الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

إنه الصوت والقصة ...

Share

قالت : - لقد ضقت بأأشياء كثيرة قال : - ألم نقل ذات يوم ونحن نتسلق جبلا ما بجهة " قربص " أنه يجب ان يتوقع المرء حدوث أمور قبل ادراكها حتى لا ينتفض انتفاضة مريعة اذا انتهى اليها .  قالت : - كنا نعلم أننا سوف لن نضحك اذا وجدنا انفسنا على قمة الجبل نطل من أعلى على بقية الناس ،  قال : - سوف لن أضيق بك لانك ذات ذاكرة طبية .  1970 ، العدد 248 ، السنة 11 ر . غ .

قال لها : - ماذا قلنا ونحن على قمة الجبل قالت - قلنا انه يجب أن يفكر المرء فى نهاية كثير من الاشياء قبل وقوعها حتى لا يرتاع يوم ادراكها .  قال : - أنت ذات ذاكرة لا بأس بها .  قالت : - ويجب أن أذكرك دائما أن هذه الطريق تنتهى بالمنزل والاخرى بالادارة .  قال : - ولماذا لا تتخلين عن هذين الطريقين .  قالت : - لان استطيع ان اتخلى عن الضجر * من قصة لجليلة الفهرى : الضجر من الفجر ، مجلة الاذاعة والتلفزة ، 15 مارس

تهامس الزملاء والزميلات فى ادارة الشركة بنبأ حفل عرس اخ ليلى ، ليلى رفيقتهم فى العمل كانت ليلى فى مكتبها لا هى الى نفسها ولا هي الى عملها تحس بشئ كالحزن او كالوحشة تلفها وتغمد فيها كل نزوع الى الحركة ، الى الانشراح . دخلت عليها احدى زميلاتها هاشة واسندت يدها على مكتبها وقالت  - هيه أمازلت هنا ، فبعد ساعات تبدأ الاحتفالات الرسمية ؟

الم يسمح لك حضرة المدير بيوم عطلة ، لكم أبغض في الرجال غلظتهم وتكلف جدهم .

قالت ليلى فى هدوء : - ولكنى لم اطلب منه ذلك ! فتغاضت عن كلام ليلى وقالت .

- ما هو لون فستان ليلتك ، لقد اخترت انا فستان احمر مشعا فما رايك ايواتينى اللون الاحمر ، انظري . نظرت اليها ليلى ثم قالت في تكلف اعتناء : - لقد احسنت الاختيار ، فقاطعتها مخاطبتها :

- غير انه طويل ، طويل يلامس قدمى .

رن جرس الهاتف فخرجت هذه المراة فاخذت ليلى السماعة فاذا هو حامد صديقها ، يضبط معها موعد لقاء ، قالت له ليلى : وحفل العرس ؟ فرد حامد في عجل : يكون لقاؤنا هناك .

... بدأت الليلة تنشر عطرها فى هذا الحفل فى تقاعس وفتور فالهدوء النسبى راكن فى القاعة لا تسمع الا بعض الاحاديث فى همسات ، تلامس الاأذن كالوشوشات المبهمة الدافئة . . فى اقصى القاعة ، بجانب عرش العروسين ، جلس بعض العازفين يداعبون اوتار الآتهم الموسيقية فكانت النغمات تتناثر من حولهم فى تلاحق وتنافر وبتر كالباحث عن صورة امل فاجأته هزته ثم اندثرت . . قالت ليلى لرفيقها : - لقد هجم الخريف سريعا فى هذا العام .

فنظر حامد الى زندها الذي مرت عليه قشعريرة فتحبب ثم قال في شيء كالتثاؤب : نعم لقد بكر الخريف .

...كانت الجلبة فى قاعة الاحتفال ترتفع قليلا ، قليلا مع ارتفاع عدد الوافدين . . وكانت كؤوس الراح تداعب الشفاه فى تؤدة وتعود الى مكانها من المناضد المستديرة القصيرة ..

