وقفة بين تجليات إيروس وتحولات تاناتوس من خلال رواية « عائشه » للبشير بن سلامه
أدرك الشاعر نوفاليس منذ القرن الثامن عشر ، أنه : « من دون فلسفة ، يبقى الشاعر غير مكتمل ... ومن دون فلسفة ، يظل المفكر والناقد كذلك ، غير مكتملين » .
يؤكد هذا القول ضرورة مرجع معرفى معمق ، يصدر عنه الفنان المبدع ، ويستلهمه ، ويفيد منه ...
وأحرى بهذه الرؤية أن تنسحب عل المبدع العربى عامة ، وعلى الكاتب الروائى بصورة أخص ...
ولو أجلنا النظر فى اهتمامات الكاتب التونسى : البشير بن سلامه ، لعثرنا - إضافة الى المآثر العملية الظاهرة البروز - على تفريدات عزيرة وناضجة وتحويلية ...
فالمنحى « البنسلامي » الثقافى ، يقول بالتكامل والشمول فى المعرفة ، وبنصاع لمبدأ الاندياح العلمى المتوسع والمهذب والفذ ...
إن القضايا التى ساح فيها البشير بن سلامه ، وتوغل طي أحراشها متنوعة ، وجديرة بوهلة للتدبر والتقويم ... لقد استبحث الكاتب عبر مقالاته وكتبه قضايا فى الادب والشعر واللغة العربية ومشاكلها ، والطباعة وطرق تحويرها وتغييرها ، والتاريخ التونسى ... وتاريخ شمال افريقيا ، ضمن رحمة رفقة الاستاذ محمد مزالى ... وتنظيرات عامة فى الفن والثقافة ، واهتمامات إبداعية خالصة فى القصة واللوحة ...
يضاف الى كل ذلك تجربة غنية فى الحياة العملية اليومية ، والقراءات التراثية الواسعة ، والاستطلاعات الفكرية فى المستحدث والمتطور ، والمشاركات الحية فى صراعات النقد ، ومماحكات الفكر وتحولاته ...
كما عرف الكاتب بحواره الممتع اللطيف ، وتواضعه الكبير ، واهتمامه المتزايد بآراء الآخرين وإن خالفوه فى الرؤى والمناهج ...
كل هذا المخزون المعرفى العميق ، يجعلنا نقف فى حضرة أديب تونسى جاد يكتب الرواية لاول مرة ، ليقول كل شىء - هنا والآن - فى آن معا . فما قيمة مأثرة « عائشه » ؟ على ماذا يقوم بناؤها المعمارى ؟ ما هى ابرز الاشكاليات النفسية المصيرية التى ترهص بها ؟ وهل أضافت هذه الرواية جديدا الى سلسلة القصص العربى اليوم ؟ تلك هى بعض الهواجس المتسائلة قبل / أثناء / بعد التوغل فى الفلك الروائى عند البشير بن سلامه من خلال مأثرة : « عائشه » .
يعدنا المدخل الذى قدم به المؤلف لروايته ، برباعية تحمل عنوان : « العابرون » ، وبهذه المثابة ، تكون رواية : عائشه « إفتتاحية » السمفونية حسب المصطلح الموسيقى ... وهى : المرحلة الاولى من الرباعية ... ويهجس المدخل بأن الرواية الثانية ستكون بعنوان : « علي » ، والثالثة بعنوان : « عادل » ، والرابعة بعنوان : « الناصر » ...
وهنا ، لا يفوتنا أن نسجل احترازا حول العنوان الذى اختاره المؤلف لروايته الأولى ...
إنه أحرى بهذا الجزء - فى تقديرنا - أن يحمل عنوان : « الطاهر » عوضا عن « عائشه » ... لأن الطاهر هو البطل الرئيسى ، وهو الذى سلط عليه المؤلف أضواءه أكثر من غيره ؛ فلولا الطاهر ، لما كانت « عائشه » ، ولما كانت - بالتابع - الرواية أصلا ...
ولا شك أن اختيار المؤلف للشكل الرباعى ، يذكرنا برباعية لورنس داريل الشهيرة ، وبروائيين غربيين أو من الوطن العربى ، تقصوا ذلك المنحى الرباعى فأصبح شائعا ... لكنه مع ذلك صعب ممتنع ، ومن باب لزوم ما لا يلزم .
ولم يكتف « بن سلامه » بالتزام المنحى الرباعى لمطولته «العابرون» بل إن « عائشه » نفسها ، ذات معمار رباعى يحمل القسم الاول عنوان : ( باب العرش ) ، ويحمل القسم الثانى عنوان : ( باب الخضرة ) ، والقسم الثالث : ( باب السطح ) ، والرابع : ( باب الجنان ) .
