القوات الايرانية تهاجم بغداد سنة ١٢٢٧ ه
لقد كان لاستئناف العلاقات الطيبة وتبادل السفراء بين ايران والامبراطورية العثمانية بعد هدوء الحاله على حدود البلدين أثر طيب اذ توقفت المناوشات بين الدولتين لمدة خمس سنوات ، وكان السلطان محمود خان العماني ( ١٢٢٣-١٢٢٥ ه ) حريصا على
حفظ العلاقات الودية بين ايران والعثمانيين ولكى يبرهن على صدق نينه فقد سارع بارسال بعثة دبلوماسية الى ايران عندما كانت منهمكة فى الحرب مع الدولة الروسية فى الشمال ، وكان على رأس تلك البعثة جماعة من ابرز رجال الامبراطورية العثمانية كعبد الوهاب باشا ، وشاكر باشا ، وخيرت باشا وفى شهر ربيع الثانى سنة ١٢٢٦ وصلت البعثه العثمانية إلى طهران ، واجرت محادثات مع السلطات الايرانية حول العلاقات العثمانية الايرانية . وكان نتيجة تلك المحادثات التى اجراها اعضاء البعثه العثمانية مع الصدر الأعظم الايرانى الميرزا شفيع ان وافقت تركيا على رغبة ايران فى ان يكون حاكم سهرزور ايرانيا كما توصل الجانبان الى ضرورة كون باشا بغداد شخصا يرضى عنه الطرفان الايرانى والعثمانى ، ويكون موضع ثقة الدولتين . كما تعهدت تركيا لايران بان الزوار الايرانيين الذين يذهبون الى العتبات المقدسة سوف يمارسون طقوسهم المذهبية دونما اى تدخل من الولاة الاتراك فى العراق واتفق الجانبان على ضرورة العمل المشترك للقضاء على الاطماع الروسية التى تهدد بلديهما . واتفق الجانبان كذلك على انه يجب على كل منهما اذا عقد معاهدة مع روسيا ان ياخذ مصالح الجانب الآخر بعين الاعتبار . ثم عادت البعثة العثمانية إلى تركيا .
ويبدو للمتأمل فى النتائج التى توصل اليها الجانبان ان البلدين قد شرعا فى تفهم وجهات نظر
كليهما . وانهما يعملان لاقرار السلام على حدود بلديهما ويتآزران للقضاء على دسائس اعدئهما . ولكن اثبتت الايام ان تلك المحادثات والتنازلات من الجانب العثماني لم تكن سوى خدعة وحيلة لجأ اليهما العثمانيون ليصرفوا السلطات الايرانية عن الاهتمام شؤون الحدود المشتركة بين البلدين حتى يتمكن العثمانيون عن تنفيذ مخططاتهم التوسعية فيما بين النهرين بعيدا عن اعين السلطات الايرانية ، فلم يكد يمض زمن حتى اخذ حاكم بغداد الجديد عبد الله باشا يقوم باعمال استفزازية ضد السلطات الايرانية بايحاء من الباب العالى ما ادى على استئناف الحرب بين الجانبين .
فرغم ما اتفق عليه الجانبان التركى والايرانى فى محادثات خبران على ان يكون تعيين الوالى التركى فى بغداد برضا الطرفين فان العثمانيين قد نقضوا ذلك الاتفاق عندما عينوا عبد الله باشا واليا على بغداد دون اطلاع الدولة الايرانية . وقد اغضب هذا التصرف فتح على شاه القاجارى ، وقد أمعن الوالى التركى عبد الله باشا فى تحدياته للسلطات الايرانية فقام سنة ١٢٢٧ه بالاستيلاء على مدينة شهرزور وخلع واليها عبدالرحمن باشا الذي اعادته ايران الى شهرزور والذي وافقت الامبراطورية العثمانية على ولايته فى محادثات طهران . وبلغت الوقاحة بوالى بغداد ان بعث مسماعيل آغا والى - اربيل - الى طهران ليقول للسلطات الايرانية ان وجود عبد الرحمن باشا فى ولاية شهرزور قد يؤدى الى استئناف الحرب بين ايران والعراق لذلك يجب على السلطات الايرانية ان تخلعه وتعين واليا آخر مكانه .
