الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

إيران في عهد الدولة القاجارية

Share

بعض بنود معاهدة تركمان جاي

يستفاد من الفصل الاول من المعاهدة ان الطرفين قد توصلا الى اقرار سلم دائم بينهما

الفصل الثاني : حيث ان النزاع بين الدولتين العظيمتين قد انتهى فان الطرفين يعتبران نصوص معاهدة كلستان سنة ١٢٢٨ملغاة ، وبناء عليه فقد رأى حضرة صاحب الجلالة شاه ايران وصاحب الجلالة امبراطور روسيا ان توقع بين الطرفين معاهدة اخرى تحل محل المعاهدة الملغاة : كلستان على الشروط والمواد الآتية حبا فى توثيق عرى الصداقة وتوكيدا للروابط الاخوية التى ستسير عليها الحكومتان فى مقبل الايام

الفصل الثالث : يتعهد صاحب الجلالة شاهنشاه ايران بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن اخلافه وورثته فى الحكم بالتنازل للامبراطورية الروسية عن خانات بروان الواقعة على نهر ( ارس ) وكذلك خانات نخجوان . ويقر بان هذه الاراضى ملك مطلق للدولة الروسية وبناء عليه فسيقوم

خلال ستة اشهر من تاريخ توقيع بنود معاهدة التركمان جاي بتسليم الاوراق الثبوتية والاحصاءات المتعلقة بسكان تلك المناطق الى المسؤولين الروس هناك.

وقد اختص الفصل الرابع من معاهدة التركمان جاي بموضوع تخطيط الحدود الجديدة بين روسيا وايران (وهي الحدود الحالية بين الدولتين والقائمة الى اليوم فى منطقة اذربيجان الشرقية(

الفصل الخامس : تأكيدا لاواصر الود والصداقة فان صاحب الجلالة شاهنشاه ايران بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن خلفائه وورثته فى الحكم يقر اقرارا لا لبس فيه ويعترف بشرعية سلطة صاحب الجلالة امبراطور روسيا على المدن والجزائر الواقعة فى المخطط الجديد بين الدولتين ويعتبر مرتفعات جبال القوقاز وكذلك السكان البدو المقيمين فى تلك المناطق ملكا خاصا لروسيا.

وظفرت روسيا في فصول اخرى من تلك المعاهدة بحق امتياز وحرية الملاحة البحرية لسفنها التجارية والحربية فى بحر قزوين ، مقابل اعترافها بشرعية حكم ولى وبين ، مقابل اغراقها بتسرعية حجم العهد الامير عباس ميرزا عندما يخلف والده على عرش ايران.

وفي الاتفاقية الالحاقية لمعاهدة التركمان جاي اتخذت روسيا التدابير والطرق التى يجب على ايران بموجبها القيام بدفع التعويضات والخسائر الحربية لروسيا ، وحددت روسيا أجلا ينتهى فى الخامس عشر من اغسطس سنة ١٨٢٨ م إذا لم تدفع ايران ما عليها من ديون وغرامات تصبح كل الولايات الاذربيجانية جزءا من الاراضى الروسية ، أو تقوم روسيا بتشكيل دولة مستقلة في المنطقة.

الى جانب كل المكاسب التى حققتها روسيا من معاهدة التركمان جاي فقد سعت فى اذلال ايران جهدها فقد كان من بين الامور التى اقترحها الجانب الروسي في مفاوضات تركمان جاي قيام السلطات الايرانية باستقبال سفراء روسيا استقبال الملوك فعليها استقبال السفير الروسي منذ دخوله الحدود الايرانية استقبالا يليق بسفير امبراطور روسيا العظيم ، واذا وصل الى العاصمة فعلى الوزراء ان يسارعوا لاستقباله والترحيب به وان يظلوا في خدمته الى أن يقدم اوراق اعتماده ويعتمد سفيرا لدى البلاط القاجارى

وكان من بين المكاسب التى حققتها روسيا من وراء معاهدة التركمان جاي ان البضائع الروسية لم يكن يؤخذ منها اكثر من ٥ بالمئة تعريفة جمركية ، كما كان اثاث وممتلكات الرعايا الروس المقيمين فى ايران معفاة من الضرائب بالكلية ، اكثر من ذلك كان المستخدمون الايرانيون الذين كانوا يعملون فى خدمة الرعايا الروس يعفون من دفع الضرائب ويتمتعون بحماية الدولة الروسية.