قالت ليلى : انى اكره الاضواء المشعة الساطعة فى الليل . ثم نهضت الى معصورة القاعة فرفع حامد نظره يتبعها ثم اراد ان يستوقفها غير ان صرير الباب الخارجى للقاعة الذى انفرج من هبة ريح طافرة ، جذب نظره . . وعاد الى نفسه . . فرفلع كاسه وطلب اخرى . . وراى ليلى بعد حين تتحدث الى زمرة من الرجال والنساء الانيقات .. ، مرت أمامه فتاة مديدة القوام فلم ينظر الى وجهها وانما الى ما تكشف من فخذيها ثم الى التواءة على خصرها الملولب ...

تقدم الليل وازدحمت القاعة بروادها وارتفعت الزغاريد والاغاني والتصفيق وكان الصخب . . جاءته ليلى فلثمت له اذنه وهى تهوى الى كأسه لتملأها ،  فقام يطلبها فى عتاب . . . وضجت الزغاريد بعد منتصف الليل فتناظر العروسان على ابتسام تم تقدمت منهما امرأة شهلاء العينين تهتز فيها انتفاضة  انوثة حامية ووقفت امامهما فنهضا لمغادرة الحفل . . . نظرت ليلى الى ساعتها ثم الى حامد فاذا هو يعب ثمالة كاسه فى شغف ... وتعالت ، كالامتصاص

حنحنات الفتيات تم اخذ همسهن يسترق الانفاس الى الارتفاع فى دل انثوى صميم .. وفكرت ليلى : " انهن كالزيت يطففين على ماء قد يكون قذرا .. "

واصطخب فى حامد انتشاؤه ، فوقف مع الواقفين يودع العروسين بالنظرات الولهى والابتسامات تم جاء الى ليلى وقد خف اكتظاظ القاعة وتصايحت في الخارج محركات السيارات فقالت له : انها الواحدة صباحا فرد عليها : ستبدأ الآن ليلتهما .

ثم اتجه نحو المقصف فرأى الخدم داخله يقصفون ، فتدانى من احدهم وطلب كاسا فتأمله لحظة ثم أترع له كوبا كبيرا . . واخذت الاضواء في المحفل تتضاءل . . وخبت ابتسامات النساء فى بطء كتسلل الابتئاس الى النفس ... وغادر حامد ورفيقته القاعة ...

كانت تسير الى جانبه تداعب فى يدها اليمنى كيسا صغيرا اسود موشى بالعقيق ،... وكان هو يسير الى يمينها ساكتا ليس له فى الحديث او المرأة رغبة . . . قالت له بعد حين : " ان البحر هادىء " فتوقفا . كان الماء واقفا  تتلامس أطرافه على الرمل ، قال : " ان الخريف لا وجه له ولا أستقرار " فقالت : " انظر الى منعرج الخليج بعيدا ، لانور عليه ولا أنفاس . . ما اروع الانقطاع .. "

واستأنفا السير . . قالت له : " لقد قيل ان سيزيف مات خريفا ، وقد كان الخريف يشعره ، قبل موته بهذه العودة المريرة الى ضنك القاع . . حتى كانت نهايته ذات خريف : كانت وقتها الظلمة غيشا حائرا بين العمق والصفاء ،  فنزل الى القاع ، الى حجره الذى خط قرارا هائلا بلاقلب ، قال وقد فقد شعوره  بقدميه : " أماتت فى غايتى وأملى ووصولى ! " وفيما هو على ذلك ، اوقد انتهى منه كل ذلك جاءته فينوس ، ربة الجمال ، وكان فى نصف المهوى او فى ثلث الصعود ، لا هو ينزل ولا هو يصعد ولا هو يقف ، وارادت ان تركبه فلم تظفر به ، فتألمت اذ كان يتراءى لها كالرفيف ، وكانت راغبة ...

وفيما كانت فى المحاولة ، سقطت على ظله فاذا هو بارد ، يابس ، قاحل صخرى المعدن ، فولت تصرخ فى اجواز الفضاء : " لا ابشع من ظل سيزيف لا اشد من فناء سيزيف "

نظرت ليلى الى حامد الذى كان يدخن صامتا فالتفت اليها فاردفت : " كذا نحن نلمس الاشياء بظلنا او تلمسنا الاشياء بظلها او تلمسنا ظلال الاشياء

فلا ..." وفى عجل اغمد صوتها فى رفيف قبلة ... قالت : " لقد مات مبتسما كالقبلة على حجر الصوان .. "

