الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

إيران فى عهد الدولة القاجارية

Share

كانت بريطانيا تتفادى التدخل المكشوف في شؤون افغانستان لعلمها بمدى حساسية السلطات الايرانية فى كل ما يتعلق بافغانستان ، كما كانت بريطانيا تتظاهر باحترام المعاهدات التى تربطها بالدولة الايرانية . لذلك كانت تعمد الى ايجاد حكومة ضعيفة في افغانيستان تستطيع التأثير على حكامها بسهولة كلما رأت فى ذلك ضرورة لحماية مستعمراتها في شبه القارة الهندية لا سيما ان الذى كان يتظاهر بمد يد العون لايران هى روسيا العدو التقليدى لبريطانيا في تلك المناطق ، لذلك كانت بريطانيا تقاوم النفوذ الروسى بشدة .

وقد أصبحت ايران مجالا لنشاط قلم المخابرات البريطانى ، وظل رجالها ينشرون الفوضى والاضطراب في جميع أنحاء ايران طوال عهد محمد شاه الغازى وابنه ناصر الدين شاه ، أكثر من ذلك فقد كانت بريطانيا تلجأ إلى احتلال الموانىء الايرانية

على الخليج الفارسى بحجة محاربة تجارة الرقيق الفاشية هناك ، ذلك الرقيق الذى كان يجلب من افريقية الشرقية ويباع فى مختلف أنحاء ايران .

كانت بريطانيا الى جانب تهديد أسطولها الدائم لجنوب ايران تثير الفتن والقلاقل في وجه الحكومة المركزية فى كل مكان ، وتحاول بوساطة عملائها من ذوى النفوذ الايرانيين في الداخل . أولئك العملاء الذين كان الحاكم البريطانى فى الهند والشركات الاستعمارية البريطانية وعلى رأسها شركة الهند الشرقية يدفعان ثمن عمالتهم أن تقضى على نفوذ الامراء الموالين لحكم الاسرة القاجارية .

بعض مظاهر التدخل البريطانى

في شؤون ايران الداخلية :

عندما كان محمد شاه القاجارى يعد العدة لمحاصرة مدينة هرات ، رأى بعض الامراء

القاجاربين الساخطين عليه والذين لم يكونوا راضين بسلطانه أن يستغل انهماكه فى محاولة تسخير هرات ، وفكروا فى الخروج عليه ، علهم يستعيدون بعض نفوذهم الذى جردهم منه ، ففى أصفهان وكاشان وجرجان قام بعض الامراء وزعماء العشائر بثورات متعددة فى وجه الحكومة المركزية ، وكانت بريطانيا تؤجج نار هذه الخصومات وتباركها لأنها تعلم سلفا انها ستكون هى الرابحة في كل الاحوال ، كما كانت تعلم - وهذا ما يهمها بالدرجة الاولى - بأن قيام تلك الاضطرابات سوف يخفف من ضغط محمد شاه على افغانستان .

عندما عاد محمد شاه الى طهران بعد أن اضطر لرفع الحصار عن مدينة هرات أعد جيشا قوامه خمسة وعشرون ألف جندى وسار على رأسه لاخماد الاضطرابات المشتعلة في الجنوب ، وحينما وصل الى أصفهان أمر بقتل الكثير من مثيرى القلاقل ، كما طلب الى قواده الذين أرسلهم الى كرمان انزال أقسى العقوبات بالثوار فيها .

رأت بريطانيا أن تستغل الكراهية التى يضمرها شاه شجاع بن تيمور شاه الدرانى للبيت القاجارى فأوعزت الى الشركة البريطانية الشرقية باعانة الشاه الشجاع فقام باعداد جيش من عشرين ألف مقاتل من الهنود والافغانستانيين وقاده بنفسه للاستيلاء على مدينة قندهار ، فسار اليها عبر طريق البنجاب - بيشاور .

