الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

إنى أشهد ...

Share

هذه رقعة ضيقة من الارض أبرز ثرواتها العقل (*) وأكبر حظها أن تعمد الى الفكر فتستوحيه فى جميع الميادين .

وان هذه الرقعة من الارض . الضيقة فى ذرعها ، العاقلة فى أمرها ، قد اجتازت النصف الاول من طريق ثورتها العظمى : فكان لها بتخلصها من الاستعمار وعي قومي ما يبغى له ان يبقى عند هذا الحد دون ان ينقلب وعيا سياسيا فوعيا بشريا كاملا .

وانه حرام علينا - وقضية التخلف قائمة فى جميع العقول - ان ننسى تخلفنا الثقافي ومشاكله .

انى اشهد ان تونس لعلى نصيب وافر من الانتاج وحظ كبير من العمل واني اشهد ان شيئا - ما كان ليكون - موجود بين ايدينا نستطيع ان ننظر فيه واكاد اقول أن نعتز به . غير انى اشهد ايضا ان ما بين أيدى الناس من انتاج ثقافى تونسى قد يستحسن بالاضافة الى ما نراه فى بعض البلاد المتخلفة او الشرقية وقد لا يستحسن دائما بالاضافة إلى امكانيات بلادنا واستعداد ابنائها وطموح رجالها وتطلع نشئها وتراث المتقدمين فيها .

اني اشهد ان الذنب ذنبنا نحن معشر المريدين . نحن نذنب كلما سكتنا راضين عن تخلفنا الثقافي ونحن نذنب كلما قمنا خاطبين أو كاتبين وليس لنا ما نقول وليس لنا ما نتحدث به .

نعم ان بالبلاد سوقا ثقافية قد يسودها الكساد وقد ينعشها الربح ولكنها كثيرا ما تغلب عليها السخافة ويقيدها الفتور وكثيرا ما يبغضها لنا الكذب والتدجيل ورداءة الانتاج . انى أعيب بعض من كتب بالسكوت والانصراف يفعلون ذلك لا لصدق فيما بينهم وبين انفسهم اذ ايقنوا ان ليس لهم ما يقولون - فانى احترم الصدق واعشق الحرية - وانما لسوء انسجام مع الصحب والركب ولقلة الوقت لمخاطبة النفس . وانى أعيب أيضا بعض من يكتب بكثرة الكتابة بالثرثرة الدائبة دؤوب الليل والنهار : يفعلون ذلك لا لتزاحم فى المعانى وصدق فيما بينهم وبين انفسهم وانما لتوفر الوقت ولسكوت الغير .

وانى اشهد انى أرى - متجسما بين يدى - الى جانب هذا السكوت الذي لا ينبغى له ان يكون أو قل أن يطول والى هذا التضخيم الذي هو شبيه بالإفلاس أرى انتاجا غريبا أعيبه بالرجوع دائما وفي غير نفع ويدون مبرر إلى المقاييس الغربية والمصطلحات الاجنبية ، انك تنظر الى الصحيفة وتعيد النظر فاذا هى لا عربية كلها ولا لاطينية الحروف كلها بل هي مزيج غريب أقول - وأنا أعلم انا لسنا فى حاجة اليه . فلعل بعض الكتاب يأملون من وراء تزيبنهم هذا ان ينظر القارىء الى كل ما كتب بالعربية فيشمئز - من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر - ويمل ثم ينظر الى الكلمات الاجنبية فيعمد الى قراءتها بكل شغف وبكل اعجاب فيظن ان هناك الفوز وان هناك العلم فتكفيه قوت يومه انما مثله فى ذلك مثل الطفل ينظر الى المسفوف فيحل المسفوف ويفشل امام "الكسكسى" ثم يعمد ، جهارا أو خلسة ، الى حبات العنب أو ما شاكلها فيلتقطها ويلتهمها بكل لذة ويقول : حسبي اليوم اني قد تغديت .

ثم ان قوما اختاروا الغريب من الكلام والمعقد من المعاني ظنا منهم ان الالتباس اقرب الى الذكاء من الوضوح وان التحليق في عليين خير من الاندماج فى الشعب والواقع وان الانقطاع عن العامة اجمل من الارتباط بجمهور القراء وان الجرى وراء القارىء ومخاطبته قلبا لقلب وعقلا لعقل من سخيف الامور لا يهتم بها الا امثال ابن المقفع والجاحظ اما ابناء القرن العشرين الذين عرفوا من المدنية احسنها ومن ادب الاجانب أعمقه فلا .

واني اشهد ان تهاونا كبيرا باللغة وقواعدها قد انتشر فى بعض ما يكتب وفى بعض ما يقرأ وانه لا يسعنا الا ان نعده غلطا وخبطا ما دمنا ندافع عن اللغة الفصحى وما دمنا لم نتقدم خطوة بصفة رسمية فى سبيل تيسير قواعد

النحو وتجديد الرسم وانى اشهد - على حبى للعامية وعلى ما في تركيبى من ميول تقدمية - انى ما زلت من أولئك الذين يدافعون عن الفصحى ولا يدخلون العامية فيها الا بمقدار فانى ما زلت من أولئك الذين يخيرون " بدء الوحى " و" قيام العبيديين " على " نقطة انطلاق الوحى " و " نقطة انطلاق العبيديين " ويفضلون عبارة " محمد رسول الله (صلعم) على عبارة " محمد مؤسس الإسلام " مصلعمة أو غير مصلعمة .