.. قالت ليلى وقد استدار الخليج وامتد الخلاء : " انه البحر " وامسكت له يده فعطفا الى الشاطئ كان ماء البحر اسود ، وكانت السماء فى لون الرماد المحروق اذا نضح بماء ، تنبت نجومها لماعة ، وكانت الرمال باردة غضبة  مترجرجة ... وكانت المياه فى حركتها الكسلى تترامى كالغطيط ثقيلة امام ارجلهما . . احس حامد كالالم أو الارهاق يتدانى منه فاسند راسه الى حجر رفيقته واشعل سيقارة . . وكان من حين لآخر يعرو سطح الماء كالرفيف ثم ينطفئ فى قاع البحر . . قالت ليلى

- ان الاسماك تتآكل ليلا ! فقال حامد في همس :  - وحتى نهارا . نظرت اليه واضافت :  - أترغب فى النوم ؟ - بل فى طلوع الفجر من لجج هذا المد الزاخر الذي يمتد امامنا

قالت ليلى ، ووجهها الى البحر ، ويدها على رأس رفيقها تلاطفه :  لقد عرفت عروس اخي منذ خمسة اعوام ، كان ذلك يوم نزلت بمييت  معهدنا قادمة من احدى قرى الساحل ، كان ثوبها عليها طويلا ، ثقيلا .. دنوت منها يوما ، وقد اردت ان اخفف من انزوائها وخجلها ، واخذت اداعيها فقابلتني ببرودة واطباق فقلت لرفيقة لنا : " ترى مجنونة من هذه الولهي "  فرمت عينها الى ثوبى على ركبتى العاريتين ثم دلفت الى مكان آخر من ساحة المدرسة ، فارتجت فى مشاعرى وادركت انى أخالفها مزاجا واملا ، ونظرت اليها وهى تبتعد فاذا بقوامها تميس تموجاته فى غير كلفة او تصنع .. واحببتها بعد ذلك ، قد يكون ذلك لانى وجدت فيها حقيقة الوجه الاصيل للفتاة ، الوجه الابيض . . . ثم كانت الى بعد هذه الحادثة حميمة متفتحة ،  منشرحة . .

وبعد ذلك تكشفت لى حقيقة تعلق اخي بها ، وصدق رغبته وصفائها ، ولما اردت ان اتبين جلية الامر منها عاودها صمتها وانقطع بيننا الحديث ...

قلت لاخى : كنت تفكر جديا فى سلمى ، فهي ليست من الصنف الذي ترغب او الذي يلائم مزاجك فقال : " ما تعنين " قلت : " انها ذات مزاج حاد

وطبع متعقد ، قد يكون ما يشدك اليها طفرة ميل او صعق جموح " قال لى فى نبرة رصينة : " ليلى ، لقد وقف الامل ، وكانت الامنية ."

فاستدار حامد وقد سرت فيه لذاذة من هذا الدفء الذى يتسرب اليه من حجر رفيقته ثم عاد الى سكونه ...

...انسلت ليلى من رفيقها فاعتدل حامد فى جلسته واخذ يرمقها ، فاذا هى تنزل على ركبتيها لحظة ، فى هيئة المبتهل ، ثم تشرع فى خلع ثوبها فى تؤدة وثبات الى ان تعرت ...

لمعت عين حامد وقد اخذته كالرعشة المحمومة فعطف على ثوب صاحبته يضغط عليه ويتفرسه ثم خسفت عيناه على قوام رفيقته يجنح الى الماء يخرقه  نحو اليم ويوغل فيه . . ومر وقت ، لا مسه اثره حسيس كتمزيق ثوب خلق فاستقام ليهتف بها فاذا قبس الفجر يسطع جذوة بيضاء فعلق راسه نحو الافق الشرقى ، ... واذا هي ليلى نحوه ، تعود اليه على الماء . . .

كان البهر سنيا لينا كلمس الرغوة ، ... وكانت هى تتصعد اليه فى ذلك ،  ومحياها اليه ساكن فصاح همسا وقد اخذته اجواء الاحلام : تعالى ، تعالى ، ليلى

واخذها ، وتعانقا ، وعانقته وعلى عينها انشودة ذات الف ليلة خرساء ،  مجنونة ..

