الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

إيران فى عهد الدولة القاجارية

Share

الامير فى نظر معاصريه :    يقول ل ظل السلطان بن ناصر الدين شاه عن الامير :

(( لقد قدم الامير حينما كان رئيسا للوزارة فى ايران اجل الخدمات لبلاده ، ولست ادرى لم يكافؤ امثاله بهذه الطريقة السنمارية البعيدة عن الانسانية ، ولماذا تنوسيت كل تلك الاعمال الجليلة التى أداها الرجل للوطن فى مختلف المجالات .

أن مبلغ ودرجة كفاءة الرجل واخلاصه معلوم لكل منصف ، لقد كان الامير غيورا على ايران غيرة تصل احيانا الى درجة التعصب ضد كل ما هو عير ايرانى ، انى اشهد الله أنى لم اعهد فى الامير شيئا يشينه ، لقد كان الرجل فى نظرى اجل من الخواجة نظام الملك وزير السلاجقة المعروف والصاحب بن عباد وزير الديالمة ( البويهيين ) والامير بسمارك واللورد بالمرستون ، وريشيليو الفرنسى وزير لويس الثالث عشر ، والامير رشيكوف الروسى الروسى ، اذا أردنا ان نزن الرجال باعمالهم . لقد كانت صاحبة

العزة الاميرة ملك زاده خانم احدى قريبات ناصر الدين شاه أول امرأة تزوجها الامير ورزق منها بابنتين هما تاج الملوك وهمدم الملوك خانم ، ولقد عقد الامير لاخى صاحب الجلالة مظفر الدين شاه ( هو الذى حكم بعد مقتل ناصرالدين شاه ) على الآنسة ابنته تاج الملوك بعد أن وافقت جدتى مهد عليا على ذلك الزواج وباركته )) .

كان الامير الكبير ممدحا فقد تسابق شعراء عصره فى مدحه ، وحمدوا له خصاله الحميدة العالية ومن اولئك الشعراء القاءانى الشاعر القاجارى الفحل . ولقد ندم ناصر الدين شاه على قتله الامير ولات ساعة الندم . وكان يظهر اسفه لخاصة ندمائه . الخلاصة ان قتل الامير كان من الفجائع الاليمة التى اصابت ايران ولو قدر للامير أن يتابع مشاريعه الكبرى التى رسمها لايران ، لاستطاعت ان تقطع شوطا بعيدا فى مختلف المجالات ، ولتغير وجه المجتمع الايرانى منذ أمد بعيد ولكن قتله أوقف عجلة التقدم ، وأتاح الفرصة للعابثين والوصوليين والانتهازيين الذين لا يهمهم شئ فى الحياة سوى أن تنتفخ جيوبهم وخزائنهم بالمال الحرام ولو على حساب شرف ايران التى كانوا يبيعونها في معارض النخاسة الاستعمارية . ورغم ان مؤرخى العصر القاجارى قد حاولوا ان يخفوا حقيقة مأساة الامير عن الرأى العام الايرانى والعالمى ، ورغم انهم كانوا ينقمون عليه جرأته فى الادارة والاصلاح وقدرته على اقتلاع العوائق التى كانت تعوق سفينة

ايران عن الوصول الى شاطىء الامان رغم كل ذلك فقد اعترفوا ولو بينهم وبين أنفسهم ان الامير شخصية فذة قلما يجود

الزمان فى بلد كايران بمثلها والفضل ما شهدت به الاعداء .

