لمدينة المسيلة فضل لا ينسى على نابغتها الحسن بن رشيق ، ومن حقها ان نقف عندها وقفة لا بد منها لنسوق المادة ونتعرض فيها لذكر نشاتها ووصف حالها فنقول : هذه المدينة تقع في مكان مرتفع عن سطح البحر بسبعين واربعمائة متر شمال شط الحضنة وتدعى فى القديم باسم ) زابى ( الرومانى وكانت تابعة لمدينة طبنة التى كانت عاصمة الزاب واسمها الرومانى ) توبونى والتى لم يبق من اثارها الا اطلال تبدو للرائى على نحو اربع كيلومترات جنوبى مدينة ) بريكة ( ، ينسب اليها العالم الكبير ابو مروان بن زيادة الله الطبنى الذى رحل الى الاندلس ونشر علمه بها ، وانبعثت المسيلة فى مظهر جديد وباسم اخر غير الذى كان لها على يد مؤسس امارة بني حمدون على بن حمدون الاندلسي وذلك بامر من الامير الفاطمي محمد بن عبيد الله الذى تولى تخطيط عمارتها برمحه وهو على صهوة جواده بعد ان عهد لابن حمدون ان يجلى كافة قبيلة بني كملن البربرية التى كانت تحتلها ، وينقلهم الى القيروان وبجلائهم تمت عمارة المدينة ، واصبحت عاصمة اقليم الزاب بعد تحويل الادارة اليها من مدينة طبنة واطلق عليها اسم المحمدية نسبة الى مقترح تجديدها ، ولكن هذا الاسم لم يدم طويلا فقد تناساه الناس باستعادة سمها المتقدم ، ومن جملة من تحدث عنها باقوت الحموى فى كتابه ) معجم البلدان ( فقال : ) المسيلة هى المحمدية ، والمحمدية من اعمال برقة من ناحية الاسكندرية ( . وهو خطا كنا نحل صاحبه وننزهه عن ان يقع فى مثله وقد عودنا التحرى والثقة فيما يكتب ، والا فاين الثربا من الثرى . كيف ؟ وهي لا تبعد كثيرا عن العاصمة الجزائرية اذ المسافة بينهما لا تتجاوز المائتى ميل
وسرعان ما تبحر عمران المسيلة بفضل عناية اميرها ومؤسسها الحمدوني يقصدها اهل العلم وطلابه لما توفر فيها من هيات علمية ، ويتدفق عليها زمرا ارباب التجارة واصحاب الحرف من كل جانب ، وبتوالى الابام تركزت فيها أسس الحضارة ودعائم التمدن فى اقليم يتحلى بجمال الطبيعة وطيب المناخ واذا كان سكانها اكثرهم عربا فقد مضوا على سليقتهم ينظمون الشعر الفصيح والشعبى ، ويرسلون الامثال والحكم
وفى هذا الوسط نشا الحسن بن رشيق الذى نحتفل بذكراه في هذا المهرجان السعيد
ولد ابن رشيق فى حجر رجل لم يكن من الصدور ولا من الاعيان ذوى الاعتبار لانه مولى من الموالى ، ولا من طبقة المتحررين همهم دائما فيما هم فيه فى الشغل ، يلتزمونه ولا يتعدونه ، وواضح ان يقتدى الولد بايبه فيها هو بسبيله إلى جانب ما يتلقاه من تربية وتثقيف وهكذا مضى الفتى يتخطى المراحل فى جو ساحر تعددت فيه مظاهر الحياة فى شتى الوانها ، واوقاته بين منابع المعرفه وبين الاختلاف الى دكان الصياغة يتلقى من اسرار المهنة المقدار الذى يؤهله لمواجهة كلف الحياة عسى ان يكون عونا لأنه الحاجة اليه فى ذلك .
