الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

ابن خلدون والشعر العربي

Share

ابن خلدون رجل قضى حياته مترددا متارجحا بين (( الخوض في احوال الملوك )) وبين (( بعث الهمة على المطالعة والتدريس )) ( 1 ) . وقد كانت ماساة حياته انه ابتغى النجاح فى الامور السياسية من دون ان ينقصه ذلك حظه من العلوم والبحث ، فهو لم يرد اغفال العلم ولا اهمال الرتب والسلطان ، وعلى كل حال فانا نستطيع ان نقول ان اعظم نجاحه كان فى جانب العلم وخصوصا فى مقدمته الشهيرة حيث ينتصر - فى عصور الانحطاط - العقل والتفكير والعمل على منهاج . ثم ان ابن خلدون قد اهتم فيما اهتم من الامور بالصناعات والعلوم وبكل شىء يرتكز عليه المجتمع . فخصص فى آخر مقدمته فصولا عديدة لعلوم اللسان العربى وقسمها الى اربعة اقسام : اللغة والنحو والبيان والادب وجعل فى الادب قسمين : المنظوم والمنثور

وانا لا نلاحظ فى هذا التقسيم العادى شيئا جديدا او ما يدل على منهج جديد . ذلك انا نشعر عند قراءة هذه الفصول ان ابن خلدون كان همه الاختفاء احيانا وراء ارباب الصناعة ، صناعة الادب فيذكر اراءهم ويحترم اقوالهم - فكانه يشعر بنفسه متطفلا على الادب والادباء فيفضل ان يعيد ما قال المتقدمون فى الموضوع ، والحقيقة ان كثيرا من المؤرخين وعلماء المجتمع يظهرون لعهدنا هذا قلة ارتياح الى الشعر ويعترفون بقلة ادراكهم لسره ان لم يتظاهروا باحتقاره . وان رجلا كابن خلدون كان يريد اول الامر ان يشهد فى مقدمته بوجود صناعة الشعر وان يصفها وصفا خارجيا كصناعة لا يحسنها ولكنها صناعة من الاهمية بمكان ، لها موضع عند العرب وشرف . فيلتجيء الى اختصاصى افريقى شهير ويقول : " وبالجملة فهذه الصناعة وتعلمها مستوفى فى كتاب العمدة لابن رشيق ، وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد ، ومن اراد استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب . . . " (2 ) كان الذى حضره منها فى هذا الموضوع لم يقنعه ولم يرضه ذلك انه كان يدور حول

الموضوع فى حيرة وتردد يرجع اليه فى فصول عديدة متفرقة منها ما يتكلم عن البلاغة ومنها ما يتكلم عن الغناء ومنها ما يتكلم عن اللغات ومنها ما يتكلم عن المنظوم والمنثور ، واول ما يعترف به لنا انه عسير جدا ان نجد للشعر حدا وافيا . والأمر عسير فى جميع اللغات وفى جميع البلدان وفى جميع العصور ! غير اننا نستطيع ان نضيف الى تلك الصعوية الطبيعية صعوبة ناتجة عن عصور الانحطاط التى نعد ابن خلدون احسن شاهد عليها . فلعل العرب لم يكونوا زمن ابن خلدون على بينة من شعرهم ولعلهم لم يكن فهمهم له واضحا جليا ، ولم يكن ابن خلدون رجلا ليفشل فهو يقدم على الموضوع ويحاول بابعاد كل ما ليس من الشعر فى شىء يحاول تحديد الشعر بذكر ما يناقضه ويخالفه على طريقة " ترك العلامة له علامة " فيقول مثل هذا : قولنا كذا هو فصل للشعر عن كذا " . وياتى بوصف عام لهذه الظاهرة العجيبة التى سماها العرب شعرا . " وهو فى لسان العرب غريب النزعة عزيز المنحى ( 3 ) " ثم نحن عندما نجد تحديدا كهذا : " فن الشعر المنظوم وهو الكلام الموزون المقفى ومعناه الذى تكون اوزانها كلها على روى واحد وهو القافية " .

لا يسعنا الا ان نبتسم ونحن لا نرضى عن هذا التحديد ونابى الا عظيم الامل فى ان يأتينا الكاتب بغير هذا التفسير .

