الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

ابن رشيق وابن شرف، وآتجاهاتهما الشعرية

Share

1 - ممارسة الشعر والنقد :

قال ابن خلدون فى مقدمته " ما كان بافريقية من الشعراء الا ابن رشيق وابن شرف " هذا الحكم من مؤرخ المغرب العربى وعالمه الاجتماعى ان كان خير شاهد على مكانة ابن رشيق وابن شرف الشعرية فهو حكم عاطفى عام تعوزه الموضوعية ويمليه التعصب لان ابن خلدون لم يدرس الشاعرين دراسة ناقد هدفه التقييم ولم يقارن بينهما وبين بقية شعراء القطر فكيف تأتى له هذا الحكم الصارم . لاشك ان هذا الحكم كغيره من احكام العرب الاوائل : فلان أشعر الناس وهذا البيت أغزل بيت قالته العرب أو أمدح بيت . . .

أما الميزة التى اختص بها ابن شرف وابن رشيق فممارستهما العملية للنقد والشعر معا وهذا نادرا ما يحدث فى الادب . وقد تعاطيا النقد المنهجى الخاضع للاساليب العلمية فألفا التآليف التى ما زالت مرجع النقاد رغم تقادم العصر " كالعمدة " كتاب النقد العربى الاول الذى اقيم على أسس متينة دلت على مكانة ابن رشيق فى هذا الميدان و " رسائل الانتقاد " التى تعرض فيها ابن شرف لقضايا نقدية هامة .

وبنظرة عامة على مفهومها الشعرى ندرك مدى وعى هذين الشاعرين ومدى احساسهما بالرسالة الشعرية . فالشعر عند ابن رشيق عملية توازن بين اللفظ والمعنى وهما الاساسان الاصيلان للجودة " اللفظ جسم وروحه المعنى وارتباطه به كارتباط الروح بالجسد يضعف بضعفه ويقوى بقوته فاذا سلم المعنى واختل اللفظ كان نقصا فى الشعر . . . وكذلك اذا ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظ ( 1 ) . . . "

ولم يتجاوز ابن شرف هذا المعنى حين قال : " ومن الشعر ما يملا لفظه السامع فلا يرعك شماخة مبناه وأنظر الى ما فى سكناه فان كان فى البيت ساكن فتلك هى المحاسن وان كان خاليا فاعدده جسما باليا . . . والمعانى هى الارواح والالفاظ هى الاشباح ( 1 ) . . . " هذا الاتفاق ليس غريبا على الشاعرين وأفكارهما المتشابه دليل على تشبعهما بالفكرة وايمانهما بالهدف ولا تغرنا الخصومة المفتعلة بينهما والعداوة

التقليدية المبالغ فيها . وهذا التلاقى فى المقاييس النقدية دليل على طول ممارستهما الجماعية لعملية النقد والفهم والمصاحبة . وهذه الموازنة المتطابقة بين الشاعرين مرآة تعكس ذوق العصر ورد حاسم على دعاة التفرقة العنصرية بين اللفظ والمعنى .

فقد مر الادب العربى بعدة ازمات تعرض خلالها الى اضطهاد وعسف من المتأدبين أصحاب الاهواء والمطامع الذين يزعمون امكانية قيام الادب على عنصر واحد أما لفظ أو معنى . فالجرجانى يدعى أن الادب الفاظ متى اختل توازنها فسد معناها وأصحاب المقامات صرفوا أعمارهم فى اصطياد الزخارف الكلامية وفراغ الكلمات الجوفاء وفهموا الادب على أنه براعة لفظية وتسابقوا فى خطب ليس فى حروفها نقاط أو ألفاظ لا تستحيل بالانعكاس . وهاته القواقع البلاغية ما هى الا ترسب الانحطاط العقلى وتكلس الاذهان وبوتقة الافلاس الادبى ومحاربة جماعية للمواهب البكر والنزعات التجديدية .

ومن المدارس الادبية من يغلب المعنى على اللفظ ويدعى أن دور الالفاظ ثانوى ضئيل وأمام هذا التضارب أصر فريق ثالث على مساندة اللفظ للمعنى وقالوا ان التفريق بينهما ضرب من العبث . ومن كلام ابن رشيق وابن شرف يظهر أنهما من هذه المدرسة التوفيقية التى فهمت الادب فهما واعيا عميقا ولم تنحدر فى مزالق المهاترات وضباب الخلاف التائه بل دعت الى التعايش السلمى الفعال بين اللفظ والمعنى ولايمانهما المطلق بهذين العنصرين اصرا على ان " الالفاظ هى الاشباح والمعانى هى الارواح " وبديهى أن الجسم بلا روح كتلة من اللحم يتسابق اليها التعفن والروح بلا جسم حلم هائم فى دنيا الخيال لا يعيش لحظة الواقع الجدير بالبقاء .