غريبايدوف، سفير لروسيا في ايران:

بعد توقيع معاهدة التركمان جاي عينت روسيا غريبايدوف ابن اخت الجنرال باسكووتيش الحاكم العسكرى الروسي السابق لمنطقة القوقاز سفيرا لها لدى البلاط القاجارى . والسفير الروسي يعتبر احد كبار الكتاب الروس ، جاء غريبا يدوف الى طهران ليشرف على تنفيذ معاهدة التركمان جاي من ناحية وليعالج النزاع القائم بين بلاده وبين ايران حول الحدود

من ناحية اخرى ، وقد ذهب السفير الروسى كما سيأتي ضحية للسياسة الروسية المتعجرفة التى كانت تمارسها فى ايران.

في اوائل سنة ١٢٤٤ هـ - ١٨٢٨ م وصل غريبا يدوف الى تبريز وفي الخامس من رجب جاء الى طهران ترافقه حاشيته المكونة من مالزوف سكرتير السفارة الاول واودلنج السكرتير الثاني . وأحد  امراء كرجستان الذى لم تعرف مهمته بالتحديد ، وملحق عسكرى ، وأحد عشر جندياروسيا ، ومستخدم اوربي واحد وعدد من موظفي السفارة ، ومستخدمان احدهما ارمني والآخر كرجستاني

كانت اخلاق غريبايدوف تتميز بالشراسة والغطرسة ، ولم يكن على شىء من المرونة ، وقد كان لانحداره من أرومة ارستقراطية روسية اثره الواضح فى تكبره وتعاليه لذلك لم يكن يعير شكاوى الايرانيين المتوالية من تصرفات موظفى السفارة ادنى اهتمام وكانت عربدة الجنود الروس لا تعرف حدا ولا تحترم تقاليد الشعب الايرانى المسلم . وبعد فترة من مجيئه الى طهران بلغه أن امرأتين من الارمن تقيمان فى بيت احد اعيان طهران ويدعى( الله بارخان أصف الدولة) وقد اعتنتقتا الاسلام فساءه ذلك اشد الاستياء ، واستنادا على معاهدة التركمان جاي التى اعتبرت سكان مدينة يروان الارمنيين من الرعايا الروس فقد طلب غريبا يدوف تسليم المرأتين المسلمتين الى السفارة الروسية وقد حاول الساسة الايرانيون ان يثنوا السفير عن عزمه وحذروه من مغبة اثارة شعور الشعب الايرانى الدينى ولكن السفير اصر على

موقفه ولم يتراجع عن رأيه ، وتم تسليم المرأتين الى السفارة الروسية فى طهران.

كان (الله يارخان آصف الدولة) يحقد على الروس لذلك استغل ارغام المرأتين المسلمتين على الذهاب الى السفارة الروسية لاثارة الشعور الديني عند الشعب الايراني وقد ساعده علماء الدين باصدارهم الفتاوى وقولهم ان استخلاص المرأتين المسلمتين من يد السفارة الروسية المسيحية واجب شرعي لا يجب التساهل فيه.

علت احتجاجات الناس وتنادوا للاجتماع لتخليص المرأتين من السفارة الروسية وبلغ الامر اسماع السفير الروسى وطلب اليه علية القوم فى طهران ان لا يعرض نفسه واعضاء سفارته لغضب الجماهير الايرانية المسلمة الساخطة ، فطلب السفير الروسي مهلة يوم ليفكر فيه وفى اليوم الثاني عطلت الاسواق فى مدينة طهران وتوجهت الجموع الغاضبة صوب السفارة الروسية ، عندها أمر السفير الروسى باطلاق المرأتين وتسليمهما للسلطات الايرانية ، ووقعت مشادة بين الجماهير وبعض مستخدمي السفارة الروسية مما حمل حرس السفارة على اطلاق النار على الجماهير فقتل احد افراد الشعب الايرانى فحملت الجماهير القتيل الى المسجد للصلاة عليه ، وهناك تتابع الخطباء يدعون الناس للانتقام من موظفى السفارة الروسية والاخذ بثأر القتيل

كانت الجماهير الايرانية حاقدة على روسيا وسياستها الاستعمارية التى اذلت بلادهم وارغمت عاهلهم فتح على شاه القاجاري على توقيع معاهدة التركمان جاي

لذلك وجدت الجماهير في قتل احدافرادها فرصة للتنفيس عن حقدها المكبوت ، فتوجهت من المسجد الى السفارة للمرة الثانية واشتبكت مع الحرس الروسي وقتلت غريبا يدوف السفير الروسي ، وخمسية وثلاثين شخصا من اعضاء السفارة الروسية وعددا من الحراس الايرانيين المكلفين بحراسة السفارة الروسية من غضبة الشعب الايرانى . ولم يفلت من تلك المذبحة سوى السكرتير الاول للسفارة المدعو ما لزوف والذى شاهد مدى اهتمام سلطات الامن الايرانية للحيلولة بين الشعب وبين الاعتداء على موظفي السفارة والسكرتير الاول هذا الذي بعثه فتح على شاه القاجارى مع الوفد الايرانى الى روسيا للاعتذار عما حل بالسيد غريبايدوف فى طهران وليدلى برأيه في الموضوع كأحد شهود العيان فى الحادثة وليشرح في نفس الوقت للسلطات الروسية فى بلاده سوء تصرف غريبا يدوف ومعاملته القاسية للايرانيين وعدم مراعاته لشعورهم الديني في قضية المرأتين الارمنيتين اللتين اعتنقتا الاسلام.

