعربية - فكلمة أثارت نقدا يوم عرضت في سوق الكلام وتفنن غناؤو باريس فى العبث بها ثم فرضت وجودها ويتكلم بها الفرنسيون اليوم محددة مدلولها بعيدة عن معنى التركيب الاصلى
ان اللائمة علينا نحن ابناء العرب نضع الاصطلاح الجديد ثم نهمله مفضلين لغة الغرب عليه بحكم الثقافة او الاتصال بالاجنبى فبقى هذا الوليد تنقصه المادة الاولية ( الاستعمال )
العربية فى حاجة لمن يفكر بها ويوطن نفسه عليها حتى تصبح مجارى التفكير والذوق مطبوعة بالطابع العربى - وهنا يقع التحول الطبعي من طور التلقى والقابلية الى الاختراع والفاعلية . تسمع إلى الجديد المبتكر فلا ينبو عنه السمع ولا تجمح منه الاذن اذ المجارى واحدة والاصباغ متناسقة ! انظر الى ماجاء فى حديث الاسراء - ان النبى صلى الله عليه وسلم لما اسرى به من مكة الى المدينة ليلا ركب دابة سماها " البراق " وجاء في وصفها انها دابة تضع رجلها فى منتهى طرفها لاعهد للعرب بمثل هذا الحيوان فالتسميه جديدة تناولتها يد صناع اخذت " البرق " فحولته كائنا تام الخلق انفلت عن المعنى الاصل - جرس قوي وتجسيم وسرعة - والبرق خفة وسرعة وفى سد الاستاذ المسعدى الذى اخفق غيلانه فى الخلق ، وانضم رأسه الى جماجم الكادحين قبله ، فوز بالخلق اللغوى العربى الاصيل كما فى اناجيله فالدواء ليس فى خروج العرب من طور التقليد الى طور الابتكار ومن " التخلف " الى الازدهار الاقتصادى ولكن لابد مع هذا من تعريب طريقة التفكير والتعبير وهذا ما يحتم القضاء على التعليم المزدوج الذي نادى به الاستاذ حمو وان كانت حلوله التى افترضها غير عملية فى نظرى
وبودى فى ختام حديثى هذا ان يختفى هذا الشبح الوهمى الذى يخلقه كثير من الكتاب ليستقيم التقسيم ويتم التقابل - هذا الذى يجسمه الخيال من وجود طائفة تدعو الى القديم وتؤمن بانه كاف موف بمقتضيات العصر اني لم اسمع اى داعية نادى بهذه المقالة ولا ابصرت كتابة تفيد هذا المعنى - ثم يقسو الاستاذ على هذا المخلوق الذى انشاه فيقول - " أقلية مسحوقة من المتشدقين الرجعيين آخذين فى الاضمحلال والتلاشي " انشاه ليسبه ويفرغ فيه سهامه - وحبذا لو كان صدر الكاتب اوسع ، ورشح نفسه صافيا من هذه القسوه التى اعجب كيف تلتئم مع هدوئه فى البحث