ولا يانف الكاتب الرجوع الى القدماء والكلام السطحى ويحاول ان يحدد الشعر بوصف مواضيعه واغراضه واقسامه ومصطلحاته وسر اتقان صنعته الى غير ذلك من الاوصاف الخارجية . (( فاما الشعر فمنه المدح والهجاء والرثاء (4) )) وانك تجد مواضيع لاتطرق الا شعرا ( كالنسيب مثلا ) ومواضيع لا تطرق الا نثرا ( كالحمد والدعاء ) ويصف الظواهر والمصطلحات فيذكر فيما يذكر ان الشعر (( كلام مفصل قطعا قطعا متساوية فى الوزن متحدة فى الحرف الاخير تسمى كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا ويسمى الحرف الاخير الذي تتفق فيه رويا وقافية ويسمى جملة الكلام الى آخره قصيدة وكلمة وينفرد كل بيت منه بافادته فى تراكيبه حتى كانه كلام وحده مستقل عما قبله وما بعده . ( ٥ ) ومثل هذا الوصف كثير فى المقدمة .

وقد يذهب مذهبا آخر فيعطى نماذج متعددة فى مختلف اغراض الشعر وفنونه ، او ينصح على طريقة اهل هذه الصناعة ، المبتدئ المريد قول الشعر فينصحه ان يبدأ (( بالحفظ من جنسه اى من جنس شعر العرب )) لان (( من قل حفظه او عدم لم يكن له شعر وانما هو نظم ساقط . واجتناب الشعر اولى بمن لم يكن له محفوظ!..)) (6 ) فعوض ان يتكلم عن روح الشعر وعن عبقرية الشاعر وقريحته يذهب مذهب القدماء ويهتم بالظروف التي تحيط بهذه الصناعة : هل يحسن قول الشعر فى الصباح قبل الاكل ام في المساء بعد النزهه ويهتم بالشعراء المنتجين مثل ما يهتم الناس بتمرين الملاكمين او لاعبى كرة القدم او مثل ما يشتغل الناس بتربية الخيل وتهيئتها للسباق .

فكان الشعر صناعة سرية خاصة بالعرب ( وكثير من العرب ينفي وجود الشعر عند غيرهم من الامم ) (7 )  يتوارثونها ابا عن جد بالحفظ والرواية والكلام فى اغراض قارة على اساليب قارة فلا نستطيع ان نفسر كنه هذه الصناعة ولا ان نقف على سرها وانما نقرب ذلك تقريبا ونشاهد ذلك مشاهدة .

ولكنا رغم كل هذا - لا نضيع الامل فى ان يتجاسر الفيلسوف الاجتماعى الواصف للعلوم والصناعات فيترك ارباب كل صناعة ويتعداهم للتساؤل عن سر الشعر عند العرب مثلا وهو يرى ان كل حافظ لم يصبح شاعرا فحلا وان الناس قدموا امثال ابى نواس واخروا امثال المتنبى والمعرى وقد ذكر ابن خلدون ان(( الكثير ممن لقيناه من شيوخنا فى هذه الصناعة الادبية يرون ان نظم المتنبى والمعرى ليس هو من الشعر فى شىء لانهما لم يجريا على اساليب العرب من الامم )) ( 8 ) فانا نامل ان يخرج ابن خلدون من وراء هؤلاء الشيوخ وان ينصرف عن ارباب هذه الصناعة وان يحدثنا هو بنفسه .

واملنا لا يخيب لانا نجد بين السرد والذكر والاستناد على اقوال القدماء تفكيرا وتساؤلا ومحاولة تجديد . فهو يتجاسر احيانا ويذكر رايه الخاص وانى اود ان اذكر قصته مع الشريف ابى القاسم قاضى غرناطة لابين عقليته هذه . قال ابن خلدون : (( وكان شيخ هذه الصناعة ( نلاحظ رجوعه المستمر الى اهل الادب ) اخذ بسبته عن جماعة من مشيختها واستبحر فى علم اللسان