. . . قالت ليلى والطريق امامهما خالية الا من نفر من العملة المبكرين :  - انها تنام الآن هانئة ؟  فرفع اليها راسه - من " هي " ؟  - العروس ؟

كانت لا تريم ، وكان ثوبها يلف قوامها فى تحنان . . وفى منعطف الشارع المؤدى الى بيتها انطلق صراخ رضييع فتأنت فى مشيتها واقتربت من نافذة الصوت ثم رفعت بصرها الى حامد في اشراقة حبور فرقصت عين حامد على  محياها الذى التمع فيض جماله بغتة وضمها اليه ، قالت له ووجهها الى النافذة :  " انه يطلب ثدى امه " .

كانت وعوعة الطفل تخفت ، تلاحق ليلى ، وكان حامد يضم رفيقته فى شد

ملحاح ، . . ولما وصلا الى باب بيتها توقفا فقال لها : " لم لا نتزوج ! " فدخلت واوصدت الباب . .

وقف هو امام الباب زمنا وقد احس برغبة شديدة فى الشراب ثم وضع يده اليسرى ليضبط الساعة ، ثم انزلها بدون ان يفعل ذلك وسار الى منزله .

أخذت الشوارع تستعيد حركتها : عيون افتكت من النوم انتزاعا لا تزال عليها حمرة ارهاق سهر طويل . . شفاه جافة ملثومة . . خطى ثقيلة تغتصب الحركة فى جهد ومعاناة . .

فى المقهى المجاور لبيته تزاحم روادها من العملة والموظفين يعبون الفهوة فى عجله دخان سقائرهم يعبق شذييا . . دخل بيته بحذر ، وفيما كان يجتاز الفناء رأى باب غرفة أمه منفرجا فتوقف لحظة ثم اتجه نحوه فوحد امه تصلى  فى شخوع كالحالمة ، فانثنى الى حجرته متهيبا . وتمدد على فراشه ، وأحس ،  بعد حين بيدى امه تسوى عليه غطاءه وهى تهمهم بدعاء ، فأخذه كالسلام فنام ..

... انقضى هذا اليوم ، وانقضى على ذلك اسبوع ثم شهر وليلى الى  نفسها ، يتلهف حامد لرؤيتها فلا يظفر بذلك ... ، ثم تضاءلت ذكري احداث تلك الليلة وخف نقرها على حامد فاندمج فى سير الحياة الرتيب

... ثم كان يوم ، كان يوم تسلم فيه حامد رسالة من ليلى تدعوه فيها لحفل زفاقها ، فارتج فيه شىء كالمسامير الحمراء ، فتهالك على كرسيه ثم  ابتسم : " تاج ابيض مكلل بالعقيق وفستان ناصع طويل ، طويل بغلالته الشفيقة ، ووجه صبوح تسطع عليه الانوار ..  لا ، لا ، لن تكون فى روعة ذلك الفجر وهي الى ، الى البحر "

...كانت انوار قاعة الحفل بيضاء ، مشعة ، وكانت الحلية في اشدها ... دخل حامد فارسل نظره ، كالوحش الجائع ، نحو عرش العروسين .. وحاول عبثا ، ان يجد هدئه او ان يتكلف الهدوء ، فمال الى الشراب  يعيب منه عبا متواصلا . . وكانت ليلى فى جلستها كالساهمة ، ونظراتها الى جامد خاطفة ،  طرفه عين . قال حامد وهو يتجه الى اقصى القاعة : " ولكن لم كل هذا ؟ انه  جنون العاطفة ،

ليس فى الامر شىء سوى انها امراة رات فوقفت على الابتسام ثم قد كانت

الصدفة فحسب فكنت فى احدى نقاط دربها عابر سبيل ، نعم . ليس فى الامر الا هذا اليس فى حياة كل امراة اكثر من رجل ؟ اليس فى حياة كل رجل اكثر من امراة ؟ ارى على وجهها سعادة تتخايل انها تهرب من النظر الى بل انها تهرب الآن من كل رجل لتركب رجلها .. "

وفيما كان يصعد كاسه الى فمه ، تصعد اليه قولها : لقد وقف الامل وكانت الامنية . فاغمد شرابه فى جرعة مجنونة ثم خرج .

. . . قال صالح زوج ليلى يستميلها للعيش فى قريته ، يكفى ان نقضى هناك زمنا قصيرا حتى تسطيبين المقام " . . مطت شفتيها فى تململ رفض ...