وتحضرنا هنا اسئله يحسن سوقها مع العلم بان المجيب عنها غير حاضر ولا معروف نتساءل كيف تم تعلم هذا الفتى ؟ وعلى من كان يتلقى ؛ ومن اترابه وزملاؤه الذين رافقوه فى الطلب ونالوا معه حظا يقل او يكثر ؟
اسئله ملحة لا نجد من يشفى الغليل ويجيب عنها للاسف الشديد نقول هذا بعد ان فرعنا من الرجوع الى المصادر التاريخية التى تحدثت عنه فلم نجد عندها عنى ، انها سكتت فى هذا الجانب و لم تتعرض له لا من قريب ولا من بعيد ، ولم فعلت لوجدنا فيها مادة نستوحى منها ما سعفنا في استجلاء اكتنفت حياته الاولى فى مسقط راسه من عادات وسلوك . . فراغ لو ملىء لكان لنا نبراسا نهتدى بضوئه لنصل الى بغيتنا مما نتساءل عنه
وايا ما كان الامر فالذى يبدو لنا من حاله ما نكاد نركن اليه هو انه كان يتمتع بذوق شفاف جعله يتذوق حلاوة الادب ويميل الى اهله منساقا الى معاشرتهم ، ياخذ عنهم ويسمع ما يدور بينهم من مطارحات ونقاش ، فكان ذلك بداية تفتح وانطلاق ، ولعل ابرز ما ملأ سمعه وألب شعوره ذلك الاثر البعيد
الذي خلفه شاعر المغرب الكبير محمد بن هانئ فى اوساط المجتمع المسيلى ، بما كان يرسله من نفثات فى قصائذ يمدح بها امير البلد جعفر بن على الاندلسي حينما وفد عليه راغبا فى البقاء بجواره ومن ذلك قوله من قصيدة رائية :
المدنفان من البرية كلها جسمى ، وطرف بابلى احور
والمشرقات النيرات ثلاثة الشمس والقمر المنير و ) جعفر (
نعم ، ان ابن هانئ طير قصائده تلك فى كل رجاء من ارجاء اقليم الزاب تنشده المحافل ويلهج بالتنويه به كل لسان صيت جلجل مدويا حينا حتى ادرك منشا ابن رشيق ولداته من ابناء القوم
والحديث عن ابن رشيق يسلمنا الى النظر من جديد فيما قيل عن اصل ابيه ، هل هو من ابناء الروم دفعت به الاقدار لان يقع مملوكا فى يد احد ابناء العرب من قبيلة الازد ثم ادركه العتق بعد ذلك فانتقل به الى حياة حرة تربطه بنسب جديد بنال عن طريق الولاء فيصبح واحدا من افراد تلك القبيلة كما هو المشهور عنه ؟ او كان هذا الرجل عربيا صريح النسب لحما ودما تجنت عليه الرواية بالذى سجلته عنه خطا فالحقته بما هو بعيد عنه ؟
الحق الذى لامراء فيه هو ان اصله من الروم كما ذهبت اليه المصادر التى ذكرته فقد اتفقت كلها على اثبات نسبته تلك ، وتناقلها اللاحق عن السابق واصبحت قضية مسلمة عند الناس كل يقول : ان رشيقا من اصل رومى وما لنا نذهب بعيدا والخبر اليقين عند ابن رشيق نفسه فهو يسجل بقلمه هذا النسب ويقول معرضا بخصمه ومنافسه ابن شرف وكانه ينسبه الى غير رشده يقول عن ابيه ) رضيت به روميا لا دعيا ولا بدعيا . . ( والقصة ان ابن رشيق لقى ابن شرف فى الطريق وهو يحمل فى يمينه كتابا ، فاراد ان يتهكم به ويفل من حده ووجه اليه سؤالا هو هذا بالنص : ما فى كتابك ؟ فتفطن ابن شرف الى ما يقصد واسرع بجواب قصير لاذع حصره فى قوله : الدريدية . مشيرا الى مقصورة ابن دريد التى جاء فيها هذا البيت
واللوم للحر مقيم رادع والعبد لا يردعه الا العصا
فرماه ابن رشيق فى الحال بالبيت التالي الذى ارتجله
اما ابى فرشيق لست انكره قل لى ابوك ؟ وصوره من الخشب
يعنى يعرف الا بامه شرف ( واين ابوه وفي عبارة ( لست انكره ) كفاية لمن يتدبر
هذا ، وعن القول بان اهل رشيق عربى لان هذا الاسم ) كان شائعا في القبائل العربيه التى انتشرت فى انحاء المغرب ( فهو راي ارتاه بحاثة شهير هو المرحوم الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب طيب الله ثراه ، نقله عنه صاحبا كتاب عصر القيروان ( فهما يقولان بالحرف الواحد : ) ان ابن رشيق ليس من اصل رومى ، وليس ابن مملوك كما شاع عنه فى كتاب تاريخ الادب وانما المرجح انه من اصل عربي ، لان اسم رشيق هو اسم عربي محض كان شائعا فى القبائل العربية التى انتشرت فى انحاء الغرب ) ( عصر القيروان ( ص . 97 . المطبوع بتونس بدار المغرب العربي