وجاء من وراء الغاية فيه ( نلاحظ احترامه للقدماء والاختصاصيين ) . فسالته يوما : ما بال العرب الاسلاميين اعلى طبقة فى البلاغة من الجاهليين - ولم يكن ليستنكر ذلك بذوقه ؟ فسكت طويلا ثم قال لى : والله ما ادرى ! فقلت : اعرض عليك شيئا ظهر لى فى ذلك ولعله السبب فيه )) (9) ثم ذكر ابن خلدون لقاضى غرناطة تاثير القرآن والحديث والادب الاسلامى فى المتاخرين من الشعراء وذكر ذلك فى حشمة وحياء بينما ابن قتيبة قد تجاسر فى القرن الثالث فاظهر ان المتاخرين اعلم من المتقدمين اذ اضافوا الى علوم القدماء علومهم الجديدة الخاصة وزاد ابن خلدون اعجاز القران وما ادخله على تهذيب الذوق الاسلامى حتى اصبح شعراء الاسلام احسن من شعراء الجاهلية . فقال له قاضى غرناطة : (( يا فقيه هذا كلام من حقه ان يكتب بالذهب !))

فرغم تردد ابن خلدون واحترامه للرواية والنقل والتوارث عن المشيخة وعلى احترامه لاهل الصناعة فانه يدخل نظرية (( اهل الذوق )) ويدخل نظرية الواقع والمحسوس .

ويشعر ابن خلدون احيانا انه لا يوافق ارباب الادب والعروضيين فى نظرتهم للشعر ويشعر ان (( حدهم ذلك لا يصلح له عندنا )) (10) فيهتم بالشعر  كمؤرخ للمجتمع ويهتم به كمستهلك يسمع الشعر ويحكم فيه بذوقه . ويحاول تحديد هذه الصناعة بذكر امثلة محسوسة مقتبسة من الصناعات الاخرى . يذكر من بين الصناعات اليدوية صناعتين يرجع دائما اليهما وهما مثال البناء يرص الحجارة رصا فى قالبه )) ومثال (( النساج ينسج على منواله )) - ثم هو يلاحظ ان الشعر يصل الينا فى كثير من الاحيان لا لانه جيد فى حد ذاته ولا لقيمته الفنية الحقيقية بل (( على نسبة الجودة ومكان الشعراء من قومهم )) فانه انما كان يتوصل الى تعليق الشعر بالكعبة من كان له قدرة على ذلك بقومه وعصبيته ومكانه فى مضر )) (11) فهذا موقف حسن للمؤرخ الذى يرى شهرة الشاعر او الكاتب تكون فى كثير من الاحيان - كما نراه لعهدنا هذا - متصلة بادبه ومتصلة بمنزلة وطنه ايضا ومنزلة بلاده من بين البلدان .

ثم هو يهتم كمؤرخ بالشعر البدوى فى عصره ( الذى نسميه الآن ملحونا ) ويدافع عنه ويحاول ان يجد له موضعا بين الفنون . ويقول : (( ولهؤلاء

العرب فى هذا الشعر بلاغة فائقة وفيهم الفحول )) ويلاحظ ان كثيرا من النحاة المتاخرين ومن رجال العلوم يستنكر هذا الشعر ويستقبحه لفقدان حر كات الاعراب وعدم احترام قواعد النحو ، وابن خلدون يحب مثل هذا الشعر ويحكم ذوقه فيه ويصفه ويذكره وهو فى كل ذلك تقدمى النزعة تجديدى النظرة يدخل فى قيم الادب العربى مسالة الذوق والطرب واللذة ويتكلم ابن خلدون فى مكان آخر عن اللذة ويطيل : وهى عنده (( ادراك الملائم وضدها الالم وهو ادراك ما كان منافيا للمدرك منافرا له .