واني اشهد انا نستطيع من جهة اخرى ان نؤاخذ القراء بقلة العدد وعدم الاكتراث وفرط الكسل وسريع الاعراض لقد يعترى الاديب القارىء والرجل المتطلع إلى الحياة الثقافية شئ من العياء وشئ من الملل وشئ من الانصراف لا حد له . لقد يعتريه به ذلك كلما شاهد فى عالم الادب ما يشبه التطفيف الغش والاحتكار أو ما يشبه الضعف والرداءة وقلة الابتكار . وان هذا الملل قد يصرف جيلا كاملا عن القراءة باللغة العربية وقد يلجأ به الى المنتوج الفرنسي والى الاساتذة الفرنسيين فيتخذ الشبان من الكتب الاجنبيه غذاءهم الوحيد ومن الاساتذة الغربيين مرشدين واصدقاء . ويلتجيء الشباب الى هذا الملجا لابتعاد الاساتذة التونسيين في كثير من الاحيان عن دور الارشاد والصداقة ولارتقائهم الى عليائهم وانصرافهم الى الانانية وحب الذات والادعاء الفارغ .

اني اشهد ان جيلا صاعدا طفولته غير طفولتنا وامهاته غير امهاتنا اما تربية أو اصالة أو جوارا ولغته متحسنة بالاضافة الى لغتنا وتعلمه يخالف تعلمنا بما فى هذه الفروق من محاسين ومساوىء ، من تقدم وتخلف . انى اشهد ان هذا الجيل الصاعد مهدد بالانقطاع عنا مهدد بالذبذبة والتفكك والتفجر والسخط والعزلة والتمزق محتار بين كبار لا يسمعونه ولا يهتمون به وبين أجانب لا يستطيعون ان يثق بهم دائما وفى جميع الاحوال .

يجب ان نعتنى بهذا الجيل وان نعمل له وان نراوده على الحوار وان نعالجه طلبا لثقته وانها لعسيرة المنال . ويحب علينا ان نؤمن كل الايمان بان غايتنا انما هي ان نجعل من هذا الجيل الصاعد جيلا أحسن منا يفوتنا معرفة ووعيا واستعدادا وانتاجا وان نعينه على ان يتحرر ثقافيا كما تحررنا نحن سياسيا لا الاشخاص اعنى فى كل ما اقول وانما اعنى الجيل فى جملته ! وانه ليحسن بنا ان ننادى وان نؤمن بان غاية الثقافة هى ابعد من غاية التعليم وانها ترمي فيما ترمي اليه إلى احترام كرامة الانسان مهما كانت الظروف والى احترام

الحرية مهما كانت التكاليف . وانى اقول على اسلوب بعضهم : انما العبقرية الحرية أو لا تكون . اقول ذلك وأؤمن به . اقول : الحرية حتى الجنون ! فانه لا خير فى ادب لا تزعزعه من حين الى آخر رعدة الجنون والخروج عن المعروف بمعناه العامى وبمعناه القرآنى .

انى اشهد انا فى حاجة الى محاسبة النفس والاتكال عليها متحرين فى عملنا من انفسنا ومن غيرنا وانا فى حاجة الى ان نأكل خبزنا " الاكحل " معا وان نأكل مسفوفنا فيما بيننا - بلا عنب ولا زبيب ان كان العنب والزبيب من تلك الثمار التى إذا أكلها الآكل مسخ ! وانا امام الخطر فى حاجة الى أن نغلق أبوابها فى وجه كل حصان " طراودة " حشى بخبيث الاطعمة وان كان هذا الحصان عربيا مطهما . وانى فى حاجة الى مد اليد الى القراء والشباب في عطف وتفاهم وحسن ظن بهم ورغبة فى الحديث معهم . وانا فى حاجة الى ان نجعل لأنفسنا مثلا أعلى نطلبه على الدوام .

انى رأيت فشهدت - واحدا منكم - لا ابتغي مرضاة احد ولا ضر أحد .

انى واحد من بينكم ! فشهد شاهد من أهلكم ان بالحقل الثقافي رجالا احتكروا الكتابة والخطاب وليس لهم دائما ما يقولون وان من الحقل الثقافي قوما لزموا الصمت والانعزال وهم ليسوا دائما فقيرى المادة ضعيفي القريحة وان القراء ازاء هذا الوضع فضلوا الراحة وعدم الاكثراث .

وانه يجب علينا ان كان الامر كذلك ان نكشف القناع . قناع الخطل والكذب والعجب وانه يجب علينا ان نغربل انفسنا وان نخاطبها خطاب الصدق حتى نفحص عن واجبنا وحتى نوضحه فى بيان نؤمن به ونعمل لتحقيق غايته وانه يجب علينا ان نلتفت الى القراء وان نحسب لهم حسابهم وان نجعل بيننا وبينهم ميثاق الادب الحق .

اشترك في نشرتنا البريدية