هكذا يذهب الاستاذ المرحوم ويعتمد في ذلك على شبوع اسم ) رشيق ( بين القبائل العربية ، ونحن نقول له : نعم ، الصواب في كون العديد من العرب تسموا بهذا الاسم وعرفوا به ، فهذا الحسن بن رشيق سمى صاحبا وهو من علماء الحديث الشريف ، وهذا عبد الرحمان بن رشيق الاندلسي صاحب المعتمد بن عباد الملك الشاعر وهذا احمد بن رشيق الذي ذكرى ياقوت فى الجزء الثالث من كتابه ) معجم الادباء ( وهناك رشيق بالتصغير اسم زاهد مصرى قديم ، ورشيق ايضا جد الفقيه المغربي عبد الله بن رشيق
نقول ولكن هذا الرأى لا يكفى فى الحكم على شخص بانه من سلالة قوم كذا لمجرد تسميته باسم من الاسماء التى تشيع بين افراد قوم كذا وماذا نقول فى اسماء عربية اطلقت على اشخاص ثبت انهم ليسوا من العرب مثل الصحابين سلمان وهو فارسى وصهيب وهو رومى ومثل الشاعر على بن العباس الشهير بابن الرومى ، وعبد الله بن المقفع الكاتب وهو فارسي ، ومحمد بن طرخان الفارابى الفيلسوف الفارسي وغيرهم وغيرهم ؟
ولاجل هذا الذى ذكرنا نميل الى ان ) رشيقا ( كان يحمل اسما اخر من اسماء الروم قبل ان يقع رقيقا فى يد سيده الازدى وعدل عنه الى الاسم الذى وضع له من بعد وصار معروفا به فى التاريخ جريا على عادة العرب في اطلاق اسماء جديدة عربية على المماليك الذين صاروا اليهم لتجيء عوضا عما سماهم به اباوهم ، على انهم كانوا يتفنون فى ذلك ويختارون لهم اسماء لامعة تنشرح لها صدورهم عند سماعها او المناداة بها وخاصة اذا وافقت صفات محمودة من خلق وخلق فيهم ، ولعل والد شاعرنا كان من هذا القبيل
فاحتار له مالكه اسما ينطبق على صفاته فسماه رشقا ويضاف إلى ذلك عادتهم فى الترفع عن امتهان الحرف وترك امرها الى غير العربى ينفرد بها ويتولى تعاطيها ومهنه الصياغه وان كانت معتبرة عند القوم فنرجح انها يجرى
علينا ما حرى على اشكالها واذن فالجنوح الى القول بعروبة رشيق هو قول يعوزه الدليل ، ولا يوافق عليه متامل ، والحديث يساق عن رشيق الصائغ الذي لا يجري ذكر اسمه على لسان احد الا عندما يقرن باسم ولده العظيم
واذكر ان الناس تواطؤوا على نسبته الى مدينة القيروان غير ملتفتين الى بداية امره ، فى نشاته الاولى وايام كان يمرح تحت سماء جادت عليه بصفاء الذهن وجودة القريحة وبالذوق السليم والخاطر المتحفز ومهدت له السبيل ليتبوأ منزلة مضى فيها مزاحما للفحول من رجالات العلم والعرفان بما انشا وبما الف عند بلاد اشرعت اليه ذراعيها واحتضنته بكلتا يديها ، وامدته بوافر ما عندها من فضل ، وذلك حينما القى فيها عصا ترحاله ووجد فيها ركنا شديدا اوى اليه . وحضرات السادة والسيدات يعرفون ما هى البلاد انها القيروان وليس ثمت غيرها .
قلنا تناسي الناس هذا الجانب ولم يعودوا اليه حين يذكرونه ، ومن حق المدينة التى ابصر فيها النور وذاق لذة اطايبها ان تذكر الى جانب اسمه فى كل حال فهو المسيلى اولا والقيروانى ثانيا وبذلك نشترك الاختان فى انتسابه اليهما معا ، وان كان حظ القيروان فيه اووفر وارسخ على ما فى كل منهما من ميزة واختصاص
ولكي لا سبق الى الظن اننى اذهب الى التفصيل بين نسبة ونسبة ، ابادر فاقول : كلا ! فكما ان مدينة القيروان عزيزة علينا وحبيبة إلى نفوسنا ، فكذلك مدينة المسيلة هى عزيزة علينا وحبيبة الى نفوسنا فهما اختان شقيقتان نكبر امرهما ، ونعتبرهما .