كما ينسحب التركيب الرباعى ، حتى على عدد الصفحات ، فكل باب من أبواب الرباعية الاولى يحتوى على ما يقارب الاربعين صفحة - والشكل الرباعى لهذا العدد واضح لا يحتاج الى بيان ...
ونستشف البناء الرباعى كذلك عبر تحولات « الطاهر » خلال أربع أمكنة هى : (1) الريف (2) بيت الفريك (3) « علو » قرب حي نهج الباشا (4) دار المصيف ( أثناء زياراته لـ « عائشه » ) كما أن رواية « عائشه » تستقطب أربع شخصيات هامة هى : الطاهر - و « عائشه » - والفريك مصطفى - وعادل ... وجميع هذه الشخصيات وغيرها تتقلب فى رباعيه من الاحوال المختلفة هى :
(1) الحياة والموت (2) السفر والاقامة (3) الشقاء والسعادة (4) اللذة والألم
ولعل أبرز هذه الاحوال وأكثرها فاعلية هى حال الحياة والموت ، إنها الصراع الدموي الدائم بين إيروس وتاناتوس . طبعا ، تاناتوس هو ابن ( نيكس Nyx ) ( إلاهة الليل ) وأخ ( إيبنوس ) ( إلاه النعاس ) - ويجسد ثاناتوس الفناء ؛ لأنه إلاه الموت - .
والملاحظ ، أن الرواية تبدأ بالموت ، وتنتهى بالموت ... فأول نبا سمعه علي ، هو وفاة « عائشه » ... ثم يستحضر علي - فى شبه إضاءة للماضى ( فلاش باك ) - تفاصيل القصة ... وفى خاتمة الرواية ، يعود علي الى الزمن الحاضر ، فيجد نفسه فى حضرة جنازة « عائشه » رفيقة صباه ...
وهكذا نلحظ أن نقطة البدء ، هى ذاتها نقطة المنتهى ، إذ تنغلق الرواية على الموت فى شكل دائري محكم - فهل يعني ذلك أن الموت هو سيد العالم ، وأن الانسان مقهور ، وهش ، وسريع العطب ؟.. وإن لم يكن ذلك كذلك ، فلماذا يسمي البشير بن سلامه رباعيته الكبرى : « العابرون » .. ؟؟ ...
ومن هنا ، يجد تاناتوس فى رواية « عائشه » فضاء شاسعا فيفعل فيه فعله ، ويقوم بدوره التدميرى المكابر والعنيد والقاهر ... لم تمت « عائشه » ميتة « عادية » ، فقد كان موتها تراجيديا باستغراق المعنى .
ولعل تراجيديا الاثر تستتبع تراجيديا نهاية « عائشه » ... فكأن « عائشه » تنتظر نهايتها المحتومة ... فهى تحمل جرثومة المأساة منذ البدء - إنها تحمل موتها وترحل ... - فقد « مات » شرفها ، وتهتك عرضها بسبب مغامراتها الاولى مع سالم بعد أن أوقعها فى حبائله ... أهى سخرية القدر ؟.. قد يكون ذلك ، لكن الأكيد هو أن إلاه القدر ( موروس : Moros ) لا يعدو أن يكون « أخا » لالاه الموت : ( تاناتوس ) ...
- ثم « مات » شبابها ، وغاض عودها ، وشحبت روحها ، عندما زوجوها بالمكنز ، هو شيخ فى السبعين ... وشيخوخة المكنز تذكرنا بأخ آخر لتاناتوس ، عنينا : ( جيراس Géras ) ( إلاه الشيخوخة ) .
- ثم « ماتت » رئتها ، حين أصيبت بمرض السل الذى فتك بآخر زهرات فتنتها ...
- ثم « ماتت » ذاكرتها ، واختل عقلها ، عندما أصيبت بالهوس والجنون. تلك هى « ميتات » « عائشه » الكثيرة المتكررة ... وتلك هى درجات موتها التراجيدى المتنوع ... إنها مراحل الموت الكبير ، العميق ، النهائى ...
فقد تضافرت كل تلك الشروط على ختم « عائشه » صديقة علي ، ورفيقة صباه ...
وليس ذلك فحسب ، فقد تطاوحت كثافة الموت ، حتى طمست فراشة أخرى ، هى الطفلة الصغيرة ، إبنة أخت « عائشه » ... و كان ذلك فى نفس اليوم ...