قام فتح على شاه القاجارى بارسال هيئة رسمية الى البلاط الروسى للاعتذار عن الحادث وتقديم تعازيه للامبراطور وكان حفيده الامير خسروميرزا ابن عباس ميرزا على رأس هيئة التعزية وقد سافر فى معية الامير كل من امير اللواء محمد خان زنكنه من احفاد الشيخ على خان زنكنه احد كبار رجال الدولة الصفوية . والميرزا تقى خان الفراهانى وزير الحربية والذى أصبح فيما بعد مربيا لناصر الدين ميرزا عندما كان وليا للعهد ثم اصبح رئيس وزرائه

عندما آل اليه عرش ايران . وتوجهت البعثة الى روسيا عن طريق القوقاز سنة هـ ١٢٤٤

عندما وصلت البعثة الايرانية إلى روسيا وروت للامبراطور تفاصيل الحادثة وقدمت له عزاء وأسف العاهل الايرانى - بعث الامبراطور الروسي احد رجال حاشيته المقربين ويدعي الامير دالفوركي الى ايران للتحقيق فى الحادثة وقد استقبل الوفد الايرانى استقبالا حارا فى البلاط الروسي ورأت روسيا ان ما كسبته معاهدة التركمان جان من جهة وانشغالها فى الحرب مع العثمانيين فى البلقان من جهة ثانية يفرض عليها ان تعامل ايران فى كثير من الديبلوماسية لذلك اعتبر الامبراطور الحادثة قضية غير ذات خطورة ، لا سيما وقد استمع الى بيانات مالزوف السكرتير الاول للسفارة فى طهران عن تصرفات غريبايدوف ، وأمر الامبراطور بأن تتنازل روسيا عن بقية التعويضات الحربية المتبقية لها على ايران كما أجل دفع الاقساط التى كان القائد العام العسكرى الروسى فى القوقاز قد جدد آخر مهلة لها فى الخامس عشر من اغسطس سنة ١٨٢٨ م .

فى محرم سنة ١٢٤٥ هـ وصل الامير دالغوركى الى طهران وبعد عشرة ايام من وصوله تشرف بمقابلة العاهل الايرانى فتح على شاه القاجارى ، وطلب دالغوركي من العاهل الايرانى تعقب الجناة في حادثة السفارة الروسية وتسليمهم للعدالة . كما طلب من السلطات الايرانية ان تسارع برد الاموال التى نهبها الشعب الايرانى من السفارة الروسية . ولما كان احد علماء

طهران ويدعى (الميرزا مسيح ) المجتهد الاسترابادى أحد الذين اشتركوا فى تحريض الناس على مهاجمة السفارة الروسية فقد أبعدته السلطات الايرانية إلى الخارج وقد قبل فتح على شاه القاجارى طلب السفير الروسى فيما يتعلق بالحادثة والتحقيق عن مثيريها . وأمر سلطات الامن بالبحث عنهم وأخيرا القت سلطات الامن القبض على شخص يدعى (رضا قلى بيك) أحد زعماء المظاهرة والذى شوهد يوم الحادث يحمل سيفا يقطر دما فسيق الى ميدان (أرك ) حيث اعدم شنقا . كذلك أمر فتح على شاه الشيخ ميرزا مسيح المجتهد الاسترابادى بالسفر الى العتبات المقدسة فى العراق وأمر له بمبلغ من المال يستعين به . وتباطأ المجتهد الاسترابادى عن السفر عدة ايام اجتمع خلالها بتلاميذه ومريديه وأخبرهم ان سلطات الامن الايرانية مصرة على أن يغادر أرض الوطن . فاعتقد بعض تلاميذه ان فى الامر مكيدة تدبرها السلطات الايرانية حتى اذا ما غادر شيخهم ايران تتبعته السلطات الروسية والقت القبض عليه ثم قتلته انتقاما لسفيرها لذلك طلب منه مريدوه عدم مغادرة ايران . ولكن سلطات الامن نجحت فى اقناع الشيخ بمغادرة البلاد فحمل الشيخ زوجته وابنه وذهب لتوديع تلاميذه فى المسجد ثم غادر ايران.

