رفع المستوى الثقافى للشعب الايرانى : اذا اردنا الحديث عما قدمه الامير الكبير لايران فى المجال الثقافى فان الانصاف يقتضينا القول بأن الامير الكبير هو دون منازع مؤسس الحركة الثقافية العصرية فى ايران . لان الجرائد والصحف والمجلات والمدارس الحديثة ودور الطبع والنشر والحث على ترجمة الكتب الاوربية والعلمية والعسكرية ، وارسال البعثات العلمية المختلفة الى أوربا وروسيا ، والتعاقد مع الخبراء الاوربيين فى مختلف المجالات بقصد رفع مستوى الشعب الايرانى الثقافى - كل ذلك كان من مظاهر الجهد الكبير الخلاق الذى بذله الامير الكبير فى سبيل رفعة بلاده .
ومن أكبر المؤسسات العلمية التى بناها الامير والتى لا تزال ايران تعدها الى اليوم من أكبر مفاخرها العلمية - مدرسة دار الفنون فى طهران ، فقد قام باعداد خرائط تلك المدرسة أحد الطلبة الايرانيين الذين أتموا تعليمهم العالى فى بريطانيا واسمه ميرزا رضا . وبوشرت عمليات البناء سنة ١٢٦٦ ه . وفى سنة ١٢٦٧ ه فتحت
المدرسة ابوابها لطلاب العلم وقام الامير الكبير بالتعاقد مع اساتذة من النمسا ليباشروا التدريس فى الدار الجديدة ، وكان من بين أولئك الاساتذة النمساويين الكابتن زاتى اختصاصى الهندسة المعمارية وزميله كارنوتا الضابط المتخصص فى فن حروب المناطق الجبلية ، والدكتور يولاك أستاذ الصيدليات .
وكانت الدار تشتمل على سبعة اقسام :
ب - قسم الدراسات الخاصة بسلاح المشاة . ٢ - قسم الدراسات الخاصة بصناعة الذخيرة ، ٣ - قسم الهندسة ، ٤ - قسم الدراسات الخاصة بسلاح الفرسان ، ٥ - قسم الطب والجراحة ، ٦ - قسم الصيدلة ، ٧ - قسم التعدين .
وقد عين لكل أستاذ ، معيد ايرانى من أولئك الذين تلقوا علومهم العالية فى أوربا ، وكانت مهمة المعيد القيام بترجمة ما يقوله الاستاذ للطلبة الايرانيين .
وبالاضافة الى العلوم العسكرية البحتة التى كانت تدرس فى الدار ، كان الطلبة يدرسون التاريخ والجغرافيا والطبيعة والرياضة واللغة الفرنسية . وكانت توجد
فى الدار معامل للكيمياء والفيزياء والصيدلة الى جانب مكتبة عامرة بالكتب والمراجع ، ومطبعة كبيرة .
واذا نظرنا الى مجهودات الامير الكبير فى المجال الصحفى وجدناه يضرب فى هذا المجال ايضا بسهم وافر . فأول جريدة ظهرت فى ايران كانت فى عهد محمد شاه القاجارى ، ولم يكن لها اسم معين . وكان يقوم بتحريرها وادارتها الميرزا صالح الشيرازى ، وقد ترجمت المجلة الآسيوية البريطانية المختصة بالدراسات الشرقية أحد اعداد تلك الجريدة الايرانية فى عدد مجلة الدراسات الآسيوية الخامس سنة ١٨٣٩ م وقد كتبت فى ذلك العدد من الجريدة الايرانية هذه العبارة : ( أخبار ووقائع شهر محرم الحرام سنة ١٢٥٣ ه طبعت فى دار الخلافة بطهران . ) ولم يعلم مصير تلك الجريدة بعد سنة ١٢٥٥ ه .
