الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

ابتسامة الوجوه الباكية

Share

كنت أشعر بحنان غريب يشدنى اليه كلما غرست نظراتى فى عينيه وأنا محشورة فى زحمة الاجساد المتلاصقة فى ممر الحافلة الضيق . . . الازدحام هو المشكل الذى يواجهنى فى كل يوم عند رجوعى من العمل الى البيت ، ومأساتى هى هذا الرباط القوى الذى جمعنى به فى الحافلة

لم يكن يعيرنى كبير اهتمام فى البداية بالرغم من المرات العديدة التى حاولت فيها الابتسام اليه والتعبير له عن اعجابى به وافهامه بان لى من القابلية ما يسهل قيام علاقة حب برئ ضرورى بالنسبة لى على الاقل . . . كنت انتظر ان يبدأ هو بالخطوة الاولى ، لكنه اكتفى بالنظر الى خلسة فى الاول ليبقى مطأطئا رأسه فيما بعد متأملا فى ما لست اعلم ، ضائعا فى عالم حزين كثيب ، هيئته المتواضعة والبراءة المتدفقة من عينيه ، والعذوبة المنسكبة من روحه كأشعة القمر الساجية تزيدنى افتتانا به وتجبرنى على مزيد الاهتمام والتحديق فيه

ورغم ما كان يتضح لى من خلال اختلاسه النظر وبالرغم من اكتشافه لما أنا فيه من لهفة لان أحادثه وأصارحه ، فانه ظل فى تأملاته الحزينة وصمته الطويل وظللت أواجه رغبتى الملحة فى الحديث اليه شاعرة وانى فى الطريق الى الجنون وما هو أكثر من الجنون . . .

الحافلة ما تزال تسير وكلما توقفت لينزل راكب ، اندفع الى داخلها جمع آخر يزيد الجو اختناقا . وعصف بى الخوف والقلق حينما فكرت فى أن العالم كله سيقف ضد أى فرد من أفراد عائلتى ، لو فكرت فى أن أبثه نجواى لأرتاح بعض الشئ ، لن يقف الى جانبى ، لن يوافقنى ، سأواجه ربما ما هو أشد وقعا فى النفس من اللوم والسخرية من الجميع حتى من أمى التى حذف لها والدى المرحوم كلمة الحب من قاموس حياتها وحياة افراد عائلتها . .

كنت أتنفس بصعوبة ، أكاد اختنق ، فانا الآن استطيع ان أحب وان أمنح الحب كله لاجعل منه أمير أحلام وشاعر نجوم وفارس أشواق ، فينقذنى مما

أنا فيه من حزن ومن تذبذب ونعيش معا أجمل قصة حب لأنسى الحرمان وأعود الى الواقع الذى كنت أهرب منه فى رحلات مع الشعر وأعاصير الشعراء ، مع الادب وبراكين الادباء ، مع الفن وعواصف الفنانين ، لأهرب معه وحده الى الاعماق على وسادة الحب الخالد والامل الكبير . .

نسيت الحافلة والركاب ونسيت نفسى والزمان والمكان حينما اعترضنى وهو فى طريقه الى الباب يتأهب للنزول ككل يوم ، لكنه هذه المرة وقف الى جانبى وعلى شفتيه شبه ابتسامة خجولة ذابلة وفى عينيه براءة طفل كان يبكى لفراق ام حنون ، ثم قال : " كان بودى ولكن ما الفائدة من علاقة اعرف انها حتما ستموت يوما ما " . . .

وحينما وقفت الحافلة ونزل ، لم أعلم كيف وصلت الى البيت . . . دخلت غرفتى الصغيرة بطابعها الحزين وصورها الرمزية الباكية وبعض أثاثها القديم ، وجلست أمام الطاولة التى تكدست عليها كتب مختلفة ودواوين شعر مؤثرة ومجموعات قصصية رومانسية . كنت أغوص فى أعماق الذات البشرية مع المطالعات النثرية وحينما تصل ثورتى الى حد لا يمكن لى أن أواصل معه المطالعة ، أسبح فى دنيا الشعر . لم أكن شاعرة ولكنى أحببت الشعر وجعلت منه أجمل لوحة فى حياتى وأعذب لحن وأجمل سمفونية . يومها لم أشعر بالحاجة الى الطعام ولا الى النوم ، ولا حتى الى القراءة ، أخذت أستعيد صورته وأتأمل ضياعه ، أحاول أن أجد تفسيرا لما قاله ، ربما كان شقيا من اشقياء الأرض ، كآبته موحية ، مغذية للمشاعر ، ان وراء كل ذلك ولا شك حكاية دامية . قلبت ديوانا من الشعر بين يدى حاولت القراءة وضعت نوعا ما مع المعانى الساحرة والالفاظ الخلابة ، وحاولت أن أنسى ذلك الشقى . . أنا أطالع اشعار البورجوازيين الذين يعيشون دنياهم ، أصحاب املاك ، وحسابات فى البنوك ومشاريع اقتصادية ، يتصرفون فى أموال طائلة ، انتاجهم يدر عليها الكثير من الرزق ، أصحاب وجاهة وجاه ولكنهم يكذبون ، يتاجرون بالكلمة مثل هذا الشاعر الذى بين يدى ديوانه ، اسمه ، ع . عبد الفقير ، واسم مجموعة اشعاره : " فقراء أغنياء " . انه يكذب حين يقول :

انا لست الا شاعرا فى حاضر لا يبتسم

لا أملك ما تملك الايمان اصناف النعم

أنا لا أسافر للسراب ولا أتاجر بالقيم .