لقد قامت السفارة البريطانية فى ايران مبالغة في نفاقها بتقديم استفسار الى السلطات الايرانية حول مصير الامير واسباب هلاكه. وما تلك الا لعبة استعمارية ارادت بها بريطانيا أن تظهر بها امام الناس بمظهر البرئ وهى الشريكة الآثمة فى القضاء على الامير ، وقد استطاعت اللباقة والحذق السياسى البريطانى بأثارة هذه التساؤلات وابداء الاهتمام بقضية الامير استطاعت ان تكسب عطف الايرانيين عليها وجعلت بعض المؤرخين يشير باصبع الاتهام الى السفارة الروسية فى طهران ، وانها هى التى كانت خلف حادث قتل الامير. مع اننا نعرف مدى تدليل بريطانيا لعدو الامير اللدود النيرزا نورى خان اعتماد الدولة ، الذى اشترط رأس الامير كعربون لمجيئه الى سدة الرئاسة ، وعلى كل فقد سعدت بريطانيا وروسيا لهلاك هذا الرجل العنيد الذى كان يقف لمطامعهما بالمرصاد ، فرحتا لان زوال الامير الى الابد عن المسرح السياسى اتاح لهما متابعة سياستهما الاستعمارية التوسعية ، فى ظل ملك ووزراء ورجال بلاط لا حول لهم ولا قوة .

حاولت بريطانيا بكل الوسائل ان تتخلص من الامير الكبير ، وسلكت كل السبل لذلك ونسبت اليه على لسان كتابها وساستها انه عميل للسفارة الروسية فى طهران فهذا هو السير بيرس سايكس فى كتابه ( تاريخ ايران ) يقول :

عندما أراد ناصر الدين شاه أن يعزل الامير الكبير عن الوزارة ، شدد الحراسة على قصره ، ثم ارسل بعض الجند اليه حيث سلموه بلاغ عزله عن الرئاسة ، وانه مكلف

فقط بالاشراف على القوات المسلحة ، وقد قبل الامير هذا البلاغ ، وعين خصمه اعتماد الدولة رئيسا للوزراء ، ولكن تصرف السفير الروسى البعيد عن الحكمة والذى طلب فيه من ناصر الدين شاه اعادة الاميرالى الوزارة ، لانه يتمتع بتأييد الامبراطور الروسى ، جعل ناصر الدين شاه يبالغ فى عناده حيال الامير فلم يكتف باقصائه من الوزارة بل أمر بقتله فى كاشان كما رأينا . ))

ورغم ان السفير يرسى سايكس قد حاول أن يدين الامير الكبير بالعمالة لروسيا ، الا ان اعمال الامير الجليلة التى قام بها فى شتى المجالات قد ارغمت حتى أمثال سايكس على احترامه ، فقد كتب سايكس في مكان آخر من كتابه ( تاريخ ايران ) عن الامير يقول :

(( ان عددا قليلا من الشخصيات الايرانية كان يحتمل وجود شخص صادق وأمين وشريف كالامير الكبير ، فهذه الخصال التى كان يتحلى بها الامير لم تكن مبعث فخر لدى بعض الناس . )) ويقول أيضا : (( ان مقتل الامير كان بحق كارثة بالنسبة لايران )) . ويقول : (( اذا كان المثل العربى يقول كيف ما تكونوا يول عليكم،فان ايران جديرة بالعزاء لفقد ذلك الرجل . ))

وكتب السير روبرت واطسن البريطانى فى كتابه (( تاريخ القاجاريين )) عن حسن ادارة وتدبير وصدق نيات الامير فيما قام به من خدمات لبلاده يقول :

(( ان الميرزا تقى خان قائد عام القوات المسلحة الايرانية رجل ذو كفاءة وخبرة فى كل ما يقوم به من الاعمال وهو فى نظرى

يختلف تماما عن كل الشخصيات التى قابلتها فى ايران ، وفى اعتقادى ان الخدمات التى قدمها القائد الرومانى بليزا ريوس فى عهد انحطاط روما العسكرى لا تقارن بالخدمات التى اداها الامير للقوات الايرانية فلقد قام بليزاريوس بتقديم خدمات عظيمة للجيش الرومى محاولا احياء مجد روما فى وقت كانت المصائب والنفاق والتملق وكل الامراض الخلقية تستشرى فى روما وتفتك بمقدساها ، وهذا هو نفس الدور الذى لعبه الميرزا تقى خان الامير الكبير في عهد ناصر الدين شاه القاجارى . ان أمة ينبغ فيها امثال هذا الرجل هى أمة ذات معدن اصيل ، لم تزل تحتفظ باصالتها رغم الصدأ الذى يكاد يطمس معالمها ان هذا الرجل الشريف لمن أكبر المواهب الالهية للامة الايرانية .