.. كانت سيارتهما تسير بهما نحو الريف ، نظر صالح الى وجهها فاذاعليه مهدوء الحزين فحول وجهه الى بلور سيارته امامه ، وامتدت الطريق مستقيمة  تشاهد حتى تنتهى الى خبط رقيق ، رقيق جدا كههذا الخيط الذى يربط ليلى به  فى هذه اللحظة ، قال : " اتدرين انه من الصعب جدا ان يشعر الانسان بضرورة الانعتاق . وقالت هى : " لم افهم فضغط بحركة منفعلة حادة ، على معطل سيارته وعاج بها نحو سهل فسيح ، ممتد وجأر : انظرى السهل ،  الانطلاق الشمس تسطع ، الارنب تسعى . . وجهك هذا اذهله الطلاء فاصفر  وخلق وانسدت فيك منافذ الجمال . . . "

كانت تنظر اليه ، وكانت مقاطع جمله تتدفق فيها فى شىء كالحيرة او كالادراك الحدسى ، فغمرها شعور غامض كئيب فتساءلت : " ولكن لماذا قبلنى زوجة ! "

وعادت السيارة الى الطريق ، الى سيرها . . . رفعت ليلى عينيها الى وجهه . . كانت عيناه فى اتجاه أفقى لا تطرفان الا لماما : " ان وجهه وسيم فى صمته  ولكن ما يدور فى دماغ  زوجى هذا ، هذا الرجل الذى اركبته لحمى وفكرى ؟  لقد عرفته منذ عام ، ذات ليل ، كان بى حفيا ، رفيقا ، ذكى المعشر ، سليط الجاذبية ، نفرت منه بادىء الامر ثم عدت اليه فى عفو خاطر ، فكان على  وصار زوجى .."

مدت يدها الى علبة لفائف التبغ امامها فوجدت السفائر الباقية فيها مفتته مطحونة فالتفت اليه وارادت استفساره عن ذلك غير ان نباح كلب هاجم على السيارة اوقفها ، قالت له " هل الكلاب تهجم على السيارات ايضا ؟ " فرد عليها :

" انه الحارس الامين لتلك الاغنام التى مررنا بها تقضم الكلأ فى صمت وصبر ، والكلاب تنبح على كل غريب ... "

وهمست هى فى سرها : " ليست الكلاب وحدها فى المخلوقات تنفر من الغريب . . ولكن ما الذى غير معاملته نحوى دفعه واحدة ؟ اتكفى ليلات معدودات على فراش الزواج لتتغير الاشياء فى الزوج ؟

لقد كان على البارحة ، البارحة . البارحة ، فى وهج نهم جنسى مستعر !! حدثتني أمه كثيرا تمدح الحياة بالريف ، ولكن هو هذا العتى لم يحدثني مرة واحدة عن قريته " وسمعت ، بعد حين ، هدير محرك السيارة يقف فعادت الى عالمها المدخن ورات السيارة تميل فى وقوفها الى خلاء قفر . قال لها : " لقد قطعنا نصف المسافة التى تفصلنا عن قريتى هلا ترغبين فى العودة ؟ قالت : " نعود الى اين ؟ " وقد فاجأها سؤاله الى الحيرة الى البكاء قال : " الى  المدينة فمدت يدها فى حركة لاشعورية ، مفتعلة ، الى علبة السقائر المدفوقة فعاجلها قائلا : " لن تدخنى سيقارة واحدة طيلة اقامتنا بالقربة . . "

فاعادت يدها فارغة فى اذعان أنثوى رطيب . . وراى صالح ، كالدمع يريد ان يطفر من عينيها فضغط على زر المحرك ، وكانت الطريق ...

