((صفحات من كتاب ((الكميات اللفظية والكميات الايقاعية فى الشعر العربى)) لمحمد العياشى)).
ذلك تحليل بسطت فيه قضية ((الاهتضام)) فى إيقاع الشعر العربى؛ فاجتهدت فى بيانها - ما استطعت - معتمدا فى ذلك على تجربتى الحسية ووسائلى الذهنية بما أعتقد أن فيه كافيا من الشبهة وشافيا من الحيرة. لكن تجربة أخرى طالما نازعتنى نفسى لاجرائها وهى تجسيم الحركة الايقاعية للبصر بواسطة السوناغراف. فتوفقت الى ذلك فى مطلع هذه السنه 1978 فأجريت عدة تحارب سوناغرافية فى مخبر جامعة جوسيا لعلوم الصوت بباريس. فدرست عدة قضايا منها مسألة الاهتضام ومختلف الكميات الايقاعية فى الشعر العربى.
وفي ما يلى تمثيل سوناغرافى لبيت شعرى يبرز ما له من الخصائص الحركية والكميات الزمنية.
ولا القلب ناس لما قد مضى ولا تارك أبدا غيه
وهو من الخبب المتقارب الذى عالجناه بالتقطيع على خلاف ما عالجه به الخليل وكل الناس بعده طيلة اثني عشر قرنا.
التمثيل السوناغرافى للبيت
ونقتصر فيه على ملاحظة المناطق (أ) (ج) (د) (ه) التى تمثل مختلف الكميات التى يهمنا شأنها فى هذه المرحلة. وهى كميات المقصور والممدود والهاضم والمهضوم وحتى المقطع الممدود بتسهيل الجمع. وننبه منذ البداية الى ان جميع المناطق المذكورة متساوية بعضها مع بعض فى القيمه الزمنيه لان الخبب المتقارب ايقاع ثنائى يتألف من أربع وحدات زمنية فى حركتين خفيفة وثقيلة. فتشتمل كل دورة منه على منطقتين الاولى خفيفة وتستغرق وحدتين. والثانية ثقيلة وتستغرق وحدتين.
1) المنطقة (ج)
فاما (ج) ففيها تجسيم للمقصورين من (أب) من (أبدا) ويستغرق كل واحد منهما وحدة زمنية واحدة لا أكثر ولا أقل فيقتسمان المدة المخصصة لمنطقة الخفة بالسوية ونسميها (تك تك).
2) المنطقتان (ب) و (د)
وأما (ب) و (د) ففيهما تجسيم للممدودين (كن) من (تاركن) و (دن) من (أيدن) فهما متساويان يستغرق كل واحد منهما وحدتين واقعتين فى منطقة الثقل من الايقاع ونسميه (دم).
3) المنطقة (أ)
وأما (أ) ففيها تجسيم للهاضم والمهضوم (تار) من (تاركن) وتستغرق وحدتين واقعتين فى منطقة الخفة ويتجلى فيهما بوضوح امتداد الاول على حساب الثانى بمفعول الاهتضام. فيستغرق الهاضم وحدة زمنية ونصفا يستغرق الثانى نصف وحدة. والجملة وحدتان. وهو ما يضمن سلامة الكميات الايقاعية. ونسميها (تا ك تـــــ).
4) المنطقة (ه)
وأما (ه) فتحسم منطقة خفة تحول فيها المقصوران ممدودا إثر عملية تسهيل بالجمع. ويعمرها المقطع (غيـ) من (غيه) ويستغرق مدة المقصورين المتحولين وهى وحدتان زمنيتان. وننبه الى أن المقطع الممدود المعني خفيف - خلافا لما يكون عليه الممدود عادة - وذلك لوقوعه فى منطقة الخفة. ونسميه (تاك).
وهكذا يكون تصنيف المقاطع اللفظية الناطقة فى البيت المعني كالآتي:
أ - المقصور وهو خفيف يستغرق وحدة زمنية ب - الممدود وهو ثقيل يستغرق وحدتين ج - الهاضم وهو خفيف يستغرق وحدة ونصفا د - المهضوم وهو خفيف يستغرق نصف وحدة ه - الممدود بتسهيل الجمع وهو خفيف يستغرق وحدتين
هذا ومما تجدر ملاحظته فى هذا التمثيل السوناغرافى، الى جانب أصناف المقاطع ومختلف القيم الايقاعية الجزئية والجملية، وهو اتضاح الحدود التى تفصل بين الدورات الايقاعية فصلا يجعل كل دورة فى البيت ناطقة باستقلالها عن بقية الدورات على النحو الذى اقترحناه فى النظرية.
الكميات الإيقاعية الساكتة
لقد أتينا على ذكر الكميات الناطقة فى إيقاع الشعر العربى. وهناك كميات اخرى لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار .. وهى العناصر الايقاعيه التى تتوقف عندها الحركة ويستمر الوقت كأن لو كانت عامرة ناطقة. وهى حالات كثيرة ومتنوعة قد أشرنا فى النظرية الى كل تفاصيلها، فلا شأن بمراجعتها الآن ولا هدف لنا فى هذا المقام الا إثبات حقيقتها والتدليل على صحة وجودها فى الشعر العربى كالذى توخيناه فى إثبات حقيقة الاهتضام.