فهو يشعر من جهة بان الرواية والحفظ والتعليم ومعرفة ايام العرب شروط مستحسنة ولكنها غير كافية وبان الشعر ليس (( قياسا )) وانما هو (( هيئة )) تنشا فى الاذهان ويحاول الشعراء تبليغها وابرازها باللفظ والنظم . (( فان مؤلف الكلام هو كالبناء او النساج والصورة الذهنية المنطقة كالقالب الذى يبنى فيه او المنوال الذى ينسج عليه  (12)

وهو يدخل من جهة اخرى مسالة الذوق والحس والشعور ومسالة الالم واللذة ويربط الشعر بالفنون عامة وبالغناء خاصة . فلقد ذكر - بعيدا عن الفصول المخصصة للشعر - كلاما رائعا فى هذا المعنى - ( واما العرب فكان لهم اولا فن الشعر يؤلفون فيه الكلام اجزاء متساوية على تناسب بينها فى عدة حروفها المتحركة والساكنة ، ويفصلون الكلام فى تلك الاجزاء تفصيلا يكون كل جزء منها مستقلا بالافادة لا ينعطف على الآخر ويسمونه البيت ، فتلاؤم الطبع بالتجزئة اولا ثم بتناسب الاجزاء فى المقاطع والمبادىء ثم بتادية المعنى المقصود وتطبيق الكلام عليها ... )) (13) ثم من بعد : (( ولم يكن الملذوذ عندهم الا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذى هو ديدنهم ومذهبهم )) (14) وفى مكان آخر : ((وكان الغناء - فى الصدر الاول - من اجزاء هذا الفن لما هو تابع للشعر - اذ الغناء انما هو تلحينه )) (15) فهذا مشكل ارجاع حق الموسيقى لها وارجاع حق الشعر للشعر . فمن الناس من يرى ان الشعر موسيقى بالطبع لا يحتاج الى التلحين ولا يزيده التلحين شيئا ومنهم من يرى ان الموسيقى تتمم الشعر وتعطيه حقه . ولعل احسن تحديد وصل اليه ابن خلدون هو هذا : (( الشعر هو الكلام البليغ المبنى على الاستعارة

والاوصاف المفصل باجزاء متفقة فى الوزن والروى مستقل كل جزء منها فى غرضه ومقصده عما قبله وبعده ، الجارى على اساليب العرب المخصوصة به .)) (16) فهو يرى انه وفق فى تحديده هذا بين ذوقه وعلمه ، بين ما يشعر به شخصيا وبين ما سمعه من شيوخه .

وبعد فالشعر مصطلح من مصطلحات العرب وكل مصطلح ينبغى لنا ان نفهمه فى عقلية من وضعه ، فالذين وضعوه اعجبوا بالشعر اعجابا بعيدا ولهجوا به ، ولقد اتفق القدماء والمحدثون على مكانته عندهم وان لم يتفقوا على قيمته وفهمه . وقد ذكر ابن خلدون نفسه رايه فى ذلك فقال : (( ان فن الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب ولذلك جعلوه ديوان علومهم واخبارهم وشاهد صوابهم وخطئهم واصلا يرجعون اليه فى الكثير من علومهم وحكمهم )) (17) فاهتمام العرب باشعارهم وجعلها (( ديوانهم )) و (( بضاعتهم )) واعجابهم بها ليس من باب الخبط ولا من قبيل الخطأ ولئن عد بعض العرب شعرهم خاصا بهم لا تشاركهم فيه الامم الاخرى فى حين ان العلماء والمؤرخين لاحظوا ان للامم الاخرى اشعارا قيمة وفى حين ان ابن خلدون يقول : (( لما كان الشعر موجودا بالطبع فى اهل كل لسان )) (18) فليس موقف العرب هذا عن جهل او عن تعصب وانما لانهم يرون فى هذا اللفظ الذى اصطلحوا عليه للدلالة على الشعر اكثر مما نراه فى الاشعار الاجنبية وفى المصطلحات الاجنبية التى تدل على هذا الفن . فكلمة (( فقه )) او (( موسيقى )) او (( فلسفة )) انما هى مصطلحات خاصة بلسان واحد وحضارة واحدة ولاتدل على معنى مطلق مشترك بين الشعوب ، فالموسيقى عند الغربيين هى الموسيقى العامة والموسيقى عندنا هى الغناء وتلحين الشعر والفلسفة عند الغربيين هى الفلسفة العامة والفلسفة الاسلامية او الحكمة المشرقية هما شئ آخر . وعلم الفقه عندنا لا مقابل له عندهم ولا نظير ، الى غير ذلك من الامثلة ، فلكل لسان مصطلحاته ولكل حضارة مكوناتها . فالعرب القدماء كانوا يعدون الشعر نوعا من التعبير خاصا بهم لا يشبه آداب الاجانب ونظمهم .