عندما وصل اسماعيل آغا الى طهران وقابل فتح على شاه القاجارى ونقل له رسالة والى بغداد غضب العامل الايراني لهذا الاستبداد من حاكم بغداد التركى . وكان اكثر حقا على السلطان العثماني الذي لم يشر إلى مصالح ايران الحيوية حينما عقد معاهدة صلح مع روسيا وفى عمل السلطان العثمانى ذلك ما فيه من
نقض لمحادثات طهران بين الجانب الايرانى والعثماني . لذلك كتب فتح على ساه القاجارى الى ابنه محمد على ميرزا وطلب منه اعادة عبدالرحمن باشا إلى ولاية شهرزور رغم انف السلطان العثماني وباشا بغداد .
اراد محمد على ميرزا حل المشاكل مع باشا بغداد بالطرق السلمية فبعث مهدى خان كلشهر الى بغداد ليطلع عبدالله باشا على وجهة نظر ايران فى ضرورة اعادة عبد الرحمن باشا إلى ولاية شهرزور ولكن والى بغداد لم يهتم حتى باستقبال رسول محمد على ميرزا ، عندئذ قرر الامير محمد على ميرزا دولتشاه ان يلجا الى السلاح .
وفى سنة ١٢٢٧ ه بدا محمد على ميرزا يستعد لمهاجمة بغداد ذاتها . وقد حملت القوات الايرانية على بغداد من ثلاث جهات . اتجهت القوة الاولى لتهاجم المدينة من ناحية - قراتبه - والثانية من ناحية - قزل رباط -واتجهت القوة الثالثة التى كان يقودها الامير محمد على ميرزا الى بغداد عن طريق زهاب - بغداد . وانزلت القوات الايرانية هزائم ساحقة بالقوات التركية فى كل من كرند وزهاب وحوالى اربيل.
عندما رأى عبد الله باشا ان لا قبل له بمجابهة القوات الأيرانية لجأ الى حيلة بارعة انقذ بها بغداد من السقوط ، فقد بعث الشيخ محمد جعفر النجفى احد كبار علماء الشيعة ونزيل النجف الاشرف الى الامير القاجارى مستشفعا واخبر الشيخ النجفى الامير القاجارى ان حاكم بغداد لم يرفض مقترحات ايران بشان عبد الرحمن باشا والى شهرزور ، ولكن فهم رده بشكل محرف ، الى جانب ان هذه الحرب بين مسلمى ايران والعراق لن يستفيد منها سوى اعداء الاسلام ، وهكذا استطاع رسول باشا بغداد ان يدغدع عواطف الامير القاجارى الدينية ففك الحصار عن بغداد ونجت المدينة من السقوط فى يد القوات الايرانية .
بعد هذه الحملة الإيرانية التى دقت ابواب بغداد اخذت الامبراطورية العثمانية تقيم وزنا للخطر الذى
تمثله ايران على حدودها الجنوبية ، واستتبت الامور فى العراق لفترة طويلة .
كانت نهاية عبد الله باشا والى بغداد على يد اسعد باشا ابن سليمان باشاكهيا الذي استطاع ان يثير قبائل المنتفك العربية في العراق ضد عبدالله باشا ، ووافقت السلطات الايرانية على تعيين أسعد باشا ابن سليمان باشا واليا لبغداد ، فتوج أسعد واليا على العراق على يد المندوب الايراني سنة ١٢٢٨ ه .
