الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

ابن أبى طوق

Share

الاهداء : الى كل (( ابن ابى طوق ))

حدث الجاحظ التعسافى قال :       كنت مجتمعا وأثيرين لدى على اشعار نتناشدها أمام دار لى اذ اقبل علينا بدوى ذو مهابة فسلم واستأذن فى الجلوس ثم خاطبنا فى جرأة غريبة فقال :

- يا بنى تعساف ، هل أتاكم نبأ أنفسكم وتناقضها وافك ألسنتكم وأيديكم وما يأتى السفهاء منكم وذوو الحجى من أباطيل ثم ينهون عنها فى استفظاع ..؟

فتبادلنا النظر عجبا من هذا الذى يستنقص أنفسنا الينا وأرهفنا السمع نلتقط كلماته وقد ادهشنا أمره فأردف :

- هل غركم ما أنتم فيه من صغر الدور وحسن الاثاث ولين البشرة ، فطفقت تستصغرون شأن الناس وترمونهم بكل حقير وقد عهدتكم ممن يستنكرون هذه الافعال ؟

فلم يزدنا كلامه الا حيرة فعاجله أحد جليسى : - أفصح يا أخا العرب ، عم تتحدث ؟

- شهدت منذ اسبوعين مجلسا لكم بدار ابن ابى طوق فأثلج صدرى قوله وحلق بخيالى فى اجواء من العدالة عالية . وما رعانى منذ حين الا وابن أبى طوق ذاته يصرح بعكس ما أسلف .

- هل لك فى ان تروى لنا حديثه يوم الندوة واليوم .

- إليكموه كما سمعته منذ أسبوعين :

(( أيا بنى تعساف .     إن جرائم فظيعة ليقترفها بنو أمار وبنو براقة وانى لاستنكرها ولأدعوكم بشدة الى استنكارها لقد خلق الله الورى سواسية فلا فضل لاحدهم على مثيله الا بحسن خلق ورجاحة حجى . وان هاتين القبيلتين ليستعبد فيهما الابيض الاسود وينزله مرتبة أدنى من مراتب الحيوان فما علينا نحن يا ترى ؟

ان التنديد بهذه الافعال البدائية فى مجلس القبائل ليمثل واجبنا الاعلى . ثم انه من المتأكد على كل شعرائنا وذوى العبقرية فينا ان يولوا هذا المشكل عنايتهم فينشروا الوعى بين الناس ويوقظوا الهمم حتى يعلم كل واحد منا ان مجرد التعامل مع هؤلاء المتوحشين يعد ذنبا بين الذنوب ))

وواصل البدوى فقال :

- هذا ما سمعته من صاحبكم يوم الندوة ، أما اليوم فقد وجدته أمام باب المسجد وبين يديه حسناء تنتحب وهو يقول :

(( ان انت الا بدوية قذرة لا حسب لها ولا نسب ولئن احببتك يوما فانه ليس لك ان تتطاولى فتظنى ان فى ذلك ما يجعل لك حق مطالبتى بالزواج منك . ان الحب شىء والزواج شىء ثان ، ماذا يقول عنى بنو تعساف يا ترى اذا ما اقترن اسمى ببدوية ؟ .. ))

واصل الجاحظ التعسافى قال :

ولم يزل الرجل يحدثنا مستنكرا أفعال ابن ابى طوق وبنى تعساف جميعا ويقول :

- ان بين الكلام والفعل لوهادا وجبالا يرتعش لها قلب الشجاع . تستنكرون على بنى أمار وبنى براقة احتقارهم للسود وتستصغرون شأن أناس يصابحونكم ويماسونكم وليسوا يختلفون عنكم فى شىء ..

ولم يزل بنا كذلك حتى جن الليل فدعوته للعشاء وواصلنا حديثنا ..