فالشعر عندهم الفن الاول او الفن الكل الجامع الشامل فهو اصل التعبير وانما سائر الفنون المستظرفة تابعة له منحدرة عنه .

والعرب القدماء يفرقون فى مصطلحاتهم بين الراجز والشاعر وبين الاشعار والاراجيز ولك ان تنظر فى كلام العرب اذ تجدهم يقولون تارة (( انشأ )) فلان يقول او انشد يقول وتارة اخرى (( ارتجز )) فلان او (( ارتحل )) . والحق يقال ان بحوثنا فى هذا الموضوع من الناحية اللغوية او الادبية او التاريخية ضئيلة قليله مبتدئة . ولا ندرى ما نستطيع ان نستخلصه من المقارنة بين المصطلحات وهن تحديد الالفاظ ولكن كل ما نراه على البديهة ان القصيدة شئ والرجز شئ اخر ، وللرجز موضع وله مقدار وللشعر موضع وله مقدار ، ولقد اشتهر اناس بالرجز واشتهر غيرهم بالشعر .ومعركة بشاربن برد مع عقبة بن روبة بن العجاج شهيرة يعرفها ارباب هذه الصناعة . والرجز من العاب العرب القديمة لاندرى كيف نشات . نجدفى الاغانى مثلاخبرا قصيرا مفيدا ،((فلما اصبحنا جعل العرب ياتون ارسالا حتى اجتمع منهم بشر كثيروحضرت واصحابى فاذا جميل قد جاء وعليه حلتان ما رايت مثلهما على احد قط فتراجزا فرجز جميل )) (19) فجميل يتزين كما يتزين الناس نهار العيد ويتراجز الناس كما يتسابقون فيسبق احدهم الاخرين . وذكر ابن قتيبة موضوع الرجز قديما فقال : (( انما يقول الرجل البيتين او الثلاثة اذا خاصم او شاتم او فاخر )) (20)

اما الشعر فهو كالسحر يربط الانسان بما وراء المادة ويوسع من طاقته ويفتح له افاقا ليس كمثلها شىء . كلما وجد الانسان نفسه وحيدا امام العالم الكبير والكون الشاسع التجأ الى شىء يفوق طاقته فلاذ بالشعر والسحر والطلاسم والآلة والسلاح ، والعرب قد ربطوا الشعر بالبحر ( الى جانب ما فى الكلمتين من شبه ) . فلقد قال بعضهم فى الاغاني : (( انى لاروى لكثير ثلاثين قصيدة لو رقى بها مجنون لافاق )) (21) وجعلوا كل شاعر شيطانا او تابعة تلهمه وتنفث على لسانه فنا بديعا ، ولنا فى ذلك مئات القصص اذكر منها نتفا قليلة . حدث السيد الحميرى قال : " رايت النبى (صلعم) فى النوم وكانه فى حديقة سبخة فيها نخل طوال والى جانبها ارض كانها الكافور ليس فيها شىء. فقال : اتدرى لمن هذا النخل ؟ قلت : لا يا رسول الله . قال: لامرئ القيس بن حجر ، فاقلعها واغرسها فى هذه الارض ! .. ففعلت .

واتيت ابن سيرين فقصصت رؤياى عليه فقال : اتقول الشعر ؟ قلت . لا . قال : اما انك ستقول شعرا مثل شعر امرىء القيس الا انك تقوم فى قوم بررة اطهار - قال : فما انصرفت الا وانا اقول الشعر . )) (22) وحدث اسحق الموصلى قال : (( رايت فى منامى كان جريرا جالس ينشد شعره وانا اسمع منه . فلما فرغ اخذ بيده كبة شعر فالقاها فى فمى فابتلعتها . فاول ذلك بعض من ذكرته له : انه ورثنى الشعر )) (23)

وللشاعر عند العرب دور اجتماعى هام فالقبيلة التى لم ينبغ فيها شاعر او لم يشتهر فيها ساحر او لم يعرف فيها حكيم قبيلة منقوصة عليها الخزى والعار . فلقد ذكر فى هذا الصدد ان الوليد ابن عبد الملك قال عن عدى بن الرقاع : (( شاعرنا ومادحنا والراثى لامواتنا )) (24) فكانه جعل له وظيفة اجتماعية قارة . ولقد قيل انه ساب رجل من بنى عبس عنترة بن شداد فذكر سواده وسواد امه واخوته وعيره بذلك وبانه لايقول الشعر (25) فكانها نقيصة .