وهكذا ، يتحول الموت الى إشكاليه ، الى فاعلية أولى ، فينفجر كالصاعقه مند البدء ، وينتشر عبر نسيج الرواية مثل عنكبوت من نار ...
لكن لا يفوتنا أن نلاحظ أن إلاه الموت ( تاناتوس ) ، هو عينه ( عائشه ) ... فهى آسرة الموت وأسيرة النهايات ، إنها تتقبل موتها لحظة لحظة ، وتواصله شيئا فشيئا ، فيما توزعه قطرة قطرة على كل من دار فى فلكها ...
إنها - من هذا المنظور - حجر فيلسوف جديد ، ذو فاعلية كيمياوية ترهص بالتغيير والهدم والفناء - وهى ميدوزا معاصرة Méduse ، يتحول كل من رآها الى ... حجر ...
إن سالما هو أول ضحاياها ، فهو أول من تلمس جسدها ، فحلت عليه لعنة الهدم والموت ، فتقبل ذلك كالقدر ... وصار يواصل موته شيئا فشيئا ... ويحمل موته ، ويرحل .
وفعلا ، فقد رمى به خالد الى الحرب الهند الصينية ( والحرب موت جماعى )، فلقي مصرعه ... ولم يعد ...
وتزوج خالد إلاهة الموت ( عائشه ) ، فاكتشف أولا أن شرفه قد ديس أو لطخ أو « مات » ، وصعقته المفاجأة - الصدمة ... وسرعان ما أصيب بشلل فى نصفه الايمن - إنه - لا محالة موت جزئى - ولكنه « موت » على أية حال ... ووقوف على حافة النهايات ...
كما أن تراجيديا الموت ، قد امتدت كذلك الى الازهر ، ذلك الشاب الريفى الذى ارتبط مع « عائشه » فى علاقة غرامية سرية ، فحلت عليه لعنه الموت ، وكانت رفيقة به هذه المرة شفيقة عليه ، فقد لمحته « عائشه » يتدلى من فم الجمل ... وكان أن بترت يده ... وهو ضرب من « الموت » كذلك ...
ولئن ساد هاجس الموت الصاعق ، الفلك الروائى لدى البشير بن سلامه ، من خلال « عائشه » ، فان ذلك العنصر الهادم والمخرب ، يمتزج أحيانا بوهلة انتعاش أولى من أقنوم آخر ، هى وهلة التعشق ، أو رهبة الشبق ، أو منحى الغوايات ...
لكن ، كيف التوفيق - فى آن معا - بين إلاه الخراب ، وإلاه الحياة ، بين فاعلية الهتك والفتك ( تاناتوس ) ، وفاعلية الحب والخصب ( إيروس ) ؟
فى آنة متأوجة ، يوحد البشير بن سلامه ، بين القطبين المتنافرين ، ليفضى ذلك الى جدلية المتناقضات الخلاقة فنيا / إبداعيا ، والشائعة منذ الدهور الهللينية ... نلحظ ذاك التقابل ، فى موقف « عائشه » نفسها تجاه زوجها وعشيقها ، فى نظرتها المخصوصة لزوجها الشيخ المكنز من جهة ، ولعشيقها الأزهر من جهة ثانية ... ففى مرحلة ما من الرواية تظل شخصية المكنز إحالة الى الموت المكثف كما سلف البيان ، أما الشخصية المقابلة ( الأزهر ) ، فتحيل الى مبدإ اللذة والشبق والحياة ...
ونلحظ بأكثر وضوح ثنائية : الشبق / الموت ، من خلال ما قصته زينب لـ « عائشه » عن « الوجء » : « تذكرت ما قصته عليها صديقتها زينب بعد زواجها ، لقد شعرت نفس الشعور ، وأصابها خوف كبير من هذا الوجء الذى يتعمده الرجل ليسيل دم الفتاة ، فكأنه قربان يقدم على معبد فحولة الرجل » ( ص 156 ) .
تلك هى إذن ، مقابلة : الوجء / القربان ، أو الوجأة / الوأد ، كما ورد ذلك فى موطن آخر من الرواية ( 161 ) ... إنها مقابلة : الشبق / الموت ، باطلاق العبارة .
إن هذا الصدام بين السالب والموجب ، مقصود قطعا من المؤلف . إنه ينطوي فى جوهره ، على وهلة التكثيف الفجائى الاكبر ، لدى الشخصية الاشكالية الاولى فى الرواية ، ونعنى بها : « عائشه » .
