الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

ابريق الشاي

Share

أجال صاحب المنزل بصره في ارجاء الحديقة ، ثم تقدم من البستاني الذي يعمل في المزرعة ، وكان ينتظر ان ينقده اجرة يومه بعد ان خدم طيلة النهار في حفر الارض لتهيئة اماكن جديدة لفسائل خضراء ، ستضيف ثروة وجمالا لهذه الحديقة واسعة الأطراف بديعة الهندسة التي تثير الاعجاب وتستميل النظر . وكانت المزرعة مقسمة لعدة أقسام ، قسم للخضر وقسم لتربية الدواجن والبقر وما بقي من الارض للفواكه والثمر .

وحدق المسيو جان في الحفر العميقة وقال لابي القاسم :

لن اعطيك اجرتك كاملة ، لان الحفر ليست عميقة كما يجب ... امضيت نهارك كاملا فى الحفر ولم تنه الا اربع حفرات ليست من العمق ومن الاتساع كما اوصيتك . سأمنحك اربعمائة فرنك بدلا من ستمائة ، لان صاح الغد سيمضي فى تتمة العمل الذى بدأته ، وكان عليك أن تنهيه هذا اليوم .

وطأطأ أبو القاسم راسه وتناول اجرته وادار ظهره ... فصاح به المسيو جان :

مالك ؟ الم تعجبك حالك ؟ اعطيك اربعمائة فرنك في عمل بسيط ، ومع هذا لا اسمع منك حتى كلمة شكر ؟ ولكن هكذا انتم يا عرب .. لا تحمدون لصاحب النعمة نعمته عليكم ، ولا تجازونه الا بالنفاق و الكذب .. الباب واسع يا صاح اذا كانت الخدمة عندي لم تعد تعجبك ..

وأحس أبو القاسم بلهجة التهديد التى تخللت العبارة الاخيرة ، فالتفت للمسيو جان وتمتم : عفوا يا سيد جان لم اشأ ان اسىء اليك .. نسيت ان اتلفظ بكلمة الشكر لاني تعب جدا ..

فقهقه المسيو جان بصوت عال وهتف :

تعب لانك قمت بهذا العمل البسيط جدا ؟ اربع حفر لم تتم في ظرف نهار كامل ؟ ولكن هكذا أنتم يا عرب .. قوم كسالى ، لا تعرفون الا احتساء كؤوس الشاي طيلة الوقت ، ومد سيقانكم في ظلال الجدران تعيشون في الخيال وتتمنون أن يهبط عليكم المال بالسلال من فوق ، كما يهبط المطر ...

ولم ينبس أبو القاسم ببنت شفه .. رفع يده مودعا وخرج من باب المزرعة الكبير ، ليمشي مدة ساعة او اكثر حتى يصل الى الكوخ الذي يسكنه هو وعائلته .

وحين اظلم الليل ، وصل لباب الكوخ وكانت أول جملة له : هل اعددت ابريق الشاي يا تحفة ؟

فأسرعت تحفة ، تزيح الصغير الذي كان راقدا في المكان المعد لابيه ، وعلى يديها صغير ثان له من العمر شهران فقط . وارتمى أبو القاسم بجسمه كله على الحشية المفروشة في الارض ومد يده وأخذ كأس الشاي المغلي الاسود وشربه جرعة واحدة فأحس بحرقة في لسانه فلم يأبه وقال : زيديني منه يا تحفة ، فهو الذي يعيد الى النشاط والقوة بعد عملي الشاق الطويل و ابتسمت تحفه وهي تقول : ربي يعينك ويقويك ...

ويرتفع صوت الرضيع حادا مزعجا يصم الآذان .. فتقترب من الاب وتقول له : الا تريد ان تحمله بعضا من الوقت حتى يسكت ؟ لقد وضعت العشاء على النار ولم ينضج بعد ..

ويغضب أبو القاسم ويدفعها بيده الخشنة قائلا :

ماذا ؟ بعد عناء نهار كامل تريدين ان اسكت لك الصغار ؟ ابعديه عني ودعينى ارتاح ...