... كان " البراد " على المجمرة يرمى بانفاسه الكسلى ... وكانت ليلى بجانبه الى ظل شجرة زيتون ساكنة تامل الاجير على وزوجته مني يحنيان غلة الفول . . والحقل امامها يمتد اخضر متماوجا ، تسرح فى اقصاه بقرة حلوب . . مدت يدها الى البراد وجعلت تصب منه فى كاس قصيرة ، وفيما كانت ترفعها الى شفتيها نزلت عليها يد صالح وقال مداعبا : لقد صرت تشربين الشاي كثيرا "

فامالت ، فى دل ، وجهها قليلا بدون ان تتكلم فجذبها اليه والكأس فى يدها وترافقا الى البيت قالت له : قرأت عن الشاى امرا عجبا ، لقد اكتشفه ناسك متعبد ، ذات يوم ، كان ذلك فى بلاد الهند يوم تعددت الآلهة فيه دهرا  فانكر هذا النبى اهله ودينهم وضرب فى الارض اعواما ، وكلما حل بمصر تلونت لاله المعبودة وخر الانسان . قال ذات يوم ، وهو على الطريق : " ابن ربي ، الهى المنشود " وترقت يتلهف الى صدى او صوت لقولته لم تنه له الادغال المحيطة  به الا همهمات فحول الوحش فى رعشتها على اناثها . . فواصل السير ...  وتلوت امامه الدروب تتباعد ، تتباعد بلا نهاية او وقف حتى حل بسهل ببلاد

الصين . . كان بالسهل شجر قمىء يابس العود فاخذ يقطع منه الى ان اقام  ظلة لنزوله . . قال وهو يوقف الرحيل : " لاقيمن فى الصمت اعواما ثمانية في  تواصل يقظة لا اغفاء ولا نوم ... "

ومرت عليه الاعوام الثلاثة الاولى متيقظا كالصخر بلا ريح او ظاهر حركة . حتى اذا جاء رأس العام الرابع اخذه الجسد فنام . . ولما افاق من نومته ثار  ثورة المؤمن ونظر الى سقف ظلته فاذا ظل ساقط على نصفها كالوحل قائم في برودة وكثافة ، فعمد ، انتقاما من غفلته ، الى جفنيه واجتثهما ثم اخذ يمضغهما . وبقى على مضغه زمنا الى ان انحل اللحم وذاب وفرغ فمه فعاوده الجسد والنوم  فحاول عبثا المقاومة فمد يده فى حيرة كالياس الى وريقات تلك الاشجار القميئة  وحملها الى فمه يمتصها فتسرب فيه طعم بارق كالامل او العدم يطعن فيه الجسد  والنوم والغاية جميعا . . . وبقى على تلك الحال زمنا حتى كانت لحظة تحرك  فيه كالنقر او كالظمأ فاراد الحركة . . . واحس بهيكله يتهاوى او تتهاوى فيه  ابعاده حتى سمع صوت امه ينبع فيه : " العين فى غور الكئيب واطلب ماء !!"  عندئذ رفع راسه واوقف اذنيه يريد وضوح السماع وحاول ان يطرف بعينيه  غير ان شيئا فرقع فيه عنيفا واذا هو والكوخ والدغل فى تضاغط سحق دك عظيم . . . ثم كان الخلاء او ما حسبه الفناء فطلب الراحة واستلقى دهرا ..  وقيما هو على ذلك لامسه شىء رخو ، لزج لزب كاللحم الغضبير فاستوى مرتعدا ، فاذا هو الى صوت امراة ملائكية النبرة . . قالت له : " ما كنت احسب ان احدا من الانس نجا غيرى ، فقد ذهبت على ثمانى سنوات ابحث حتى سقطت بهذا المكان ، فوجدتك . " فهمس الناسك : " قد تكون الهى ، ها انا اظفر به ثم اضاف صائتا : " انه الزلزال ودك الارض والابتلاع . . " قالت له : " الكون حولنا قفر مزعج ، قم نبحث عن جحر صلب لنبنى عشا قديدا همنا  الشتاء فيهلكنا قره ... "

ونهض على يدها ، فاذا بعينيه تتحركان ، واذا بجفنيه تنبتان فتطرفان . . . وسارا . . سارا فى ركام تراب سخن ، اسود تفور منه رائحة عطنه . . ولما اعتليا الربوة التفت الى مكان ظلته ، فاذا هو الفراغ لا كوخ ولا رياح ولا  شمس الا الظل الثقيل الكثف يحط حط الوحشة ، حط الفاقة الكبرى فقال بدون صوت " ما الذى ساقني الى هذا المكان البارد ؟ " ومد يده الى الورق ،  ورق تلك الاشجار القصيرة ، ورق الشاى فاخذتها له صاحبته وواصلا السير  نحو الشمال ، وقد ادرك ، وهو فى الطريق ان اللمس والحس قد غابا فيها دهرا وانه كان ينام بدون عين . . . "

نظر صالح الى كاس الشاى على المنضدة وقد تغير لونه قليلا وقال ،

- وهل صام عن النوم ثمانية اعوام وتكشف له ربه ؟ قالت بل كانت الاسطورة .