بدأت العلاقات الايرانية العثمانية بعد تولية أسعد باشا على العراق تميل الى اللين والتفاهم . فقد عينت الدولة العثمانية جلال الدين باشا سفيرا لها فى ايران . وجرت محادثات بين العامل الايرانى والسفير العثمانى حول مشاكل الحدود واشترك فى تلك المحادثات من الجانب العثماني عبد الوهاب باشا . ومن الجانب الايرانى الميرزا رضا القزويني ، ثم عين فتح على شاه الميراز رضا القزويني سفير لايران فى اسطنبول ، ووافقت السلطات العثمانية على جميع مقترحات العامل الايرانى فيما يتعلق بتعيين ايران للولاة فى مدينة شهرزور ، وموافقة السلطات الايرانية على الولاه الذين يعينهم الباب العالى فى العراق ، وكذلك توصلت الدولتان الى تفاهم حول قضية الحجاج الايرانيين الشيعة الى العتبات المقدسة فى العراق. وعاد الميرزا رضا القزويني الى طهران قادما من اسطنبول سنة ١٢٢٩ ه .
ايران تقوم بعمليات حربية واسعة النطاق ضد الدولة العثمانية :
فى سنة ١٢٣٦ ه انتهت فترة السلام التى بدأت بين ايران والعثمانيين سنة ١٢٢٩ ه واستأنفت ايران عملياتها العسكرية ضد العثمانيين على الحدود الغربية لايران . فقد دأبت الامبراطورية العثمانية على استفزاز ايران بما كانت تقوم به من تحريض العشائر التركمانية والكردية المقيمة على حدود الدولتين للاعتداء على الاراضى الايرانية ، ففى سنة ١٢٣٦ ه قام
حاكم مدينة بايزيد العثمانى سليمان باشا بايواء قاسم آغا زعيم عشيرة ( حيدران لو ) الكردية فى الاراضى العثمانية . وعندما تصدى حرس الحدود الايرانى لافراد العشيرة ومنعها من الخروج من ايران باعتبار انها من الرعايا الإيرانيين تدخل قائد القوات العثمانية فى ارمينيا فى الامر وأجبر رجال الحرس الايرانى على السماح لعشيرة (حيدر لو ) بمغادرة الاراضى العثمانية .
ومن الاسباب التى ادت الى استئناف القتال بين الطرفين - ان داود باشا والى بغداد التركى اخذ يتعقب صادق بيك احد ابناء سليمان باشا كهيا . فلجأ صادق بن سليمان باشا الى الدولة الايرانية. ولكن والى - أرض الروم - العثمانى طلب من عباس ميرزا بن فتح على شاه القاجارى تسليم صادق بن سليمان باشا للسلطات العثمانية وتعهد والى أرض الروم لأن احدا لن يتعرض لصادق بن سليمان باشا بسوء فقام الامير عباس ميرزا حفظا للعلاقات الطيبة القائمة بين البلدين واعتمادا على شرف الكلمة التى قالها والى أرض الروم بتسليم صادق بيك والى السلطات العثمانية التى لم تكد تتسلمه حتى امرت بذبحه وجميع حاشيته .
أراد فتح على شاه القاجارى عندما رأى هذا التحدى الصارخ من الدولة العثمانية والغرور الذى استولى على قادة القوات العثمانية المعروفة بالانكشارية ان يكسر حدة هذا الغرور ويحد من غطرسة القواد العثمانيين وباشاوات بغداد على الحدود الغربية لبلاده . واراد بالتالي ارغام العثمانيين على احترام عهودها واتفاقياتها مع ايران فصدرت اوامره سنة ١٢٣٦ ه الى القوات الايرانية بمهاجمة العثمانيين في الحدود الغربية والشمالية الغربية فى كل من اذربيجان فى الشمال وكرمانشاهان فى الغرب .
وفى شهر ذى الحجة سنة ١٢٣٦ ه بدأت الحملات الايرانية على أرمينيا العثمانية وبين النهرين وكان على رأس القوات الايرانية المحاربة فى أذربيجان الامير عباس ميرزا وفى العهد الذي تحرك من مدينة خوى الى
ماكو فى طريقه الى مدينة بايزيد العثمانيه ومن ثم الى ارض الروس.