حينما علم دوست محمد خان الباركزائي حاكم كابل والموالى للقاجاريين بتوجه الحملة البريطانية الافغانية بقيادة الشاه

الشحاع الدرانى ، فر الى نجارى مع عدد من أولاده والتجأ الى حاكمها الله قلى خان

الخوارزمى . ولكن (( الله قلى خان )) اعتذر عن قبولهم فلجأوا الى حماية ايران سنة ١٢٥٥ ه . وكان مع دوست محمد خان عند لجوئه الى ايران خمسمائة فارس من منطقة سيستان ، فقابل محمد شاه القاجارى صديقه الافغانى بالحفاوة والترحيب ، وأرسل أبناء دوست محمد خان الباركزائى وعلى رأسهم أخوه كهندل خان الباركزائى ليحاربوا في صف القوات الايرانية فى جنوب ايران ، ووعد محمد شاه القاجارى صديقه دوست محمد خان الباركزائى بتقديم العون اللازم بعد فراغه من مشاكله الداخلية .

بعد أن استقر الامر للشاه شجاع الدرانى في قندهار بعد فرار حاكمها دوست محمد خان الباركزائى ، تنفست بريطانيا الصعداء ، وقررت أن تستميل كامران ميرزا حاكم مدينة هرات السابق وتظله بحمايتها ، لذلك كلفت بريطانيا الميجر دارسى تود الضابط البريطانى بالسفر الى هرات ، حيث قابله كامران ميرزا ووزيره يار محمد خان مقابلة حسنة ، ووقع الطرفان - البريطانى والهراتى معاهدة التزمت فيها بريطانيا بدفع مبلغ خمسة وعشرين ألف روبية لكامران ميرزا في كل شهر شريطة أن يقوم كامران ميرزا بالتعهد بأنه سوف يفوض بريطانيا الحديث باسمه فى كل ما يدور بينه وبين محمد شاه القاجارى من عقد معاهدات أو اتفاقيات عسكرية أو تجارية أو سياسية وستكون بريطانيا هى المتحدثة الرسمية باسم هرات مع الحكومة الايرانية .

يبدو ان كامران ميرزا أراد استغفال بريطانيا وابتزاز أموالها بتوقيعه لتلك

المعاهدة . فقد كلف وزيره يار محمد خان بكتابة رسالة إلى محمد شاه القاجارى يخبره فيها بأن الاتفاقية التى عقدها مع بريطانيا لا تساوى الحبر الذى كتبت به ،

وان المصلحة هى التى اقتضتها والا فهرات ما زالت تكن لايران وعاهلها محمد شاه كل ود وتقدير واحترام .

تمكنت المخابرات البريطانية في طهران من الحصول على نص الرسالة التى بعث بها الشاه شجاع الى محمد شاه القاجارى ولكنها تظاهرت بعدم علمها بما يجرى بين الامير الافغانى والعاهل الايرانى ، ورأت بريطانيا أن تنتظر لترى نتائج اتصالات الشاه شجاع السرية بمحمد شاه القاجارى .

وبعد زمن علم الميجر البريطانى دارس تود المقيم فى هرات بأن يار محمد خان وزير كامران ميرزا قد قام بارسال بعثة افغانية الى خراسان للتفاوض مع الوالي الايرانى هناك حول العلاقات بين الجانبين الايرانى والافغانى ، عند ذاك عمدت بريطانيا الى قطع المنحة المالية الشهرية التى كانت تدفعها للشاه شجاع ، وعندما تأكد دارس ان العلاقات بين بلاده وبين كامران ميرزا قد توترت غادر مدينة هرات .

لقد استاء محمد شاه القاجارى أشد الاستياء من السياسة البريطانية المتلونة ، ولم يستطع أن ينسى أن بريطانيا كانت السبب المباشر في انتزاع جزء عزيز من ايران وضياعه ألا وهو افغانستان التى يديرها عملاؤها من الافغانيين الخونة لذلك كان يترقب مناسبة للانتقام من بريطانيا وتلافي خسائره المادية والمعنوية بسبب السياسية البريطانية تجاه افغانستان .