وقد ذكر الكاتب الفرنسى ، ايدموند دى تامبل فى كتابه ( مختصر تاريخ القاجاريين ) الذى طبع فى باريس سنة ١٢٩٠ ه - ١٨٧٣ م شيئا عن هذه الجريدة اليتيمة فقال : ( فى عهد محمد شاه سنة ١٨٣٧ م - ١٢٥٣ ه ظهرت لاول مرة فى طهران جريدة رسمية ، وقد ظهر العدد الاول منها فى أول شهر مايو سنة ١٨٣٧ م الموافق يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر المحرم سنة ١٢٥٣ ه . وكانت تطبع طباعة حجرية وتصدر فى صفحة واحدة كبيرة . وكانت طباعتها فى غاية الرداءة والسوء . ولم يكن لتلك الجريدة اسم معين بل كان يكتفى بتوشيحها بشعار الدولة الرسمى وهو صورة الاسد والشمس الحمراء فى ذيل الصفحة الثانية وتلك الجريدة هى التى عرفت فيما بعد بجريدة الوقائع
الاتفاقية بعد ادخال بعض التعديلات الفنية عليها . )
وعندما وصل الامير الكبير الى مسند الصدارة أحس بضرورة وجود جريدة رسمية للدولة فأصدر اوامره بتأسيس جريدة سميت ( الوقائع الاتفاقية ) وخرج العدد الاول منها فى يوم الجمعة الرابع من شهر ربيع الثانى سنة ١٢٦٧ ه فى طهران .
كانت جريدة الوقائع الاتفاقية جريدة اسبوعية ، وتشتمل على ثلاث صفحات أحيانا وصفحتين أحيانا أخرى حسب المادة الصحفية المتوفرة لديها . وقد صدر العدد الاول منها وهو يحمل فى صفحته الأولى شعار الدولة الايرانية الرسمى وهو صورة الاسد والشمس الحمراء ، وفى أعلى الشعار وبين رسم الشجرتين تقرأ عبارة : ( يا أسد الله الغالب ) وفى الاعداد التالية الغيت عبارة يا اسد الله الغالب ليحل محلها اسم الجريدة ( جريدة الوقائع الاتفاقية ) .
كانت افتتاحية العدد الأول من جريدة الوقائع الاتفاقية كالتالى :
(( حرصا من الذات الملكية الشاهنشاهية التى تعودت صرف همها فى تثقيف الشعب الايرانى واطلاعه على ماجريات الامور فى داخل المملكة وخارجها ، فقد تقرر أن تصدر فى ايران جريدة اسبوعية تدرج فيها الاوامر العالية الشاهنشاهية . وهذا النوع من الجرائد يسمى فى الخارج : بالجازيت ، وسوف تطبع فى دار الطباعة الحكومية وتوزع فى كل أنحاء ايران ، حتى يكون الناس فى كل أسبوع على علم بالاحكام والقوانين الصادرة من دار الخلافة المباركة . ومن صفات هذه الجريدة أنها تعمل على تنوير الاذهان ورفع المستوى الثقافى للشعب من جهة وتحول بين ترويج الاكاذيب
والاراجيف التى هى خلاف الاحكام- الشاهنشاهية والتى تسعى الدول المعادية لنا فى الحدود على نشرها وترويجها لاشاعة الفوضى وبلبلة الاذهان من جهة ثانية .
ولذلك يلزم على أمناء الدولة وحكام الولايات وأصحاب المراكز والمناصب الكبيرة والرعايا المخلصين أن يحرصوا على الحصول على الجريدة الرسمية وقراءتها .
وكان يدير الجريدة الحاج ميرزا جبار ويرأس تحريرها شخص انكليزى يدعى ادوارد برجيس وكان يحرر فيها شخص يدعى ميرزا عبد الله .
الى جانب هذه الجريدة التى انشئت بأشارة الامير الكبير ، سعى الى نشر الكتب والرسائل العلمية وترجمتها من مختلف اللغات الى الفارسية . ومن مجهوداته العلمية قيامه بطبع جغرافية ايران ، وأطلس القارات الخمس وترجمة ( تاريخ نابليون ) من الفرنسية الى الفارسية ، وكتاب ( نظام ناصرى ) ( نسبة الى ناصر الدين شاه القاجارى تأليف بهرام ميرزا قاجار ، وبعض الرسائل الطبية فى فوائد التطعيم ضد الجدرى . )
اصلاحات الامير فى المجال الاقتصادى : كان من أهم الخطوات التى اتخذها الأمير فى المجال الاقتصادى أنه أمر باقامة مصانع لتكرير السكر الذى يكثر قصبه فى منطقة مازندران ، وبناء مصانع الزجاج فى طهران وأصفهان و قم ، ومصنع ورق فى طهران ومصانع للنسيج فى كاشان ، كما قام بابتعاث العمال الى أوربا للاطلاع على أحدث وسائل الصناعة فيها . كما أمر بانشاء معرض صناعى فى طهران وتقديم المعونات الى المصانع الوطنية وحمايتها من المنافسة الاجنبية .