هذه خلاصة آراء المؤرخين الايرانيين والاجانب حول شخصية الامير ولكن ثم نقطة أود الحديث عنها قبل ختم هذا الموضوع :

أن الامير كان مظهرا من مظاهر الذكاء الموقد والاستعداد الفطرى الذى يتمتع به أفراد الشعب لايرانى الذين هم من أعماق الشعب ، والذين ليسوا كما قال لسان الملك وغيره من المؤرخين المتملقين ذوو اصل شريف ومحند نبيل . لانهم لم يتأثروا بعد بالعادات التى تنمو عادة فى دهاليز القصور وخدور الحريم ومسارح الغلمان . فرغم ان الامير لم يكن كما زعم المتملقون ذا اصل وحسب ونسب كما يفهمون الاصل والحسب والنسب الا انه استطاع بعصاميته ان يطلع ويحصل

علوم عصره ، بل وان يبز أقرانه فى سن الطفولة مما هيأه لتولى أعلى المناصب والوصول الى لمجد والجاه والسلطان فيما بعد .

وهذا يثبت لنا انه اذا توفرت وسائل العلم والمعرفة والتوجه والتربية لافراد الشعب ، فان تلك الطبقات الدنيا فى كل المجتمعات تستطيع بما جبلت عليه من المروءة والاستقامة والعمل فى كل ما من شأنه السمو باوطانها ، تستطيع أن تؤدى أعمالا هى الى لمعجزات أقرب . فان الامير رغم المشاكل والعقبات الكثيرة التى واجهته لم يتوقف لحظة عن متابعة مشروعاته الكبيرة وعندما عجز اعداؤه عن شراء ضميره ليسايرهم ، توجهوا الى سوق الخيانة حيث تباع الضمائر بأبخس الاثمان فاشتروا الجلادين ومحترفي الاجرام وقضوا عليه .

كان مما وجه الى الامير من التهم انه كان شديد القسوة فى مجازاة الخونة ولم يكن يرعى للمقام أو الوجاهة او الحسب والنسب حسابا ، ولكن اذا قيست هذه الأشياء التى اعتبرها حساده اخطاء بالنتائج التى ترتبت على تنفيذ سياسة الامير البناءة فان تلك الاخطاء الموهومة ستتضاءل فان الامير لم يكن يستطيع تنفيذ برامجه الاجتماعية بالوعظ والارشاد والخطب المنبرية فى أمة ألفت الرشاوى والظلم والتعدى من جانب الاقوياء على الضعفاء ، حتى اصبحت تلك الرذائل خلقا ثانيا لها . بل كان لا بد للامير ان يلجأ الى اشد أنواع القسوة احيانا فى سبيل تحقيق العدل فان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .

عود على بدء :     تركنا الحوادث الداخلية بعد جلوس ناصر الدين شاه القاجارى لنناقش قتل الامير الكبير والآن لنعد لتتبع الحوادث على الحدود فى عهد ناصرالدين شاه .

حرب آق دربند فى سرخس     كان من نتائج تمرد السالار فى خراسان ان قبائل الاوزبك والتركمان اغتنمت الوضع المضطرب فقامت بحركة عصبان ضد الدولة القاجارية . فقام محمد أمين خان حاكم خوارزم ( خيوه ) باحتلال مدينة مرو ، وتابع فتوحاته الى قرب مدينة سرخس ، ولكن عندما قضى حسام السلطنة على فتنة السالار كما ذكرنا ، اتجه الى شمال خراسان لمحاربة محمد امين خان ولكنه انسحب الى مرو فى الشمال واراد أن يوهم القاجاريين انه نادم على ما قام به من أعمال حتى لا نباغته قوات حسام السلطنة، لذلك ارسل محمد امين خان احد رجاله الى البلاط القاجارى فى طهران معتذرا عما بدر منه ، وحمل سفيه الكثير من الهدايا والتحف للشاه ناصر الدين شاه ورجال بلاطه .