هكذا ، يتبدى لنا الهاجس الايروسى فى أوج سيطرته واحتفاله . ولعله من المفيد التذكير ، بأن إيروس ( إلاه الحب والخصب والحياة ) قد كان شهد ( زواج ) الارض والسماء ، أو ارتباط أورانوس Ouranos ( السماء ) بڤايا : Gaia : ( الأرض ) ، منذ الدهور السديمية الاولى ... وهذا يتيح لنا أن نميز بين إيروس - الارض وإيروس - السماء ، أو بتعبير آخر أن نتلمس الفرق بين إيروس - الشبق (الفاسد - المتعفن - الملعون) ، وإيروس - الحب (الطاهر - الافلاطونى - العذرى) .
ولعل أنصع شخصية للتدليل على المنحى الجنسى الشبقى فى الرواية هو : عادل . إنه يمثل بحق ، تعفن المدينة ، وتدرنها ، ويكشف عن الثنائية الضدية : الطبيعة / الزيف ، فى قصر الفريك مصطفى ...
فقصر الفريك - ظاهريا - حق وجمال وخير ، بدليل أن الفريك مصطفى لا يكاد يسمع بشىء مما يدور فى « كهف » القصر ... لكنه - باطنيا - عكس ذلك تماما -فلم تبق أنثى فى القصر لم يباشرها عادل فى غرفته الجحيمية بنحو من الانحاء ... وإن عزت عليه تلك الغزالة النافرة : زبيدة ... « ولكن زبيدة المرتبطة بسيدتها زوجة الفريك والذكية ، لم تقع فى احبولته مثل غيرها ، وشكته الى سيدها ، ونبهت أمه عليه تنبيها صارما ( ....... ) ولا يتصور (عادل) المرأة الا متاعا يشفى غلته الجنسية منه، ثم يتلاشى كل شىء - الحب عنده إشباع للحواس ، وغرق فى اللذة ولا فناء » ( ص 77 - 78 ) لكن الغزالة تقع فريسة للثور الوحشى ، بعد زواجها من الطاهر وكانت نتيجة هذه العلاقة أن « وضعت زبيدة طفلا كأنه القمر مدور الوجه ... ( ..... ) ... وسماه عادل الناصر ، ولم يمانع الطاهر لكنه تيقن فى قرارة نفسه أنه ليس ابنه » ( ص 106 ) .
كما ينسحب المنحى الشبقى على الطاهر نفسه فى مرحلة ما من إقامته بقصر الفريك . ولم يكف الطاهر عن ذلك حتى نهاية الرواية ... ويدعم هذا المسار الايروسى / الجنسى أيضا : سالم فى علاقته بـ « عائشه » قبل أن يبنى بها خالد ...
ويتخذ الحضور الشبقى صورة « الاستمناء اللغوى » أو الاستحضار الجنسى - التخييلى الجماعى عبر ما يسميه الكاتب بـ « مجلس العجائز » ... ذلك المجلس الأثير المنعزل الذى تحضره أم الطاهر ، وأخت زبيدة (خالتى) ، ودوجة ، وأمك عزيزة والأم حفصية ، وابنتها سكيلة ...
ويتطور هذا المسلك الايروسى المخصوص ، ويتكيف ، فيأخذ أشكالا أخرى تومىء للمجال الشبقى دون أن تلجه ، عنينا بذلك : الاحوال الكيفية - الطقوسية التى يتوغل فيها الطاهر أو عمه « أبيك صالح » فى الاماسى والليالى عبر استنشاق حشيش « التكرورى » استلهاما لسرية الاقبية - الكهوف ، واقتحاما للعوالم السفلية المدنسة ...
ذاك هو - إجمالا - إيروس / الارض ، إيروس / الشبق ، كما يتبدى فى مأثرة : « عائشه » للبشير بن سلامه ... فما هى إذن ملامح إيروس / السماء ، إيروس / الحب ، حسب التصور العام للرواية ؟ يبدو أن لشخصية علي الثانوية ، قيمة بارزة فى هذا المجال - إنها شخصية حاضرة - غائبة ، لانها - كما أسلفنا المقال - تستعيد عبر الذاكرة شريط حياة « عائشه » « مرحلة مرحلة » - وقد أتى علي خلال مرحلة القص على كل صغيرة وكبيرة ، حفت بحياة « عائشه » ، بدءا من طفولة أبيها ، حتى موتها هى ... ويمكن للقارىء أن يتحسس أسلوب الكلام والنظام الحكائى الذى توخاه علي ؛ مما يدل - قطعا - على أنه مصاب - حسب التعاليم الفرودية - بفكرة مسيطرة ثابتة idée Fixe وصبوة وموجدة مترسبتان فى منطوياته الباطنية ، أفضتا إلى مقام / حالة : التبلر : Cristallisation ، التى تبلغ حد رؤية العالم / الكون ، وتفسيره أو تغييره ، من خلاله « عائشه » ... هكذا نفهم أن عليا مهووس بـ « عائشه » .