الاصلاحات الادارية : كان من أبرز واهم الاصلاحات الادارية التى قام بها الامير الكبير أنه حدد رواتب موظفى الدولة حسب درجاتهم الوظيفية ، وحارب البطالة والعاطلين بالوراثة كما قاوم الرشوة التى كانت متفشية فى الدوائر الحكومية ، وقام باصلاحات مهمة فيما يتعلق بادارة المواصلات البرقية والبريدية بحيث أصبحت الرسائل الرسمية والشخصية تصل الى مقصدها فى اسرع وقت ممكن . كما شدد الرقابة على كبار موظفى الدولة وخاصة حكام الولايات ومنع الرعايا الايرانيين ما عدا موظفى وزارة الخارجية الايرانية من الاحتكاك بالاجانب وخاصة رجال السلك السياسى ، ولكى يشرف على تنفيذ هذا القرار الاخير المتعلق باتصال الايرانيين بالاجانب فقد تسلم وزارة الخارجية الايرانية بعد وفاة وزير الخارجية الحاج ميرزا مسعود كرمرودى سنة ١٢٦٥ ه وعين الميرزا محمد على خان الشيرازى سفير ايران السابق فى باريس وكيلا لها .
لم تكن هذه الاصلاحات المهمة والتى شملت كل المرافق الحيوية فى ايران والتى قام بها الامير لترضى بعض العناصر الحاسدة الحاقدة عليه ، فأخذت تحذر ناصر الدين شاه القاجارى بغية عدم اعطاء كل هذه السلطات للامير ، كما اخذت تشيع عن الامير أنه يحاول قلب نظام الحكم والقضاء على ناصر الدين شاه ، وقد أثرت هذه الايحاءات فى نفس ناصر الدين شاه الذى أخذ يحد من سلطات الامير ، فعزله أولا عن رئاسة الوزارة وعينه حاكما لمدينة كاشان ليسط عليه جلاديه فيما بعد ، وفعلا لقي الامير مصير سلفيه اعتماد الدولة وزير فتح على شاه وابو القاسم القائم مقام وزير محمد
شاه فقد خنق الامير حتى الموت .
فاجعة قتل الامير الكبير محمد تقى الفراهانى تناولها المؤرخون فى العصر القاجارى من زوايا مختلفة . فمن المؤرخين من كان يرى أن قتل الامير كان جزءا وفاقا لما مارسه من الاستبداد فى ادارة شؤون الدولة . ومنهم من يرى أن ايران قد فقدت بقتل هذا الامير الغيور على مصلحة بلاده رجلا حازما كان الوطن فى أشد الحاجة اليه فى أحلك فترة من فتراته التاريخية ، واليك بعض ما كتبه الفريقان حوله .
يقول رضا قلى خان هدايت فى كتابه التاريخى : ( روضة الصفارى ناصرى ) فى الجزء العاشر : (( . . . لا جرم انه أبعد هو وحاشيته والمقربون اليه وخلع من الوزارة ، ثم عين حاكما لكاشان حيث ظل أسبوعا واحدا فقط ، وفى الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام قتل ذلك الرجل الشريف المشهود له بالنزاهة والعفة بسبب النقمة التى صبها عليه الحاكم بسعى حساده الذين استطاعوا ان يغيروا قلب حاميه ناصر الدين شاه عليه . )) ويختم هدايت حديثه بقوله : (( وهذه عاقبة كل من يتعرض لسخط الملوك . فانه لن يجد طريقا للسلامة ولا مفر . ))
ويقول مؤرخ آخر هو محمد تقي الملقب بلسان الملك فى كتابه ( ناسخ التواريخ ) حيث لم يكن للأمير أصل شريف ومحتد نبيل فقد جهل كيفية ادارة الدولة ، فوقع فريسة لغضبة سيده ومليكه ، فعندما تجمعت أسباب القوة والنفوذ فى يد الميرزا تقى خان ووصل الى سدة الصدارة بدأ يبدى ألوانا من الكبر والعجرفة والتنمر ، ولم يحسب حساب الايام السود ، لذلك بالغ فى احتقار كبار الامراء والاعيان ورجال
الدولة الذين لم يكن ليدانيهم فى الشرف والنبل ، ولم يدر أنهم قد عركوا الايام وعركتهم وذاقوا شهد الحياة وابرها ، وقدموا خدمات جلى للعرش والأسرة القاجارية هما أوصلهم الى ذروة الشرف والجاه ، اما الامير فقد اخذ يقرب السفلة الذين لا أصل لهم ولا كبير وزن ، واسند اليهم المناصب الكبيرة ووضع مصاير الدولة فى ايديهم فصاروا بطانته وحاشيته المقربين ، فلم يكونوا يرون أعظم ولا أجل ولا أكيس منه ، وقد رأى عليه القوم فى ايران ان من واجبهم ان يطلعوا سيد البلاد ناصر الدين شاه على ما وصل اليه الأمر فى عهد الأمير ، حيث أخذ نجم اقباله يأفل ، ونعمته التى لم يقدرها حق قدرها تزول ، الى ان انتهى الى ما انتهى اليه وما سوف ينتهى اليه امثاله دائما )) .
