اغتيال ناصر الدين شاه القاجارى سنة ١٣١٣ هـ
ظل ناصر الدين شاه القاجارى خمسين عاما يحكم ايران وفي سنة ١٣١٣ هـ بينما كان في مسجد الشاه عبد العظيم بمدينة الري حيث اعتاد الذهاب بين وقت وآخر ، وكان يرافقه رئيس وزرائه امين السلطان وعدد من رجال البلاط ، تقدم اليه احد الاشخاص وتظاهر بأن لديه شكوى يريد تقديمها ( للشاه الذى كان في أواخر عهده قد أذن للناس في الاتصال به شخصيا ورفع ظلامتهم اليه ) وعندما شرع ناصر الدين شاه في قراءة العريضة أطلق عليه القاتل ويسمى رضا الكرمانى النار فأرداه قتيلا ، وأسرع أمين السلطان رئيس الوزراء باخراج جثمان الشاه من المسجد من باب خلفى حيث وضعه في العربة الملكية ، وطلب من الحاشية أن لا تذيع خبر اغتيال الشاه حتى تتخذ الترتيبات اللازمة للمحافظة على الامن ، والقى القبض على رضا الكرمانى واودع السجن ثم أعدم فيما بعد .
كان ناصر الدين شاه حاكما كثير الاستبداد ، متدينا ومحافظا على اداء الشعائر الدينية ، كما كان مولعا بادخال وسائل الحياة الاوربية الى المجتمع الايرانى وكان يرى نفسه خليفة للمسلمين وللشيعة منهم على الخصوص ، لذلك كان المؤرخون يطلقون على طهران العاصمة دار الخلافة ، ورغم ما قام به خلال حكمه الطويل لايران من اصدار المراسم لوزرائه ومنحهم كافة الحرية في اجراء ما يرونه كفيلا بتقدم البلاد ، فان أحدا من الوزراء لم يكن يجرؤ على عمل شئ دون الرجوع اليه وأخذ موافقته . وكان الناس ينظرون اليه نظرة فيها الكثير من التقديس لشخصه ، ويعتبرونه ظل الله في الأرض ، وأكبر قوة تنفيذية وتشريعية في البلاد وكانوا يرون طاعته من طاعة الله .
وقد أدرك ناصر الدين شاه أن جميع أفراد حاشيته لا شخصية لهم وان شخصياتهم تكاد تذوب فيه . ولعل في ايراد هذه القصة التى رواها السير يرسى سايكس فى كتابه ( تاريخ ايران ) أكبر دليل على صدق نظرة الشاه الى حاشيته . يقول سايكس :
" عندما قام ناصر الدين شاه القاجارى بالسفر الى طاق كسرى ( ١ ) الذى كان يسمى بالمدائن عاصمة الساسانيين التى سقطت في يد المسلمين ابان عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، وبينما كان ناصر الدين شاه يسير وسط اطلال تلك المدينة التاريخية أراد أن يمتحن وزراءه ، ويرى رأيهم فيه فسألهم : اينا أعدل أنا أم الامبراطور انوشيروان الساسانى ؟ ونزل السؤال على الحاشية نزول الصاعقة وارتبكوا كيف يجيبون الشاه . فهم يعلمون انهم اذا قالوا له انه اعدل من الشاه انوشيروان المشهور بالعدالة فسيكتشف مدى نفاقهم وتملكهم له ، واذا قالوا ان انوشيروان أعدل من ناصر الدين شاه فسيكون جوابا بعيدا عن الأدب واللياقة .
الى ان أخرجهم من صمتهم وارتباكهم قائلا : سأتولى انا الاجابة على ذلك السؤال : أنا أعدل من أنوشيروان . فقالت الحاشية في صوت واحد : نعم نعم مولاى أنت أعدل حاكم عرفه التاريخ ، ولا شك في ذلك ،
فقاطعهم الشاه قائلا : يا للحماقة لم تنتظروا الي أن أكمل حديثي ، ووافقتم جميعا على قضية لم يكمل طرفاها . انتظروا حتى أوضح لكم الدليل على اني أعدل من أنوشيروان : لقد كان لانوشيروان وزير يقال بزرك مهر كان كلما انحرف سيده عن جادة الحق أعاده اليها بلباقة . أما أنا فأنتم أولاء وزرائى لسوء الحظ . فبالاضافة الى أنكم لا تجرؤون على اعادتى لجادة الحق فانكم كثيرا ما تنحرفون بي الى مراتع السوء . لذلك فأنا أعدل من انوشيروان .