ويبدو على وجهها الالم ، فيمد يده لجيبه ويخرج قطعا فضية ويضعها في باطن كفها وهو يغمغم : هذا ما اعطانيه " الرومي " ولكننى أعلم أنك مدبرة وتحسنين التصرف .

وتأخذ تحفة النقود ، وينزرع فى وجهها الابتسام ، وتضع الرضيع على البساط ، وهي تحادثه بصوت غاضب وكأنه يفهم معنى الكلام : اسكت ودع اباك براحة .. ثم تلتفت لابي القاسم وتقول له وهي تصب الشاى في كأسه : انه شيطان . لم ينم النهار كله .. لم يدعني اتم اعمالى كالعادة .. سأعطيه الخشخاش حتى يتركنا براحة .. ويتناول أبو القاسم الكأس من يدها ويتجرعه هذه المرة بتؤدة ، ويتذكر كلام " الرومي " وهو يصفه ويذكره بالشاي الذى يحبه .. أجل انه يحب الشاى ولكنه لا يقضي وقته في ظلال الجدران .. انه لا يحتسي هذه الكؤوس الصغيرة الا بعد ان يعمل من الفجر حتى غياب الشمس وهو يضرب معوله فى الارض ، فتتساقط قطرات العرق من رقبته حتى قدميه ، ويمتلىء جبينه بحبات من العرق بحجم العنب ، تتوقف لحظة ثم تسيل على عينيه

فيمسحها بظاهر كفه واحيانا بكمه .. ثم يتوقف قليلا ليرتاح ويعود لسابق عمله ..

العائلة فى تكاثر .. كانوا ثلاثة ، ثم اصبحوا اربعة ، ثم خمسة ... المكان هو هو ، والمبلغ الذى يتقاضاه لا يزال على حاله ، بل كثيرا ما يخصم منه صاحب المزرعة حين يروق له ..

المكان ضيق ، والغذاء قليل .. عمل في النهار ، ونوم في الليل يقطعه بكاء الرضيع ، ولكنه لا يابه له ، لانه سرعان ما يعود لنومه ولا يستيقظ الا حين تبدأ ظلمات الليل في الانقشاع .. لا يفرج عنه الا كؤوس الشاى التي يتجرعها ، هي وحدها المكافأة التي ينالها بعد عمل مضن شاق ..

يقول المسيو جان : انه لا يحسن الا شرب الشاي ، ولا يعرف من دنياه الا القبوع في الظلال ، وتمني هبوط المال بالسلال ... انه يخدم بكل جهده وقواه ، ويعرف جيدا انه رغم الجهد الذي يبذله لا يجد ما يكفيه ويكفي عائلته فكيف به لو مكث بدون عمل ، واكتفى بالتمني والامال ...؟؟

ومزرعة المسيوجان لولاه ولولا العاملين معه ، هل كانت تزدهر مثل هذا الازدهار ؟ ؟

قالت له تحفة بانها حملت الرضيع للمستشفى ليرى الطبيب حالته لانه كثير البكاء .. وبعد انتظار دام ساعتين او اكثر ، قالت الممرضة بجفاء : اذهبي من هذا المكان .. هذا مخصص للروميات هناك مكان آخر مخصص للعربيات ... ووجدت تحفة عشرات النساء ينتظرن فرجعت لمنزلها بدون ان تداوي صغيرها .

واكتفت باعطائه مغلي الكراوية والكمون ، فسكت قليلا ثم عاد للبكاء كما كان ..

ودفع أبو القاسم يوما باب المزرعة الخشبي ودخل ، فرأى المسيوجان في انتظاره يترصد مجيئه كما يترصد الوحش الفريسة ، مكشر الانياب تقدح عيناه بالشرر ولم يكد يراه داخلا حتى تعرض له وهو يشير بيده الضخمة الى الباب : اخرج من هنا انى اطردك .. لا تعد لهذه المنطقة ابدا ..

تريدون ان تخرجوني من بلادكم ، ومع هذا تعمل عندي من مدة اثنتي عشرة سنة .. وتتقاضى اكثر من اتعابك بكثير .. اخرج من امامي ، ولا ترني وجهك .. اذهب واخدم عند ابناء عمك ..