كانت هذه المقاييس النقدية أمام الشاعرين وهما وسط التجربة الشعرية المبهرة والخلق الادبى الذى يعيشه الفنان .

2 - الجانب العاطفى والوجدانى فى حياة الشاعرين

المرأة كانت ولا تزال محور الالتقاء بين الشعراء والفنانين وان اختلفت موازين العصر . فالمرأة القديمة مثلا تمثل أمام الشاعر الاناء المترع باللذة والثمرة الناضجة المتدلية تلفت الانظار وتسيل اللعاب . والمرأة أمام الشاعر الجاهلى جسد يتدفق انوثة وشهوة بينما المرأة عند الشاعر الحديث نافذة يطل منها على مشاكل العالم وآلامه ومآسيه . هكذا قدر للمرأة أن تكون نواة الالتقاء بين الشعراء قديما وحديثا . أما المرأة عند هذين الشاعرين فقد تباينت حسب مفهوم كل واحد منهما فابن شرف نظر اليها نظرة شهوة لا تبعد عن نظر الجاهلى متعة يلجأ اليها الرجل بعد الجهد الطويل والمسافات الممتدة كحانات البحارة تعب فيها الكؤوس وليست مرفأ أمان يهتدى به البحار وسط الظلمة وقسوة الامواج الى ساحل الامان وكثيرا ما قرن ابن شرف المرأة بالخمرة وجمع بينهما فى قصيدة واحدة أو بالاحرى فوق مائدة واحدة . وهذا دليل آخر على أن الشاعر كان ينظر اليها نظرة اشباع غريزة جائعة للجنس لا نظرة متامل مستوح ولعل لقاءه بالمرأة كان فى الجلسات العامة حيث يباح الخمر والجوارى والساقيات وبائعات الهوى .

والكاس كاسيه القميص كأنها                 قدرا وكفا معصم مخضوب

منى اليه ومن يديه الى يدى                 فالشمس تطلع بيننا وتغيب ( I )

ولا يستنكف ابن شرف من ذكر المضاجعة والفراش فيتحدث عن هاته العملية بصراحة ووضوح ولعل فى هذا دليل آخر على ابتذال عشيقاته وشيوعهن وحتى هذا الحديث الذى رواه ليس فيه حرارة العاشق ولهفة المحب وانما يحكى لنا عملية وقعت مجرد خبر يرويه الشاعر مثلما يروى كل الاخبار العادية التى تصادفه فى حياته اليومية منادمة صاخبة تعقبها مضاجعة دافئة وفتور مقرف .

يسعدك وابل امع فى اربع               شربت مياه الدمع شرب الهيم

ايام شمس المشرقين ضجيعتى       فيها وبدر المغربين نديمى ( 2 )

وحتى وصفه للمرأة فهو ينصب على المفاتن المشهية التى تكمن عندها مواطن اللذة او التى تكبر هاته المواطن . فابتسامتها عن ثغر واضع مثل زهر الروض وصف يعيد لنا اجترار الجاهليين لهاته الانماط وقديما قال طرفة :

وتبسم عن المى كان منورا       تخلل حر الرمل دعص له ند

فهل ترى فرقا بين معانى هذا الجاهلى ومعنى ابن شرف ؟ : تلفتت عن طلا وسنان وابتسمت     عن واضح مثل نور الروضة العطر ( I )

أما المرأة عند ابن رشيق فتبدو أحسن حالا من امرأة صديقة لعلها كانت أقرب لقلبه والصق بعواطفه ووجدانه . ورغم التشابه فى تقليد الجاهليين فان الانسياب الموسيقى والروعة اللفظية أطرف منها لدى زميله .

بين أجفانك سحر           ولاغصانك بدر

جردت عيناك سيفي       ن لدا امرك امر  

فعلى خديك من نز          ف دم العشاق أثر ( 2 )

وفى شعر ابن رشيق شكوى وانين متقطع لا يعلل الا بصدق المحب واخلاصه والمحب الصادق كثير الشكوى كثير التحدث عن العواطف والوعود والاتهامات اما المتصيد قانص المتعة فلا تؤثر فيه المواعيد الزائفة ولا يلتفت الى ضياعها لانها تضر بمصلحة الطرفين معا وكلاهما طالب متعة مشبع غريزة أو جامع مال .