الشعراء يقولون ما لا يفعلون . . . تركت الكتاب يتلاشى من يدى وعدت الى عالمى معه ، يجب ان يكون لى موعد معه . .

جمعتنا الحافلة من جديد ، تجاسرت هذه المرة حينما وجدت مكانا شاغرا الى جانبه وجلست ، فسلم على وتفاهمت نظراتنا أو هكذا خيل لى . كنت انتظر أية اشارة منه لكى ادخل معه الى حياته عبر الكلمات والاسئلة والاجوبه ، ولكنه ظل صامتا كالعادة يختلس الى النظر من حين لآخر فأتكلف الابتسامة الحائرة وحينما وقف واستعد للنزول وقفت معه فصفعنى بنظراته فى لفتة مفاجئة رجعت على اثرها الى مكانى ، لكنه ابتسم وطأطأ رأسه فقفزت اتطلع اليه واتبع خطاه الى الباب الامامى ووجدتنى معه فى الشارع ، أحسست فى تلك اللحظة أن العالم ولد من حولى من جديد . . .

- لم يعد الحب كما تتصورين يا صغيرتى ، انت بريئة ظاهرة ، معك حق . - كيف تتصوره أنت وكيف عرفت الصورة التى عندى عنه

- هو اليوم التزامات قاهرة واملاك وجيوب مملوءة وحسابات فى البنوك ومشاريع . . . انك تخطئين فى حقى ربما هى مظاهر

- أبدا لم أكن أتصور كل هذا ولن أسمح لنفسى بهذا التصور ، الحب بالنسبة لى لن يكون على هذه الصورة الوحشية الموحشة

- حساسيتى ، كبريائى ، ايمانى ، مبادئى ، كل هذا تسبب لى فى الكثير من الاتعاب والالم

- لو كنت تعلم انى أعرف جيدا ان قيمة الانسان لا تبرز فى الاطار المادى ، . . لا يجب ان تتأزم بهذا الشكل ، اعتقد انى بدأت أحبك الآن أكثر ٠٠٠

رشقنى بنظراته ، قررت أن لا أجعل الفرصة تضيع منى حتى لا تكون له فكرة خاطفة عنى ، حتى لا أشقى أكثر ، أردت أن أتجاسر لكنه فاجأنى هامسا :

- انى اقدر عواطفك يا آنسة ، شكرا لك على ذلك ولكن ربما لا أراك بعد اليوم ، رغم ما أحسه نحوك من عطف وحب كبيرين

أوشكت على السقوط ، كدت أصرخ فى لا شعورى لكنى اكتفيت بالنظر اليه وهمست وكلى ألم :

- لماذا ؟ أهكذا وبهذه السرعة ؟ - صحيح أنى من أجل ان أراك تحملت الكثير وقاومت الكثير ولكنى حينما شعرت انهم بدؤوا يجرحون كبريائى ويستهزئون بأثمن ما عندى قررت الابتعاد وقدمت استقالتى من العمل ، فضلت ان ابقى جائعا على أمارس النفاق .

- غير ممكن أن لا أراك حتى وأنت عاطل عن العمل ، يجب ان نلتقى ، ان لا نبقى لعبة فى رياح الصدف

- اننى اخترت هذه الطريق بكل ارادة وحرية ، ولانى كنت اعرف النهاية التى تنتظرك معى تجاهلتك المرار العديدة وكلى ألم وحيرة ، انت جديرة بكل خير وهذا الخير لن يكون لك وانت الى جانبى .

صمت فى حرقة ، لم أدر ماذا أقول له بعد كل هذا ، لقد اكتشفت حقيقته واكتشفت عالمى المر لاول مرة وقطع على شريط احلامى

- لست وحدك التى تنتمين الى بيئة غريبة ، أنا ايضا أحس بأن شعورى بالغربة يزداد يوما بعد آخر لكن الفرق بيننا هو أن المجال أمامك ما زال مفتوحا لتختارى ، فالحياة ما تزال أمامك بكل آمالها واحلامها .

كدت أصرخ فى وجهه لاقنعه بأنه هو المجال وانه هو الحياة ولكنى اقتنعت بانه عرف كل شئ وظل مع هذا مصمما على الانسحاب من أجلى أو هكذا كان يعتقد .