فهو يتحدث عنها بحب - وهو العاشق الكبير الذى سجل فى ذاكرته ، بحروف نورانية سيرة حياة المعشوقة و / أو مرئية « عائشه » . وبذلك ، يتسامى علي بهذا التعالق الروحى الى مقامات أثيرية زاخرة بالحلم والتفريد ، بحيث تتحول « عائشه » الى « عائشات » ... ويتماهى الواحد فى الكل ، والكل فى الواحد ، فلا نفرق بيننا ، وبين « عائشه » ، وعلي ، والملكوت ... إنه - بمعنى ما - التصور الصوفى العميق كما يوحى به الفضاء الروائى عند البشير بن سلامه ، من خلال مأثرة : « عائشه » ...
والحق ، أن معانى الألفة والآلاف ، تكون احدى هياكل رواية « عائشه » ... ونلحظ ذلك كذلك ، من خلال الرباط المقدس الذى آلف بين قلبى الطاهر وزبيدة ... لقد أصابت سهام كيوبيد قلب الطاهر منذ اللقاء الاول ... وقد كان دائم التفكير فيها ، وطيفها الجميل لا يفارق مخيلته ... « هو تفكير فيه رقة تشبه رقة قوام تلك الفتاة ، ورقة نظرتها ، ورقة ملامحها ورقة نبراتها ، ورقة اسمها : « زبيدة » فيه نعومة كنعومة الاسم المشتق من اسمها ... هو شرود فيه إحساس بالرقة أعانه عليه الصمت الجاثم حوله » ( ص 59 ) .
وهكذا ، يتواتر المصدر : « الرقة » ، سبع مرات فى ثلاثة أسطر ، مما يدل على أن زبيدة عند الطاهر ، هى : مصدر اللطف - إنها ينبوع الرقة الذى لا ينضب ... يؤكد ذلك أيضا : « النعومة » ، الذى تكرر مرتين فى النص ... وضمير الغائبة المتصل ( الهاء الممدودة ) وهى حرف مهموس مشحون بالرفق والحنين ، وقد تواتر كذلك سبع مرات ... ومن هنا ، نفهم سر ذلك « الشرود » الصامت الذى يتوه فى ضبابه الطاهر العاشق . انطلاقا من تحريرية « عائشه » نخلص الى النتائج التالية :
لقد التزم المؤلف قوانين فنية وجمالية صارمة هيكلة ومعمارية وطرائق تعبير ، تمكن من خلالها أن يصور العلائق الاجتماعية فى مختلف توتراتها وتحولاتها ، بين آنات الموت ، وتفريدات الحب والحياة التى تسامت فى بعض توهجاتها حد التواشج الحميم بين الرماد والورد ، بين إيروس وتاناتوس ،،، مما أكد انسانية « عائشه » كعمل فني متميز - من ناحية - وكمنحى إبداعى فذ ، حققه المؤلف ويمكن أن نعتبره - بحق - اضافة كيفية مؤكدة - من ناحية ثانية ..؟
ولم أقرأ شخصيا كاتبا - عربيا أو غربيا - عمق الموت فى أبطاله وكثفه وضخمه ، بمثل هذه الشراسة المفترسة التى صاغه بها البشير بن سلامه ، فى رواية « عائشه » ...
وهكذا ، تعدنا هذه الرواية بالكثير ، بما هى فلك / فضاء ، تغمره فلذات الحركة المتطورة ، والجدل المتنافى ، والحس التراثى الريفى والمدينى ، وتجليات العادى ، والتقليدى ، والفلكلورى ، والتصوير الواقعى الصادق ، والكلم الواضح النقي ، وأسلوب « اللغة - الحديث » كما يعبر المؤلف نفسه ، فى مجالات أخرى ... تلك كانت - كما قدمنا - إضافات رواية « عائشه » للبشير بن سلامه ، فيما تكون ترى التوجهات المقبلة للكاتب من خلال اجزاء رباعيته : « العابرون » ككل ؟؟... وما عسى تكون وهلة التفريد ، فى نصوصه الابداعية المنتظرة ... نعني : « اللوحات » .؟؟ ...