وفى سنة ١٢٦٧ ه أرسل الامير الكبير قبل مقتله بعام واحد ، رضا قلى خان.هدايت فى معية رسول محمد أمين خان حاكم خوارزم ، وكلف الامير رضا قلى خان هدايت بدراسة الوضع فى تلك البلاد ومدى امكانيات محمد امين خان العسكرية ، طلب هدايت من محمد أمين خان عدم التعرض لمدينتى مرو وسرخس ولكن محمد أمين خان

استاء من طلب رسول الدولة المركزية فأجابه قائلا : (( لا تنس اننى حاكم مستقل فى خوارزم ، وليس من حق اى انسان ان يرسم لى الطريقة التى يجب السير عليها ، ثم ان مرو جزء من متصرفانى . ))

عندما ساءت العلاقات بين محمد امين خان والحكومة المركزية أخذ يستعين بروسيا فى تثبيت حدوده الجديدة ، وسارعت روسيا الى مؤازرته . ورفض الخضوع للحكومة المركزية . وبعد ان اجتمع رضا قلى خان هدايت مندوب الحكومة المركزية بمحمد أمين خان عدة مرات ، ورأى تصميمه على احتلال مرو وسرخس عاد الى طهران ليرفع تقريرا للمسؤولين ، ثم صدرت الاوامر الى حسام السلطنة حاكم خراسان بمهاجمة مدينة سرخس ، فهاجمها واوقع بالقبائل التركمانية القاطنة بين سرخس ومرو هزائم منكرة ، وبينما كانت القوات الايرانية تقوم بتأديب القبائل التركمانية حول مدينة سرخس هاجم محمد أمين بعض المدن فى شمال خراسان ، ونهب الكثير من قرى دركز ولطف آباد ، وعندما عاد حسام السلطنة الى مشهد ليستعد لمواجهة محمد أمين خان فر الخان الى الصحارى الشمالية .

استمرت المناوشات بين القبائل التركمانية بقيادة محمد أمين خان وبين القوات القاجارية بقيادة حسام السلطنة ثلاث سنوات ، اخذ محمد أمين خان خلالها يتهيأ لشن حملة كبيرة على مشهد .

فى اوائل سنة ١٢٧١ ه ارسل ناصر الدين شاه قوة كهيرة بقيادة فريدون ميرزا

فرمان فرعا للقضاء على تمرد محمد امين خان حاكم خوارزم . وظل محمد أمين خان يهاجم نواحى مرو بقوانه المكونة من قبائل الاوزبك والتركمان .

عندما وصلت القوات المركزية الجديدة إلى خراسان التقى الجانبان فى مكان يدعى ( آق دربند ) فى مدينة سرخس ، حيث دارت بين محمد أمين خان والقوات المركزية حرب طاحنة قتل خلالها محمد أمين خان وأكثر من مائتين وسبعين قائدا من كبار اعيان مدينة خوارزم ، وفرت بقية القوات الخوارزمية .

لقد ادى اندحار وهزيمة محمد امين خان الى تثبيت النفوذ الايرانى فى نواحى جيجون من جديد . تلك النواحى التى كانت مثار جدل دائم بين روسيا وايران ، غير ان ايران لم تستطع الاحتفاظ بتلك النواحى طويلا . فقد قامت السفارة الروسية فى طهران بايهام ناصرالدين شاه بان الخطر كل الخطر يكمن بالنسبة لايران فى هرات، حيث الامراء الافغان المستبدون،والاستعمار البريطانى الذى يحاول تثبيت اقدامه فى تلك المناطق . وفعلا تحركت القوات الايرانية من سرخس واتجهت سنة ١٢٧٢ه الى نواحى هرات ليخلو الجو لروسيا التى استعانت بقواتها من الكازاق والروس البيض . . لاقرار نفوذها هناك ، مستغلة الفوضى والاضطراب والنفاق الذى ساد الامراء المحليين بعد هزيمة محمد أمين خان فى سرخس ، وهكذا استطاعت روسيا ان تسلخ تركستان الغربية وكل منطقة ما وراء النهر من ايران .

اشترك في نشرتنا البريدية