ويستطرد لسان الملك فى ذكر اسباب قتل الامير فيقول : (( لقد بلغت الجرأة والوقاحة بالميرزا محمد تقى خان الامير الكبير بعد كل ما بدر منه من الاخطاء فى حق سيده ناصر الدين شاه أن يقول فى مجلس الملك : أنا الذى أعدت تنظيم الأمور فى هذه المملكة ، وأعدت كل شئ الى وضعه الطبيعى . ألم أقم باعادة النظر فى أمور الديوان الملكى الشريف وتنظيمه ! ألست الذى أدخل احدث التعليمات الحربية الى القوات المسلحة ؟ ألم أبادر باقامة وبناء المصانع الحربية لامداد الجيش بكل ما يحتاجه ؟ ألم اعمل على تقوية قواتنا المسلحة فى كل الجبهات بحيث أصبح فى امكانها صد اعتداء أى معتد ؟ ألم أعد التعادل الى ميزانية الدولة بعد أن ورثتها خاوية نتيجة سياسة وزير والدك الحاج ميرزا آقاسى المالية ؟ . ألم أقم بالقضاء على المتمردين ومثيرى الشغب فى أول عهدك بالحكم حتى
لم يبق فى ايران اليوم من يجرؤ على التمرد ؟ وها أنت اليوم بدلا من أن تكافأنى تحاول القضاء علي ، بسبب وشايات الواشين . وأرجو أن لا تفعل فانهم يريدون بدفعك للقضاء علي ، القضاء على شخصك وعلى ايران )) .
وقد استولى الغضب على ناصر الدين شاه من لحن حديث وزيره فأجابه : (( ان كلماتك اشبه ما تكون بكلمات ابليس اللعين . حقا انك لوقح وسافل . كيف تجرؤ على اهانة كبار رجال الدولة ؟ ألأنك تحس بعقدة الحقارة فى أصلك الوضيع ؟ وتريد افراغ سمك عليهم باذلالهم وتحطيم كبريائهم ، ثم هذه الاعمال التى تباهيت بالقيام بها من الذى فوضك اياها ؟ ألست أنا الذى منحك كل تلك السلطات الغير محدودة فشرعت تستبد حتى بى . أن أسرتنا الشريفة من السلاطين القاجاريين قد حكموا هذا البلد كابرا عن كابر فمن أنت حتى تدعي انه لولاك لما انتظمت امور البلاد وتتبجح بانك قمت بكيت وكيت ؟ أنت لست سوى واحد من رعاياى . ثم اخبرنى بأى حق منعت علماء (١) الشيعة الاثنا عشرية الذين هم ورثة الانبياء عندنا من ممارسة حقوقهم التى خولهم اياها الشرع وامعنت فى ايذائهم واذلالهم ؟ . ))
كان أكثر مؤرخى العصر القاجارى الذين تعرضوا للحديث عن قتل الامير لا يجرأون على كشف الحقائق للناس حبا فى مجاراة الارادة الملكية فى القضاء عليه ، وكانوا يرجعون سبب هلاك الامير الى المرض حينا
وغلبة الهم عليه حينا آخر ، والمؤرخ الوحيد الذى جرأ على وضع النقاط على الحروف وكشف حقيقة الامر هو محرر وقائع البلاط خورمورجى فقد تحدث عن قضية قتل الامير فى كاشان فى كتابه التاريخى ( حقائق الاخبار ) فقال : (( بعد اربعين يوما من المداولة بخصوص الامير الكبير ، قرر المتداولون القضاء عليه ، فأرسلوا اليه الحاج على خان حاجب القصر ، فذهب الى كاشان
حيث كان الامير قد عين حاكما ، فوصلها فى اليوم الثامن عشر من شهر ربيع الاول ، وحينما سأل عن الامير أخبر بذهابه الى الحمام ، فتوجه الحاجب الى هناك وبيديه اللتين طالما امتدتا تلتمس العطاء والاحسان من الامير يوم كان فى سدة الصدارة أطبق على عنقه ولم يتركه الا جثة هامدة .