لماذا يوجد هذا الفرق بيننا ما دام لنا نفس الشعور بالغربة والحنين ؟ - واقعى هو الكلمة التى ظللت اطاردها وظلت تحاصرنى في كل مكان وهى التى تسببت لى فى اتعاب كثيرة ، ومع هذا ستبقى همى الوحيد وعزائى الذى لن اتخذ له بديلا ، لا اريد ان ادفعك معى الى مصير مجهول ربما يكون جوعا كله وحرمانا كله .

شعرت بنظراته تعزف أعذب سمفونية حب ضائع متألم فعرفت انه يعانق بأحلامه أطيافا بعيدة وانه أحد عشاق الكلمة الاوفياء .

- لك الغد الوضاء يا صغيرتى ، يا من ظللت العمر كله أحلم بأن تكون لى فتاة مثلك ولكن الايام قضت حينما وجدتك ان يموت حبى لك هكذا وانا انظر اليه وأشعه بآلامى فى موكب جنائزى رهيب لانى فارس من فرسان الكلمة المعذبه .

تمهلت فى سيرى ، لقد تثاقلت خطواتى ، تمنيت ان ابقى معه الى الابد لانى أدركت أنى أصبحت أحبه بلا حدود ، وأعادنى الى واقعى الأليم

- من أجل أن أرى اشراقة الامل فى وجهك الجميل اخترت هذا الحل يا طفلتى الحالمة ، لا شك انك فهمت قصدى وبراءتى

هممت أن أؤكد له من جديد انى لا أريد غيره لكننى أحسست أن الارض انشقت تحت قدمى حينما كشف لى عن حقيقة حبه للكلمة

- عفوا اذا كنت لا أريد أن أعرف أى شئ آخر عنك حتى اسمك ، لكى لا أشقى أكثر فى يوم ما ، ومع هذا فانى سأهدى لك بعض اشعارى أيتها المجهولة الحبيبة فعسى أن تخفف عنك بعض ما تشعرين به .

- أنت شاعر ؟ ! - نعم ومن أجل هذا كان الألم يطاردنى فى كل مكان ، وكنت مؤمنا بأن الحب لم يعد موجة نور سابحة فى خيال العاشقين ففضلت الانسحاب لانى اكتشفت حقيقة الكثيرين وقررت ان لا أمارس النفاق ، ان لا انساق مع الذين يرفضون الكلمة ويتهموننى بالفراغ والضياع

تيقنت من أن الجرح فى قلبى يزداد اتساعا وعمقا ونظرت اليه فى ذهول وأنين .

- مدير الشركة رفض هديتى ديوانا من الشعر وألقى به فى وجهى لذلك قدمت استقالتى من العمل . ولن نلتقى بعد اليوم من أجل أن أترك لك الحياة بما فيها من سحر وأمان لان الحياة معى حتى ولو كانت كلها حبا ، جحيم وأنا لا يمكن ان ارضى لك النار والألم والجحيم . . .

- وحبنا ، وهذه الصدمة التى اغتالت حياتى والحيرة التى ستظل تلاحقنى أينما أكون ؟ !

- الفقير لا يمنحك إلا الفقر حتى ولو كان يحبك ، استطيع ان اتغذى بالكلمات اما أنت فلا ، والمحروم حتى ولو كان شاعرا لا يهبك الا الحرمان ، انى أشفق عليك من نفسى وحتى يبقى حبنا خالدا نزيها يجب أن لا نلتقى .

توقفت عن السير وجرت دموعى ، تذكرت كل المحرومين فى الارض ، كل البائسين ، فامسك بيدى وأطبق عليها يديه فشعرت بأن أنفاسى توقفت وان الارض كفت عن الدوران

- أسمى ع . عبد الفقير ، لعلك تتذكريننى من خلال بعض الاشعار التى ستقرئينها لى .

ع . عبد الفقير ؟ ! . لم يذهلنى الاسم ولكنى عرفت أن كل ما قرأته له قبل أن أعرفه كان صحيحا . . وانى كنت مخطئة فى تقديرى وحكمى . . . سقطت فى دوامة من أفكار ، أصبحت لا أعرف ماذا أقول . تراكمت السحب فى السماء ، اظلمت الدنيا وانفجرت العاصفة وسط قلبى . فتح يديه ليترك يدى المرتعشة للفراغ وافلت بسرعة دون ان ينظر الى ٠٠ .

وقفت مذهولة لحظة الى ان ابتلعه المنعرج ثم استدرت الى المحطة أنتظر الحافلة ، وحينما مرت من أمامى كنت فى الطريق الى البيت راجلة ، وعرفت انى أيضا شقية وحيدة ، وأنى سأبقى شقية وحيدة الى الابد وما بعد الابد

اشترك في نشرتنا البريدية