حدثت قطر شهدت مجلس التعسافيين وصاحبهم البدوى قالت تخاطب ابن ابى طوق عبر أثيرية اللاوعى :

القلق انت ، انت القلق ، الاشياء تحاربك ، تكشف لك عن اسنانها، تزأر فى وجهك ، تقهقه ، تسخر منك . انت لا تحسن القول ولا الفعل . انت التناقض ذاته انت وجه من وجوه حياتنا التافهة البلهاء هذه. انت لا تعرف طريقك ، طريقك ليست لها بداية ، ليست لها نهاية . الضياع يأكل وجودك . الفراغ يبتلعك . جذورك فى السماء وأغصانك فى الارض . الناس يمشون حولك على رؤوسهم ، المكان هاجر الى عوالم الغربة والزمان انتحر على مذبح الابد . الاشكال فقدت هويتها ، الالوان امتزجت . تأخذ على الناس أفعالهم وتقترف الابشع . أنت لم تعد ترى شيئا ، تنظر الى الوراء فاذا بالغثيان يغمرك تحدق فى الآتى فتتقيأ . الفوق والتحت لم يعد لهما وجود . انت لا تعرف نفسك ولا تعرف الاخرين . أمسك لا شىء ولا شىء غدك ، أما حاضرك فلا شىء فوق لا شىء . الشك يملأ عليك حياتك ، يعشش فى زوايا دماغك ، والامل الزائف يرفرف بين يديك مسافرا فى موكب حزن هازج . ويسحقك الالم فتسأل نفسك عن جدوى وجودك فيجيبك الفراغ، يلقى بك الى عوالم الحيرة والقلق . أفعالك ليس لها معنى ، لقد باعت أزياءها ومزقت شهادات ميلادها .. السواد صار بياضا ، البياض صار سوادا . من أنت ؟ ماذا عليك ان تفعل ؟ ما هى مقاييس وجودك ؟ نقط استفهام مجللة بالحيرة ! وليس هنالك من جواب . قطرة ماء فى محيط ، ريشة فى مهب ريح عاتية ، ليست تعرف مالها وما عليها . ولست الوحيد يا ابن ابى طوق فكذلك كل بنى تعساف .

حدثت المتتحبة عند باب المسجد قالت :

أحببته حب النار للحطب ولها فيه حياة . فأخلصت له ، وأبحت له من نفسى أفانين . فتدانينا وتذاوبنا وتمازجنا وكنا كلا ليس له انفصام .. وصفا لنا الدهر فصرت من غدى على اطمئنان . وكنت أقول له واسمع منه فتنتشى روحى طربا . فقد كان عذب الحديث ، قوى الحجة ، سامى الغاية . فما زادنى ذلك الا هياما به . ولقد كان ذا عقل وعلم ، يأخذ على الناس نفاقهم ويعمل جهده على جعل الطالح صالحا والسىء حسنا . فصار معبودى بعد خالقى . فهجرت بيت ابى شوقا الى جمال طلعة وسماحة روح . وأتيته عند باب المسجد أطلبه للزواج ، وشفيع جرأتى ما عهدته عليه من صبابة . فخيب ظنى ،

وأتلف أملى ، وكان ما رواه البدوى للجاحظ التعسافى وصاحبيه .......... .......................................................................

واصل الكهل البدوى قال :

نحن دائما مثاليون اذا لم يتجاوز الامر حد القول والضرب على منتفخ الطبول .. أما إذا ما احتككنا بالمشاكل وجودا بوجود فالاختلاف بين وكبير .

واصلت المنتحبة عند باب المسجد قالت :

سوف تثقفه الايام وتقوم منه ما اعوج ، ان هو الا غر نصف عليم بمشاكل الحياة . فقد كان عليه ان يتذكر ان بنى أمار وبنى براقة يحتقرونه وينزلونه منزلة الحمير والبغال ..

واصل الجاحظ التعسافى قال :

سمعنا من صاحبنا البدوى كثيرا وقلنا له قليلا حتى ابتسم الفجر وما كاد ، فذاب من بين ايدينا وغاب عن اعيننا كتريع السراب .

فتبادلنا النظر عجبا من أمره وأرسلنا حدقاتنا وراءه فما عثرنا له على أثر ..

واصلت القطة قالت : - مياو .. مياو .. مياو ....

حدث الفجر قال : كان على ابى ابى طوق ان يبدأ بنفسه فيقومها ..

اشترك في نشرتنا البريدية