وقد راجع الكاتب الايرانى الكبير المرحوم عباس اقبال آشتيانى كل المصادر التاريخية التى تناولت حياة وفاجعة الامير الكبير ، ثم ألف عنه كتابا تحت عنوان ( الميرزا تقى خان الامير الكبير ) . وطبع الكتاب فى طهران سنة ١٣٤٠ ه . وقد خرج الكاتب بالنتيجة الآتية فيما يتعلق بمأساة الامير ، يقول اقبال :
(( خرج الامير يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الاول من قصر الامارة فى كاشان وذهب الى الحمام الذى كان ملحقا بحديقة ( فين ) فى القصر الملكى الذى اعتاد الملوك القاجاريون الحلول فيه كلما جاءوا الى كاشان ، وكان للحمام مدخلان ، مدخل يفضى الى جناح الحريم ، وآخر يؤدى الى خارج القصر ، وقد جرت العادة أن تقفل المداخل الخارجية فى يوم ذهاب الحريم الى الحمام ، وعندما وصل الامير الى الحمام وشرع فى الاغتسال وصل الى كاشان خمسة
من الفرسان الملثمين قادمين من طهران واتجهوا الى قصر الامارة وسألوه عن الامير ، وحينما أخبروا بأنه فى الحمام سارعوا الى هناك . وكان من بين اولئك الملثمين الحاج على خان المقدم المراغى حاجب القصر الشاهنشاهى فى طهران ، وكذلك الجلاد الخاص لنادر الدين شاه ، وعندما وصلوا الى الحمام ، أطلع على خان المقدم ، الامير الكبير على أوامر الشاه القاضية بقتله ،
وعندما طلب الامير من جلاديه أن يعطوه مهلة ليفرغ من حمامه ويرتدى ثيابه ثم يكتب وصيته ، أبوا عليه . ولكنهم كانوا على جانب لا بأس به من الانسانية فقد سألوه عن الطريقة التى يود أن يموت بها - يا للانسانية ! - فطلب الامير من الشخص المكلف بتدليكه أن يفصد عروق يديه ،
وظل الامير يقاسى ألوانا من الالم وهو يشاهد الحياة تنزف منه قطرة قطرة .
وعندما أغمى عليه بسبب النزيف الشديد أجهز عليه الجلاد ليرحمه من العذاب بأن لف حول عنقه فوطة من فوط الحمام وظل يضغط على عنقه حتى مات وقبل ان تعلم زوجه بالخبر كان الجلادون فى طريقهم الى طهران ومعهم جثمان الامير ليقدموه لسيدهم ناصر الدين شاه ، وقد كافأ ناصر
الدين شاه ، حاجبه الحاج على خان المقدم المراغى بأن منحه أعلى الالقاب وانعم على بقية الجلادين بالانعامات الجزيلة .
بعد هلاك الامير اسندت رئاسة الوزارة الى الميرزا نصر الله خان الشهير بالميرزا آقا خان نورى الملقب باعتماد الدولة ، وكان واحدا من ألد خصوم الامير ، مع ان الامير الكبير هو الذى أوصله الى اسمى المناصب ولكنه كان أحد عملاء بريطانيا المخلصين ،
والامير الكبير كما ذكرنا كان يقاوم شتى أنواع النفوذ الاجنبى عامة والنفوذ الروسى والبريطانى خاصة . لذلك لم يكد الامير يقتل فى كاشان حتى سعى السفير البريطانى فى طهران لدى ناصر الدين شاه ، أو بعبارة أخرى ضغط على ناصر الدين شاه ليعين اعتماد الدولة المشهود له بالولاء لبريطانيا رئيسا للوزراء . وجاء فى أكثر المصادر التاريخية أن عتماد الدولة حينما طلب اليه تولى رئاسة الوزارة اشترط لقبولها القضاء على الامير الكبير ،
وبعد توليه الرئاسة صارت السفارة البريطانية فى طهران تقف الى جانبه وتؤيده دائما نظير ما كان يقدمه لها من خدمات فى سبيل تحقيق مطامعها الاستعمارية فى ايران .