واذا شاركت المسيلة شقيقتها فى بعض ما زخر من امجاد فلانها هى الاخرى كانت تزهو بفئات من اهل العلم والادب نذكر اثنين منهم على سبيل المثال قاضيها عبد الله بن طاهر الذى رثاه ابن رشيق بمرثية باكية عندما بلغه نعيه جاء فيها قوله :
. توفى الطاهر القاضى فوا أسفا ان لم يؤس تباريحى واوجاعى
فللديانة فيه لبس ثاكلة وللقضاء عليه قلب ملتاع
ثم علامتها ابو على حسن بن على المسيلي صاحب التاليف الجديدة منها كتابه الجليل ( التفكر فيما اشتملت عليه الصور والايات من المبادىء والغايات ( نحا فيه منحى ابى حامد الغزالي فى كتابه ) احياء علوم الدين ( ذكره الغبريني في كتابه ) عنوان الدراية فى ذكر علماء بجاية ( وقال عنه : " انه
كتاب سلك فيه مسلك الغزالي فى كتابه الاحياء وبه سمى ابا حامد الصغير وكلامه فيه احسن من كلام ابى حامد واسلم
والغبريني البجائى عالم ناقد يعنى ما يقول ، وهذا فى ماضى المدينة اما فى حاضرها فان بها بقية طبع افرادها على نظم الشعر ولكن فى الادب الشعبى وقد جاء بالمعجب المطرب ، يعرفه من زار المدينة وتردد عليها وراى كيف يتبارى القوم هناك فى هذا الضرب من النسيج الشعبى المطرز اكثره بالحكمة وضرب المثل ، وذلك نتاج البيئة ووحى المحيط الذي عرفه قبلا الفتى ابن رشيق
لم يطمئن صاحبنا الى تمديد اقامته فى المسيلة فقد خف مهاجرا الى ٣ ى القيروان قالوا : ليواصل اخذه عن علمائها ويحتك بادبائها فيضيف ما نقصه فى بلاده من التحصيل وهو الخبر المعروف الذى تلقيناه عن المؤرخين الذين عنوا به وترجموا له ، ونحن نشعره عند هذا بوجود بواعث اخرى لم نجدها عند هؤلاء ، كيف يحدث له هذا فجأة ؟ وكيف يقفز خبره من ضفة الى ضفة دون ان يمر على الجسر ؟ وخاصة اذا كان فى سعة من امره ، يغدو ويروح فى بهجة من العيش تحت ظل ابيه صائغ الذهب ؟ هذا هو السر الذى اعوزنا لتعلم حاله .
ويحلو لنا ان نزيد من التساؤلات عسى ان نجد معها ما يحلو من شانه ، فهل غادر المسيلة وهو ينوى ان يعود اليها ليخلف من سبقه بها الى نشر المعرفة وبث العلم ؟ وهل تم له السفر مع رفقة من لداته اتحدث اهدافهم وائلف هواهم مع هواه ؟ وكيف كان يحصل معاشه فى اول عهده برؤية القيروان ؛
اسئلة أثارها فى النفس ما تكاتف من غموض مرت عليه المراجع التاريخية مرا ولم تقف عنده ومن يدرى فلعل ما لم يصل الينا منها تعرض لتبديده ولم يتيسر لنا الاطلاع عليه ، اما لكونه مفقودا او فى حكم المفقود . . من يدري :
وكيفما كان الحال فالذى يتبادر الى الذهن هو ان فراقه لمسقط راسه حصل عن الجزم بعدم العودة اليه ولماذا يعود ؟ وهو يريد ان يبلغ منزلة طالما هفا خاطره نحوها ومنى نفسه بالوصول اليها ، تلك الحياة المترفة التى كان يحياها كبار العلماء والشعراء فى بلاط المعز بن باديس ملك البلاد وقد تم ما اراد بفضل ما كنزه من ثقافة تركزت جذورها فى أصول علمية وأدبية تلقاها عن امثال ابن ابى الرجال السيانى شاعر البلاط وكتابه صاحب الابيات الراقصة التي يرويها صاحبنا فى العمدة قالها وهو ينزع ويتشوق الى اهله بالقيروان وهى هذه :
ولى كبد مكلومة من فراقكم اطمنها صبرا على ما اجنت
تمنتكم شوقا اليكم وصبوة عسى الله ان يدنى لها ما تمنت
وعين جفاها النوم واعتادها البكا اذا عن ذكر القيروان استهلت
كما تلقاها عن شيخ اللغة وامامها محمد بن جعفر القزاز، وعن الاديب الكبير عبد الكريم النهشلى، وعن عبد العزيز الخشنى الضرير والحصرى القيروانى الاديب الشاعر.