ورجع ابو القاسم في ذلك اليوم مبكرا عن عادته .. ومضت الايام وهو

يخدم في أعمال شتى ، في حمل المتاع من الاسواق وفي تنظيم الحدائق وغرسها وفي تنظيف الطرق ...

والشيء العجيب انه منع نفسه من المتعة الوحيدة التي كانت له في حياته وهي تناول بضع كؤوس من الشاي بعد عمل النهار ... فلم يعد يذوقه ابدا ...

وسألته تحفة عن سبب امتناعه فقال لها بلهجة رهيبة : انه امتناع موقت .. اقسمت ان لا اشرب الشاي الا بعد ان يطرد " الاروام " من البلاد .. حينذاك لن اشربه مرة واحدة بل مرتين وثلاثا واربعا في النهار ...

واندمج في الحركة الوطنية ، فكان يحمل الرسائل واحيانا القنابل ، ووصلت به الحماسة الى حد تحضيرها مع بعض المناضلين الذين تخصصوا في ذلك ، وكان يحضر احيانا اجتماعات عائلية يرى فيها لمعان الشاى الاحمر في الكؤوس البلورية ، ويسمع الالسنة وهي تتلمظه ، فيحس بشوق عظيم اليه ، ولكنه يضع يده على قلبه ويتذكر قسمه ويهمس بينه وبين نفسه ، : انتظر ايها القلب .. لقد اوشك الفرج ان يطل ...

واطل الفرج ، وعم الجميع الفرح ، وخرج " الاروام " منهزمين مدحورين وخفق العلم الاحمر على المبانى والمرتفعات معتزا بالحرية والاستقلال ...

ودخل أبو القاسم يوما الى كوخه متهلل الاسارير طربا يكاد يقفز قفزا من الابتهاج والمرح وهو يصيح بزوجته : تحفة .. اين ابريق الشاي ؟ ؟ وترد عليه تحفة : انه يغلي على الجمر .. ويضمها لصدره وهو يقول : عندي لك نبأ عظيم عظيم جدا ..

فترد عليه : ماذا ؟ هل ربحت مبلغا كبيرا من المال اليوم ؟ ؟ فهذه أول مرة يضمها الى صدره ويظهر عليها مثل هذا العطف والحنان

- لا .. لا يمكنك أن تعرفي مهما خمنت .. ربحت شيئا اكثر من المال لقد منحتني حكومتنا ارضا .. ارضا ستكون ملكا لي ولك ...

- منحتنا الحكومة ارضا ؟ ؟

- اجل يا تحفة كنت اسقي الرومى بعرق جبيني وخرجت من ارضه بعد خدمة اثنتي عشرة سنة بدون ان يدفع لي دينارا واحدا ، حتى أجد عملا آخر ... واليوم تعطيني حكومتنا الحرة ارضا .. لاسقيها بعرق جبيني ولكن هذه الارض ستكون لي ، ولاولادي من بعدي ... ستروى بعرق جبيني ولكن لن

تذهب جهودي عبثا .. طردني من المزرعة فطرد من البلاد كلها لقد عادت اراضينا لنا ...

ويتصاعد صوت تحفة بالزغردة .. ويهلل الطفلان الكبيران ويضحكان .. ويصيح الصغير الذي اربى عمره على العام فزعا ويغلي الابريق ويفيض فتتصاعد رائحة الشاي تعبق في الانوف ..

وتقول تحفة : لقد فاض الابريق والصغير يبكي انظر للابريق ياسي ابي القاسم .. ولكن ابا القاسم يتوجه الى الصغير ويرفعه مقبلا ويقول لزوجته حضري الشاى ، وسأسكت أنا الصغار ... املئي الابريق ، املئيه جيدا .. لن اشرب الشاى في ظل الجدارن كما قال " الرومى " مسيوجان واتغذى بالاحلام بل سأشربه مثنى وثلاثا ورباعا تحت وهج الشمس وفي لفح الحر ، وانا اعمل في الارض حفرا ونبشا وحرثا واسقيها من عرق جبيني ...

اسكت يا صغيري ستكون لك ارض كبيرة ودار جميلة ومدرسة ... وستشبع لحما ولبنا ....

اشترك في نشرتنا البريدية