ان الحروب الروسية الايرانية التى انتهت بارغام ايران على توقيع معاهدتي كلستان وتركمان جاي طبعت فترة الحكم القاجارى بطابع الذلة والمهانة والخنوع والخضوع للاستعمار الاجنبى فقد فقدت

ايران بموجب تلك المعاهدات غير العادلة ، اراضى خصبة وثروة بشرية لا تقدر فى منطقة القوقاز وكرجستان وارمنستان ، مما كان له اسوأ الاثر على الناحيتين الاقتصادية والسياسية فى ايران ، فقد سلبت ايران بعد توقيع معاهدة التركمان جاي كل الحدود الشمالية كما فرضت روسيا على ايران احكاما جائرة ، كان اكثرها حرجا لكرامة وسيادة ايران ، لما كان الرعايا الروس يتمتعون به من الاستقلال القضائى وبالتالى السياسى داخل الاراضى الايرانية.

ويجب ان نذكر هنا امرا لوجه الحق والتاريخ وهو ان اسباب وعلل هزائم واندحار ايران امام الروس فى حروب الشمال وفقدها لمنطقة القوقاز يرجع فى اغلبه الى اطماع السياسة الاستعمارية البريطانية اكثر مما يرجع الى ضعف ايران العسكرى والمالى ، فقد حرصت بريطانيا على أن تضحى بمصالح ايران إذا كان فى تلك التضحية حفظ لمصالحها ، وقد اتضح ان بريطانيا كانت تساند روسيا فى كثير من الاحيان لتحطيم ايران ، وكان لغفلة الشاه وتكالب رجال بلاطه وحاشيته وآل بيته على حطام الدنيا بصرف النظر عن مصدره اثر لا يمكن اغفاله من كل ما حل بايران خلال دراسة العلاقات الايرانية الروسية فى العهد القاجارى

وإذا اردنا ان ندرك مدى النفاق والخيانة اللذين كانت بريطانيا تمارسهما مع ايران وتأثير ذلك فى رجحان الكفة الروسية فما علينا الا ان نذكر مثلا واحدا وهو انه عندما سحقت القوات الروسية الجيوش الايرانية فى الشمال واخذت تتقدم داخل

الاراضى الايرانية مهددة العاصمة طهران ذاتها طلبت الحكومة الايرانية من بريطانيا ان تمد لها يد العون فى هذا الوقت العصيب الذى تواجهه فى صورة قرض مالى تدفعه ايران غرامة لروسيا الغالبة ، عند ذاك تعللت بريطانيا وتأخرت فى تقديم العون المالى وعندما رضيت اخيرا بدفع مبلغ مليونى ريال أجبرت ايران على أن تصرف النظر بل وأن تلغي المادة الخامسة من الاتفاقية الايرانية البريطانية التى تعهدت فيها بريطانيا بتقديم العون العسكرى لايران اذا ما تعرضت للغزو من دولة ثالثة ، وهكذا كانت بريطانيا تساوم حتى على كلمة الشرف التى اعطتها ايران ، بموجب معاهدة مكتوبة عندما رأت ايران فى هذا الموقف المحرج

بقيت نقطة أخيرة نود ان نختم بها هذا الفصل وهى ان روسيا كانت منذ أمد بعيد تسعى لبسط نفوذها فى شبه جزيرة البلقان التى كانت فى ذلك الوقت جزءا من الامبراطورية العثمانية ، وكانت روسيا كذلك تسعى دائما لاخضاع منطقة القوقاز

ليسهل عليها بالتالي السيطرة على آسيا الصغرى حيث المياه الدافئة التى كانت حلم روسيا الاكبر . ولكن لما كانت روسيا تواجه النفوذ الاوربى فى كل من البلقان وجزيرة كريمة وخاصة النفوذ البريطانى الذى كان يقف الى جانب الدولة العثمانية لحماية اوربا من التسلط الروسى فقد رأت روسيا ان تركز ضرباتها على شمال ايران ومن ثم يتسنى لها بسط نفوذها على أملاك الدولة العثمانية الجنوبية المتاخمة لايران . ولو ان الدولتين المسلمتين ايران وتركيا استطاعتا في تلك الظروف الحرجة أن تتناسيا خلافاتهما المذهبية وتصدتا متكاتفتين لأمكنهما دحر المطامع الاستعمارية الروسية والأوربية المتطلعة اليهما . ولما استطاعت روسيا ان تحقق ما حققته من الانتصارات فى كل من القوقاز والبلقان . ولكن الخلافات المذهبية بين ايران وتركيا كما سنفصل فى الفصول الآتية حالت بين تفاهمهما واتحادهما لرد العدوان المتربص بهما

اشترك في نشرتنا البريدية