كانت الى شرفتها : فى اقصى الحقل يتماوج فدان الفول ، على الاجير يبدو بقامته المديدة وهيكله الخشن انه يحزم الاكياس ويرصف بعضها على بعض . التفتت ليلى الى صالح وقالت : أريد منى ، فهل لك ان تغادر الحجرة ؛ وفيما كان صالح يخرج اردفت قائله : اذهب انت آدعها ، انها لطيفة . واقبلت منى بعد حين قالت لليلي :

. . سيدى صالح اخبرنى انك تطلبيننى . . وقالت ليلى بصوت مرح :  طلبتك لا لشئ انما اردتك لحديث انى اجد فى القرويات ميلا خاصا ، ان لى صديقة قروية ، هى زوجة اخي ، انها فاتنة مثلك . انظرى فى المرآة ، انك جميلة حقا ...

فابتسمت منى فى حياء ، شاكرة . . فتحت ليلى خزانة ملابسها واخذت تنتقى من فساتينها أحسنها ثم اتجهت نحو صاحبتها بمبذل اتبق وقالت لها " جربى " .

قالت منى مستغربة - : " لا ، لا أرجوك ، سيدتى ...

- لا تخجلى منى ، انى مثلك امرأة .

ومازالت ليلى بها ترجوها وتداعبها وتلح فى ذلك حتى طابت نفسها وبرقت فيها نفحه من أنوثتها ، فأخذت الثوب ترتديه وليلى عليها تسويه حتى استقام ،  ثم أجلتها الى المرآة ، الى الزينة حتى الاعجاب . . ثم نظرت اليها ليلى في تفرس : " ما أجمل الطلاء وما أروع سحره ، انه كالخيال لا يرحمنا أماه . " وجلستا تتحادثان . . قالت منى ، بعد حين ، وهي تقف الى الشرفة : "ها  الليل قد أقبل ...

وقالت ليلى : " أجل ، انه الليل ، الليل ... "

... مدت منى يدها لتخلع عنها الثوب فأسرعت ليلى الى ثوب صاحبتها الملقى على اريكه تم صاحت . " لا تفعل شيئا . الشاى فى البراد على المجمرة قد جف ماؤه ، ساحرق ثوبك هذا فى ناره لتزكو أنفاسنا . تريثى قليلا ،

ستدهبين الى بعلك بعد حين ، ليس أروع من امرأة فاجأت زوجها راغبة ، مريدة . "

... وباغتهما صالح على عتبة الحجرة فأخفت منى وجهها حياء ثم هرولت الى بيتها ، وتدانت ليلى من زوجها ورفعت له وجهه وقالت : انظر اليها ، انظر ! سترتج ، الليله ، فى زوجها الصبور وأخشى عليه ان من مزق الثوب والطلاء  والخيال وجلس على لحم بارد . "

قال لها صالح : يبدو عليك التعب ، لعله من حالات الوحم التى تقسو عليك أحيانا ، فان رأيت أن نزور أمك فى المدينة ، فلنذهب غدا . "

قالت ليلى : لا أريد ذلك الآن . ولكنى أريد أن أسألك لماذا لم تتخذ من فتيات قريتك زوجة لك ، وهن على ما عليه من فتنة وجمال ؟

صمت صالح لحظة ثم عاد اليها يقدم لها سيفارة :  - انه خلو الصوت والقصة .. انها القصة والصوت . قالت : - ولكن فيهن من القصة والصوت روحهما : كمال الخلق وابداع الصورة قال : - قصتهن بكر خرساء بلا صوت ولا اعياء . ألم ترى الى شهر زاد لم توقف شهريار الا قصتها فى المرأة ، فى الانسان ، فى الله .

- حبيبى صالح لا أريد أن أفهم ذلك .  - لان الفهم يعقل القصة ويشرب ماءها .  - انى اشعر بنقر ولدى فى جوفى كأنه يطلب ثديي .  وأخذها ... وكانت ليلتهما بلا عين ...

اكتوبر 1970

اشترك في نشرتنا البريدية