قلنا ان قلم المخابرات البريطانى لم يتوقف لحظة عن اثارة القلاقل في وجه محمد شاه القاجارى ، والواقع ان السياسة البريطانية ان لم تكن هى السبب المباشر لكل المصائب التى نزلت بايران في العهد القاجارى ، فما لا شك فيه انه كان لها دور كبير فى نزول تلك المصائب بايران ،

وربما كانت ثورة آقا خان المحلاتى من أبرز جوانب التدخل البريطانى في ايران لاثارة المشاكل وبث العراقيل أمام حكومة ايران المركزية منذ زمن فتح علي شاه القاجارى الى يومنا هذا .

ثورة آقا خان المحلاتى

كانت زعامة الفرقة الاسماعيلية في ايران فى عهد الدولة الزندية فى يد السيد أبو الحسن خان الكهكى القمى ، وكان السيد الكهكى حاكما لمدينة كرمان الى جانب كونه زعيما للفرقة الاسماعيلية ، وبعد اعتزاله الحكم ذهب الى مدينة محلات وسكن بها الى أن توفي ، وبعد وفاته انتقلت زعامة الاسماعيلية إلى ابنه ميرزا شاه خليل الله ، وكان الاسماعيليون يأتون الى محلات في كل عام من أقصى المناطق الايرانية والهندية والتركستانية لزيارة امامهم واداء الزكاة ( الخمس ) اليه . يقول صاحب كتاب ( ناسخ التواريخ ) ان الاسماعيليين كانوا يعتقدون ان الاسماعيلى اذا لم يستطع السفر الى مدينة محلات ، لزيارة الامام واداء الزكاة لمرض أو كبر فما عليه الا أن يلقى خمس الامام من الزكاة في البحر وسيصل الى الامام بقدرة قادر .

وبعد أن مكث الامام خليل الله في محلات مدة من الزمن قرر الانتقال الى مدينة يزد

والإقامة فيها ، وفي يزد ثارت الخصومات بين الامام الاسماعيلى وبعض علماء الدين الذين حسدوه لما هو فيه من الجاه والجلال والمنزلة واقبال الاسماعيليين عليه .

ووقعت في احدى الايام مشادة بين أنصار الزعيم الاسماعيلى وبين العوام من أهل يزد ، وكان الملا حسين اليزدى من كبار علماء يزد ، هو الذى حرض الناس على الامام الاسماعيلى بدعوى انه يخالف التعاليم الاسلامية ، وانهال العامة على دار خليل الله خان في يزد وقطعته اربا اربا هو وبعض خاصته المقربين ، ونهبوا داره ..

ويقال ان الميرزا محمد جعفر الملقب بصدر الممالك أحد كبار أعيان مدينة يزد ، كان له ضلع فى حادثة قتل الزعيم الاسماعيلى ، وقد سارع حاكم يزد الحاج محمد زمان خان بالقبض على المتسببين في الحادثة وعلى رأسهم الملا حسين اليزدى ومحمد جعفر صدر الممالك ، وأرسلهم الى العاصمة طهران سنة ١٢٣٢ ه ليرى فتح على شاه رأيه فيهم .

وقد أمر فتح علي شاه القاجارى بايداع الملا حسين اليزدى السجن بعد جلده ، أما صدر الممالك فقد اكتفى فتح علي شاه بأن أغلظ له في القول ولامه على فعلته المنكرة . كما أمر أن تستوفى الدية من بقية المتهمين في المؤامرة وتدفع لورثة الامام .

تولى زعامة الاسماعيليين بعد قتل الامام خليل الله ابنه المسمى آقا خان ، وقد بذل فتح على شاء القاجارى كل ما فى وسعه لترضية خاطر آقا خان وقربه اليه وزوجه ابنته ( سروجهان ) ، ولكن رغم كل ذلك فان آقا خان قد ثار في وجه القاجاريين بعد

موت فتح علي خان ، فقد خرج على الدولة سنة ١٢٥٣ ه في مدينة بم ، وعندما طلبه محمد شاه القاجارى تحصن فى قلعة بم ، ولكن مقاومته لم تدم طويلا فاستسلم وشفع له حاكم فارس ( فرمان فرما ) ورئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسى لدى محمد شاه فعفى عنه .