وشعر ابن رشيق الغزلى يميل الى التامل وفلسفة المعانى وتظهر فى سماته وطأة الحب على جسم الشاعر المضنى :

وقائلة ماذا الشحوب وذا الضنى ؟           فقلت لها قول المشوق المتيم

هواك اتانى وهو ضيف اعزه                   فاطعمته لحمى وأسقيته دمى ( 3 )

فالبيت الاول أقل قيمة من الثانى وكان تمهيدا لهذا الاخير فجاء مفتعلا باردا أفسده تكرار الاشارة " ذا " وهذا العجز الممجوج : فقلت لها قول المشوق المتيم كلام عادى لا تشدنا اليه حرارة الشعر ولا صفاء اللفظ ولا رونق الفن الناتج عن طول المعاناة . ووصف طيف الحبيب دليل آخر على صدق المحب لانه يبعدنا عن الشهوة والمادية ويقربنا من الصوفية الصادقة والقلق الذى يشيع فى غزل ابن رشيق نوعا من التأزم النفسى حوله الى زفرات حرى تشعل اعصابه وتنطلق منه تنهدات لاهبة لعلها اشبهت الغاز المندلع من الارض لا يحتاج الا الى عود كبريت ليشتد ضرامه واواره تلك هى انفاس الشاعر المحب المحزون :

ان كنت تنكر ما منك ابتليت به             فان برء سقامى عز مطلبه

اشر بعود من الكبريت نحو فمى           وانظر الى زفراتى كيف تلهبه

والتاملات الفكرية التى تشيع فى شعر ابن رشيق الغزلى تدلنا على وعى الشاعر الحساس للعوامل التى حركت وجدانه فعبر عن تأثير هذا الحب فى جسمه . وتقرب معانيه فى هذا المضمار من معانى " الخيام " احساس بالتعاسة والضيق فى عالم تسوده المقاييس والانماط البشرية المتعارفة ذات المسار الرتيب ويميل الفنان فيه الى الاعتزال ويشعر برغبة قوية لتفسير المسلمات تفسيرا جديدا يتماشى مع روح الفن المتحرر لا تضيق انفاسه الاساطير والخرافات :

سالت الارض لم جعلت مصلى                وتربها لنورى طهرا وطيبا

فقالت غير ناطقة لانى                         ضممت لكل انسان حبيبا ( I )

والخيط الرقيق الرابط بين الخيام وشاعرنا هذا الكفر الذكى وهذا التفلسف فى تعليل الحوادث الكونية وهو ما عبر عنه البلغاء بحسن التعليل . فطهارة الارض عند الشاعر ليست لعبادة الله فقط كما يعللها رجل الدين بل لان الارض تضم كل الاحباب على مر العصور لذلك وجب تقديسها ولثمها فى كل صلاة .

وتلح الهواجس على ابن رشيق فيحاول الزيغان على الدين حين يرى فتاة

نصرانية فيخامره احساس غريب وتقفز فى ذهنه مقارنة سريعة بين هذا الجمال المشاهد المرئى وبين الحوريات اللائى تفيض الكتب الدينية فى وصف جمالهن ولعل الشاعر ردد مع الوجوديين والواقعيين - القول المأثور : " عصفور فى اليد ولا عشرة فوق الشجرة " :

فتون عينيك تنهانى وتأمرنى          وورد خديك يغرى بى ويغرينى

اما لئن بعت دينى واشتريت به      دنيا لما بعت فيك الدين بالدون

استغفر الله لا والله ما نفعت          فى سحر مقلته آيات ياسين ( I )

ويختم ابياته بهاته العفوية المغرية انزلاق نحو الكفر واستدراك ذكى فى البيت الاخير فقال استغفر الله بعد ان شعر بالزلل الذى هو نتيجة حتمية لمفعول الجمال او لوقع هذا الجمال على نفس الشاعر لم تفلح فى تطمينه حتى ايات " ياسين " التى يزعم المشعوذون انها تلين قلوب العذارى وفى البيت الاخير استغلال جميل للاساطير الدينية سجل لنا الشاعر عادة من عادات ذلك العصر السحيق تتمثل فى سيطرة السحر والشعودة على عقول الناس وسورة باسين عند العامة لازالت الى اليوم تسخر فى قضايا جنسية رخيصة وبهاته الآيات يدعى المدعون امكانية ربط الانثى بالذكر .