وفي ظنى ان ابن رشيق لم يتوجه وحده الى القيروان، وانما كان ضمن جماعة من اقرانه يرغبون مثله فى لقاء الصدور من العلماء والا لما اقدم على مغامرة لا يدرى ما وراءها من المفاجات والمباغتات ولكن الله سلم، وسرعان ما اكتحلت عيناه بجلال المدينة وبهائها .. المدينة التى كان يحلم برؤيتها ولا ريب، وفيها تهيا له ان يستانف حياة غير التى الفها فى المسيلة فمن الذى كان يعينه ويمونه؟
اغلب الظن انه كان فى بدء امره يعتمد على تعاطي مهنته التى تلقاها عن ابيه ويبدو انها كانت مهنة تحتل مكانة معتبرة بين مختلف انواع الحرف.
وفي شان رفعة مهنة الصياغة عندى يعتبرها يحضرنا خبر عن حادثة وقعت في عهد الخليفة الفاطمي اسماعيل المنصور، وذلك ان شابا من ابناء صاغة القيروان قام بتمرد ثار فيه على الخليفة وزعم انه الامام القائم بالحق، اقلق بال المنصور المتمرد الثبات امام ذلك الجيش، ووقع اسيرا فى يد ابن حمدون وكانت الخاتمة ان امر الخليفة بسلخه حيا، وفي ذلك يقول شاعره احمد المروزى من قصيدة:
... عجبا لمعتوه يحدث نفسه بوساوس فيها شقاوة جده
عاداك وانسلخ الشقى من الهدى.
حتى امرت بسلخه من جلده
وفى هذه الحادثة دلالة على ان للصاغة فى تلك الحقبة قيمة لا تنكر والا لما اقدم فتى من ابنائهم على مثل ما قام به. هذا - ولا يبعد ان يقبل ابن رشيق فى اول عهده بارض لم يكن رآها من قبل على الجمع بين الحسنيين: العمل والطلب.
وليس من شك فى ان خاطر هذا الفتى لم يفتأ يحوم حول مغاني المسيلة ويذكر ما قضاه بها من ايام ذاق فيها حلاوة العيش ولذة السعادة ويستعيد ذكرياته التى بدا فيها يشدو من الادب ما اطلق لسانه بالتروض على نظم الشعر
يصف به روائع ما يرى من محاسن بلاده وخاصة واديها الذي يجود بماله المتدفق الرقراق ويسوق الخير والبركة لاهل تلك الربوع، وقد كان يعرف فى القديم باسم ( وادى القصب ) ومن وصفه له قوله:
تحكى غواربه غوارب بزل جاءت بغير قوادم وهوادى
ثم لا يترك هذا الخاطر منظر اطياف الصبايا ذوات القدود الهيف، والاعين النجل الى البياض المشرق الناصع، وهن يرفلن حول هذا الوادى تيها ودلا بما عهد فيهن من ملاحة وسحر وكان صاحبنا عنى احداهن ببيت قراناه فى قصيدته النونية التى اظهر تفجعه فيها على ما حل بالقيروان من نكبة كادت تؤدى بمعالمها، ويصف فى لوعة واسى ما لقيته حسانها من تنكيل وتشريد والبيت هو هذا:
خود مبتلة الوشاح كانما قمر يلوح على قضيب البان
وبعد، فصحبة ابن رشيق تدعونا لان نرافقه الى هناك ... الى المهدية وصقلية، ولكن بعد الشقة تركنا نفكر فى الوقوف هنا ... صاحبة الفضل عليه، ونعم ما فعل.