وفي أول لقاء بين الجانب الايرانى والعثمانى عند ولعة ( توبراق قلعة ) انهزم الجانب العثمانى وتحصن من نجا منه فى قلعة توبراق . واستطاع حسن خان قاجار الفزويني محاصرة القلعة ثم الاستيلاء عليها. وواصل عباس ميرزا تقدمه نحو مدينه بايزيد وتغلب على حاكمها بهلول باشا وسقطت قلعة ( أق سراى) فى يد الايرانيين الذين احتلوا مدينه بايزيد . وبعد القضاء على الحاميات العثمانية فى القلاع المجاورة جمع عباس ميرزا قواته ليواصل حملاته على العثمانين الذين اتت جموعهم الى صحراء ملازكرد ( ١ ) واستطاعت القوات الايرانية ان تنزل الهزيمة بالعثمانين وهكذا أصبحت ايران تسيطر على المناطق الغربية سيطره كاملة ، واصبحت مدينة ارض الروم تحت رحمة القوات الايرانية التى اخذت تستعد للاستيلاء عليها.
عندما علم الوالى العثمانى لمدينة ارض الروم خرق محمد باشا بتصميم الامير عباس ميرزا على احتلال المدينة اخلاعا من السكان واتجه الى قلعة نارين الواقعة فى جنوب المدينة .
أمر عباس ميرزا قائده محمد زمان خان القاجارى بالتوجه الى قلعة ( حسن ) على رأس ثمانية آلاف جندى واجلاء الحامية العثمانية عنها ، ولكن القائد محمد زمان خان وقع فى أسر العثمانيين الذين احاطوا به وطوفوه فى أسفل القلعة ، فاستنجد بالامير عباس
ميرزا الذي اسرع لنجدته وفك الحصار عنه . ونشب بسن الفريقين معركة حامية بالقرب من ولعه ( موس ) فى منطقه ( بولاتلق ) وحلت الهزيمة بالقوات العثمانية . وغنمت ايران سبعة عشر مدفعا وحوالى مائتى الف رأس من المواشى التى تكثر فى المراعى الخصبة المحيطة بمنطقة ( بولاتلق ) . كما استولات القوات الإيرانية على قلعة ملازكرد وفى نفس الوقت الذى جاءت فيه الانباء تحمل نبأ سقوط قلعة( موس ) فى يد القائد الايرانى حسن خان سروار . ولم يكد يمض زمن حتى كانت قلاع بايزيد وآب سكرد ويادين وملاز كرد واخلاط وتوبراف قد سقطت في يد القوات الايرانية . وفى سنة ١٢٣٧ ه طلب البلاط العثماني من عباس ميرزا ولى عهد ايران ان تكف حملاته على حدود الامبراطورية العثمانية ، وارضاء لايران فقد بادرت الامبراطورية العثمانية باقصاء حاكم مدينة أرض الروم خسرو محمد باشا منصبه.
بينما كانت القوات الايرانية بقيادة الامير عباس ميرزا توالى تونغلها في الاراضى العثمانية كانت القوات الايرانية فى الجبهة العراقية بقيادة محمد على ميرزا الابن الثانى لفتح على شاه القاجاري تلقن باشاوات بغداد درسا آخر في احترام العهود والمواثيق وقد استطاع حسن خان الفيلى وجيشه المكون من محاربى عسائر كرستان ان ينزل الهزيمة بقوات بغداد بقيادة محمد آغاكهما ومحمود باشا وظل الفيلى يتعقب القوات التركية المتراجعة الى حدود مدينة كرركوك . واستولى الامير محمد على مبرزا دولتشاه على مدينة السليمانية واتجه الى بغداد عبر مدينة سامرا وحاصرها ، فلجأ باشا بغداد داود باشا إلى الشيخ موسى بن جعفر النجفى طالبا منه اقناع دولتشاه بعدم الحملة على مدينة بغداد . ويشاء الله ان يصاب محمد على ميرزا دولتشاه بمرض في ذلك العام ويوافيه الاجل فى السادس والعشرين من صفر سنة ١٢٣٧ ه .