والمختصون أنفسهم لم يتقبلوا لغة الكميات الناطقة، فكيف يطمئنون الى نظرية تلهج بذكر الكميات الساكتة. ولكن هذه اللغة إن لم تؤلف فى إيقاع الشعر فانها مألوفة مأنوسة فى إيقاع الموسيقى. وما تخلف أرباب الشعر والنقد والعروض عن ركب المعرفة الا لتشبثهم بنظرية بائدة أخنى عليها الدهر. بيد أنهم لو نهضوا الى الامر بما يلزم من الحزم والجدية ولو نفضوا عن عقولهم غبار الاوهام ولو تعلموا كيف يتحسسون الايقاع بالاذن لانكشفت لهم الحقيقة واضحة لا يشوبها التباس.
نعتبر هذا البيت الذى كنا تدبرناه عند دراسة الكميات الناطقة:
ولا القلب ناس لما قد مضى ولا تارك أبدا غيه
والعروضيون يقطعونه كالآتى:
ويبدو التفاوت الكمي بين الدورات بهذا التقطيع فاحشا موئسا بما يزهد فى اعتبار الطبيعة الكمية لايقاع الشعر العربى. وفعلا فانه لا يمكن لايقاع أن يستقيم فى دورات تتفاوت بينها بهذا الشكل فتتراوح بين وحدتين وثلاث وأربع وخمس وحدات. وما هذا التفاوت وما هذا الخلط الا نتيجة لعجز علم العروض قصوره عن ادراك الحقيقة فى هذا المجال.
ولو دعيت الى تقطيعه لتحسسته بالاذن قبل أن أعالجه بالبصر وأتدبره بالفكر وإذن لقطعته كما يلى:
واعتبرته خببا متقاربا متآلفا من ثمانى دورات متساوية تستغرق كل واحدة منها أربع وحدات زمنية اثنتان منها فى منطقة الخفة واثنتان فى منطقة الثقل. فأما منطقة الثقل فثابتة على أية حال (لن). وأما منطقة الخفة فتتعرض إلى تحولات مختلفة. فيعتريها الاسكات والجمع والاهتضام الى جانب صيغتها الاصلية. وهنا أيضا يبدو اللجوء الى السوناغراف لتشخيص الكميات الساكتة به أمرا متأكدا.
فلننظر الى الدورات (2) (3) (4) ولنلاحظها جيدا فانها تكاد تنطق باستقلالها بعضها عن بعض على النحو الذى اقترحناه فى النظرية بفضل تلك الاودية العمودية البيضاء التى تفصل بينها ولاحظ تساويها فى مناطق الثقل وحتى فى مناطق الخفة المتعرضة كلها الى تسهيل الاهتضام وقارن بينها وبين الدورة الاولى تجد فى هذه عنصرا ساكتا لم يشخصه السوناغراف. وكيف له بتشخيصه وهو لم يسمعه؟ وانظر الدورة الخامسة تجد فيها نفس الشئ وتلاحظ ان الجهاز الالكترونى قد دون الوقت الذى كان العنصر يعمره لو كان ناطقا، وذلك العنصر الساكت هو الذى أضمه الى الدورة الخامسة وأسمية (إس) وتكون الدورة به (إس علن) والدورة الموالية (فاعلن). والدليل على سكوته فى هذا البيت الذى يسمى العروضيون عروضه (فعو) هو نطقه فى البيت الذى يسمون عروضه (فعول) أو (فعولن). وإذن فلا بد من وقت يشغل الايقاع فى ذلك الموضع يكون فيه المقطع إما مقصورا (ل) أو هاضما (لن) أو ساكتا (إس).
وانظر هذا البيت الذى تغنيه الفقيدة المرحومة أم كلثوم :
أبيت أسامر نجم السما اذا لاح لى فى الدجى أو غرب
وقد حذفت الهمزة فى (السماء) فكانت العروض (فعو). أفرأيت لو نطقت تلك الهمزة اذن لاحتاج المنشد الى ذلك الوقت الساكت لاستيعابها فيتسع لها ولا يضيق عنها. وفعلا فان هذه الاغنية مما أخذته الفقيدة عن استاذها الشيخ أبى العلاء محمد وهو لا يحذف فيها الهمزة. فاذا انتهى الى موضعها أنطقها فانضمت المقاطع بعضها الى بعض بلا سكوت. فاسمع الاغنية من أدائه ومن أدائها وستلاحظ ذلك بنفسك. وقد أبيت إلا أن استغل هذه الظاهرة فى البحث فتعمدت تسجيل البيت على طريقة أبى العلاء من ذكر الهمزة فسجلها السوناغراف فى الموضع الذى كان خاليا فى البيت السابق. ولو حذفت لبقى موضعها شاغرا شغوره فى الدورة الاولى (إس أبيـــ). انظر التشخيص السوناغرافى التالى :