ثم ان كل شعر انما هو قومى بالطبع مختص باللسان الذي قيل فيه فهو خلاصة لعقلية قوم وعبارة عن حضارتهم وطباعهم واخلاقهم ومعاشهم وانه عسير على غيرهم الوقوف على سره . ولقد وقف قدماء العرب على هذا المعنى فذكروا فى ذلك قصة كسرى وقالوا : انه سمع يوما الاعشى ميمونا ينشد:

ارقت وما هذا السهاد المؤرق                     وما بى من سقم وما بى معشق

فاستفسر كسرى البيت فقالوا له : ذكر الشاعر انه سهر من غير سقم ولا عشق . فقال كسرى : ان كان سهر من غير سقم ولا عشق فهو لص ! (26)

الشعر عند العرب الفن الذى يلائم على احسن وجه حضارتهم ويوافق اقليمهم ومعاشهم . ففى حين ان الشعوب تبنى المدائن وتشيد القصور وتحصن الابراج وتقيم الاهرام وفى حين ان الامم تصور على جدران الغيران والكهوف وتنقش على الحجر وتنصب التماثيل والدمى وفى حين ان الامم تهئ الروايات التمثيلية وتنشىء المسرح والمرقص والموسيقى الآلية فكان قدماء العرب

جمعوا كل هذه الفنون المختلفة فى الشعر فجعلوا منه كل فن يذكر وسموه (( بضاعتهم )) (( وديوانهم )) وقال شاعرهم جرير عن نفسه : (انا مدينة الشعر) وشبهوا أشاعرهم بالطراز والاردية والقماش الملون . فكان العرب لم يستطيعوا نظرا لطبيعة بلادهم وكثر ترحلهم وانتقالهم فى الفيافى والقفار ان يسلموا تراثهم العزيز للبناء او الرسم او النحت ففضلوا ان يحملوه خفيفا معهم فى تنقلاتهم وجمعوا كل فنونهم وكل اثاثهم فى هذا الشعر الذى لا يستدعى لا حجرا ولا خشبا ولا اقمشة فبنوا البيوت فى اذهانهم وفتحوا مصاريعها ونصبوا اوتادها وشدوا اسبابها فنابت له عن الرقص والهندسة والمسرح والرسم وكل فن سواها .

والشعر كالمثل سيار للخاصة فيه قول وللعامة به اهتمام اشتركت فيه جميع العرب فكون ذوقها ووحد همتها فهو كالمسجد الجامع او كالكاتدرائية العظمى يشيدها الشعب للشعب ، وهو يصور تاريخ العرب ، يصور ابطالهم ويرسم وقائعهم وغزواتهم ويصف بلادهم ومناخهم وطبيعتهم مثل ما يفعله الرسامون فى الغرب بخطوطهم والوانهم ولوحاتهم .

فيبدو من هذه العجالة كان الرجز اصل كل شعر وكان الشعر اصل كل فن وخلاصة كل نوع من انواع التعبير . هذا موقف العرب القدماء من الفنون عامة ومن الشعر على الخصوص وان البحث فى اصل الشعر العربى ونشاته وتحديد مفهومه مازال - رغم محاولة ابن خلدون مترددا بين ما سمعه عن شيوخه وما يمليه عليه ذوقه وملاحظاته - مازال بحثا مبتدئا ناشئا ينبغى ان تتظافر فيه الجهود وان يفكر فيه المفكرون .

ولن نختم القول بأحسن مما ختم به ابن خلدون مقدمته . فالجملة الاخيرة منها تدل على عقلية ابن خلدون وشغله وامله وماساته وهى : (( ولعل من ياتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على اكثر مما كتبنا فليس على مستنبط الفن احصاء مسائله وانما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه ، والمتاخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا الى ان يكمل والله يعلم وانتم لا تعلمون ))

اشترك في نشرتنا البريدية