وهناك نص تاريخى آخر يعطينا فكرة واضحة وصادقة عن نظرة كبار موظفى الدولة
الى ناصر الدين شاه . وكيف كانوا يرفعونه الى درجة التقديس ، وانه يكفى أن يضمر المرء للمليك شرا ، أو يريد به سوءا حتى يرسل الله عليه الصواعق ويصيبه بصنوف وألوان من الاذى جزاء ما حاك في صدره من نية سيئة . . ورد ذلك النص التاريخي في الكتاب الذي وجهه الميرزا آقا خان نوري رئيس وزراء ايران الى محمد تقى خان الفراهانى الامير الكبير ، عندما ظن آقا خان نورى ان الامير كان يرمى من وراء الاصلاحات التى قام بها في ايران استعراض عضلاته أمام ناصر الدين شاه ، غير محترز لما قد يصيبه من السوء من جراء عمله ذلك . . يقول الميرزا آقاخان :
" كل من لم يتحل فى حضرة المليك بالخشوع والخضوع ، فان نجم اقباله لا شك أقل . الا ترى اني أطيع الشاه طاعتى لله وأنفذ أوامره تنفيذي لشرائع الله ؟ ألم تعلم أن أكبر ذنب يمكن أن يقترفه العبد فى ذات المعبود هو التكبر والعجب والغرور ؟ ان الشاه ظل الله في الارض . لا تعود نفسك الاعجاب بها فسوف توردك موارد الردى يوما "
فاذا قارنا ما جاء في كتاب السير يرسى سايكس وما جاء في خطاب الميرزا آقا خان نورى تبين لنا الى أى حد بلغ الحال بالحاشية من خوفهم من ناصر الدين شاه .
وأظن أن ناصر الدين شاه لم يكن حقودا ، أسود القلب كما كان يحلو للبعض تصويره للناس فما كاد يستحوذ على كل صغيرة وكبيرة في الدولة بعد مقتل الامير الكبير حتى أحس بمدى فداحة الخطب الذى أصيبت به البلاد بعد فقد الامير فقد فقد بموت الامير رجلا اداريا فذا قديرا كان يكفيه مؤونة كل تلك المشاكل . كما أدرك ان الميرزا آقا خان
نورى اذا قيس بالامير فهو ليس أكثر من مهرج فرضته السفارة البريطانية عليه فرضا . ومحتمل ان يكون ناصر الدين شاه قد أدرك مدى اخلاص مدرسة الكبير للوطن . لذلك عزل الميرزا آقاخان نورى العميل البريطاني عن كرسي الصدارة ليحل محله رجالا عرفوا بالسمعة الحسنة والغيرة الشديدة على مصالح الوطن أمثال الحاج ميرزا حسين خان مشير الدولة . ومستوفي الممالك ، وأمين الدولة واضرابهم من عشاق مبادئ الامير الكبير وحملة رسالته الاصلاحية .
هناك نقطة كبيرة وهامة وان كنا قد أثقلنا على القراء لكثرة الحديث عنها خلال الفصل التاسع الا انها جديرة بأن تكون مسك الختام . ذلك ان ناصر الدين شاه القاجاري يوم أمر بقتل رئيس وزرائه الامير المخلص الجرئ الميرزا محمد تقى خان الفراهانى الملقب بالامير الكبير كان بفعلته تلك قد أزال السدود المعنوية التى أقامها ذلك الوزير أمام الاطماع الروسية والبريطانية ، فلم يكن الامير ولا بعده شخص في دست الحكم في ايران يجرؤ على رفض مطالب الدولتين ايا كانت . أما الامير فقد رفض مطالبهما في أكثر من موقف ، فقد رفض أن يكون لخدم السفارتين من الرعايا الايرانيين اية ارتباطات بالسفارة ، وخاصة من حيث
الحماية القانونية المفروضة عليهم كما هو الشأن قبل الامير ورفض الرضوخ لضغوط الدولتين بشأن تدريب القوات الايرانية ، وتعاقد مع خبراء نمساويين . ورفض ورفض ورفض ورفض ، وجاء الى سدة الحكم رؤساء للوزارات لم يكونوا أكثر من الخدم والاجراء على أبواب سفارتى روسيا وبريطانيا ، فقد عجز ناصر الدين شاه بعد فعلته تلك عن ايجاد شخص يستطيع ملء الفراغ الذى خلفه الامير ، فقد كان الجميع اما عملاء لبريطانيا أو موالين لروسيا وبذلك اصبحت مصالح ايران الحيوية في أيد غير أمينة ، تسيرها الرياح السياسية القادمة تارة من الشمال واخرى من الجنوب ، بل تجرأت الدول الاوربية الاخرى في القرن التاسع عشر بالمسارعة الى دخول حلبة السياسة الايرانية ، وبدأت تطالب بنصيبها من الامتيازات .
أما حياة ناصر الدين شاه الخاصة بين أهل بيته وجواريه وغلمانه فقد كانت كالعادة في حياة القصور مثار تخمينات كثيرة ، ودارت حولها ونسجت عليها أقاصيص دونها ألف ليلة وليلة فيها الصحيح المقبول والطبيعى حدوثه من ذلك الرجل وفيها أيضا الكثير مما نسجته وبهرجته وزوقته خيالات رجال الحاشية والخدم والخصيان وقصاص الطرق والمقاهى ليملأوا بها فراغ الشعب الايرانى ويصرفوه عن واقعه الأليم الأسود .