وعندما توجه محمد شاه القاجارى الى الجنوب بعد عودته من هرات لقمع ثورة الامير فروخ سيرميرزا حاكم همذان ، الذى كان قد اتفق مع الامام آقا خان المحلاتى على الخروج عن محمد شاه ، خشى آقا خان الوقوع فى يد القائد الايرانى بخش علي خان ، فأرسل الى أتباعه فى كرمان وثائق مزورة يخبرهم فيها انه قد عين حاكما لمدينتهم ، كما كلف بعض أنصاره ببث الدعوة له فى العتبات المقدسة فى العراق .

لعبت بريطانيا دورا مهما فى خروج آقا خان على السلطة القاجارية ، فقد قامت بشراء الانصار والمؤيدين له من كرمان وبلوجستان ، فلم يكد آقا خان يعود سنة ١٢٥٥ الى مدينة (( بم )) حتى كانت بريطانيا قد حشدت له أربعة آلاف جندى من سيستان وأفغانستان ، فقام آقا خان بالحملة على مدينة بابك التى كان يحكمها كهندل خان الافغاني حليف محمد شاه .

القاجارى ، كما ارسل آقا خان أخاه محمد باقر خان الى مدينة سيرجان . ولكن حاكم كرمان فضل علي خان القراباغى هزم قوات محمد باقر خان فى مدينة زيد آباد فسارع آقا خان الى زيد آباد لفك الحصار عن أخيه ولكنه لم يستطع الثبات أمام القوات الايرانية ففر إلى مدينة لار ، وعندما رأى انصاره الذين كانوا يحاصرون مدينة ((بابك))

هزيمة امامهم رفعوا الحصار عن المدينة .

وفى لار استطاع آقا خان أن يجمع حوله بعض المؤيدين فتوجه الى مدينة جيرفت وحاصر قلعة اسفندقة القريبة من المدينة واحتلها . ولكن حاكم كرمان فضل علي خان القراباغى استطاع ان يدحر قوات آقا خان ويخرجه من قلعة جيرفت ، حيث فر الى مدينة ميناب حيث ظل مختبئا لحلول فصل الشتاء وتعذر الاعمال الحربية .

وفي بداية فصل الربيع سنة ١٢٥٦ ه استطاع آقا خان بمساعدة البريطانيين أن يكون جيشا كبيرا مجهزا ببعض المدافع التى اهدتها له بريطانيا ، واتجه الى كرمان وهزم جيش فضل علي خان حاكم المدينة الذى كان يقوده اخوه اسفنديار خان واحد قواده الكبار عبد الله خان قراكزلو ، وفى هذه الموقعة قتل اسفنديار خان وتوغل آقا خان الى برد سير على بعد ست وثلاثين

كيلا جنوبى مدينة كرمان .

عندما علم فضل على خان حاكم كرمان بهزيمة جيشه وقتل اخيه اسفنديار خان هاله الامر وقرر القضاء على آقا خان بنفسه ، واتجه الى برد سير وأرغم القوات التابعة لآقا خان على الفرار وتعقبها الى مدينة بمبور وأسر كثيرا من أفراد جيش آقا خان .

وعندما رأى آقا خان المحلاتى أن لا فائدة ترجى من مقاومة فضل علي خان حاكم كرمان ، قرر السفر الى الهند والاقامة فيها ، وفعلا سافر الى الهند عبر طريق قندهار ، وهكذا انتهت هذه الفتنة التى أثارها آقا خان فى وجه الحكومة المركزية واستمرت أربعة عشر شهرا ، وفى أواخر عهد محمد شاه القاجارى خرج ابو الحسن خان الملقب بالسردار اخو آقا خان المحلاتى وأعلن العصيان فى بلوجستان ولكن سرعان ما قضى على تمرده .

اشترك في نشرتنا البريدية