ختاما لهاته الظاهرة ظاهرة المرأة فى حياة الشاعرين يبدو ان ابن رشيق أمهر من زميله فى هذا الميدان ولعله كان أكثر حبا واخلاصا فجاء شعره الغزلى قريبا لاذواقنا واذهاننا .

3 - الهزل أطرف هوايات الشاعرين

الياس يفضى الى الهزل وصراع الحياة الجائر يقابل بابتسامات ساخرة والنماذج البشرية المنافقة تعرى من زيفها وتلصق صورها الساخرة فى الاندية والشوارع وتعرض على المارة لتمطط أفواهها وتشبع غريزة الضحك . . . قضايا مضحكة كانت فى حياة الشعراء استراحة . قهقهات سماها الاقدمون هجاء واسميها عند هذين الشاعرين هزلا لاختلاف المناخ والظروف .

والهجاء وجه هزلى لا يقصد لذاته ولا اتصور شاعرا يحترم فنه ينصب نفسه هجاء تتحاشاه الناس وتتخطاه الاعين .

والهجاء عند العرب سار فى اتجاهين كبيرين .

1 - قسم يشين الشعراء لأنهم بالغوا فى السباب والشتائم كبشار والحطيئة .

2 - قسم سياسى ولكنه مال للسب وأنا أفضل أن أسمى هذا النوع هزلا لان الشاعر فى سبيل الدفاع عن حزبه يلجأ الى مس الاعراض لتشويه الفكرة التى يرفع شعاراتها سياسيون او دعاة يدورون فى فلك الاحزاب السياسية ومن أقدم ما عرفه الشعر العربى من هذا الصنف جرير والفرزدق والاخطل فقد غذتهم العصبية وفرقت بينهم الاحقاد وصادفوا فراغا سياسيا بعد خروج المسلمين من الفتنة الكبرى فاحتاجوا الى ساعات ترفيه فكانوا بتوافدون على الجلسات العلمية المفتوحة وحلبات الصراع بين الشعراء وشجع الامويون هذا النوع لانه أجدى وسيلة لامتصاص النقمة الجماهيرية التى كانت ترى فيهم مغتصبين للسلطة بدون مسوغ شرعى اللهم الا قميص عثمان الذى صار مثلا يضرب فى النفاق والدهاء السياسى .

اذا فجرير والفرزدق والاخطل لم يكونوا هجائين ولكنهم كانوا شعراء هزليين شغلوا المسرح الهزلى فترة تقرب من أربعين سنة .

وهذا الصنف ينضوى تحته ابن رشيق وابن شرف فالمهاجاة التى وقعت بينهما ليست عقائدية او عرقية بقدر ما كانت فقاقيع لملء الفراغ وتسلية الامراء وأرباب السلطان . والتنافس بينهما غذاه قربهما من المعز بن باديس الصنهاجى فبدآ يجسان النبض للتأكد من مكانتهما او لمعرفة وزن كل منافس فى هذه الحلبة اذ " خصص المعز لنفسه ابن رشيق وابن شرف فكان يلتفت تارة الى هذا وتارة الى ذاك فجرى بينهما تنافس وتحاسد وانتجا مناقضات ومهاجاة لم يصل الينا منها شئ " ( I ) .

اذن العداوة كانت مفتعلة او بالاحرى كان تنافس شريف فى ميدان العمل ايهما يجيد عمله فيحوز رضا الامير واعجاب الحاشية ويفوز بالغنيمة وحده

وكان هدف كل منهما الاجادة والابداع . وتقديم المعز لاحدهما عملية اغراء بالآخر ، واستفزاز من الامير للمغلوب والغالب فيشعر المتقدم بالمباهاة ويحاول المحافظة على الصدارة ويشعر المؤخر بالاهانة ويصر على ارجاع مكانته واثبات وجوده وهذه العملية هى التى قصدها المعز عملية تنافس شريف لتنشيط الادب وتلهية الجماهير يقول " الميمنى " فى معرض الحديث عن ابن رشيق : " شغل المحافل الادبية وقامت بينه وبين ابن شرف مساجلات أثرت الرسائل العربية ومن أسماء رسائله فى هذا الباب رسالة قطع الانفاس ورسالة دفع الاشكال ورفع المحال ورسالة ساجور الكلب . ونقد الرسالة الشعوذية والقصيدة الدعية " ( I ) .

والمعز يعتبر من خيرة الامراء الذين تولوا افريقية كان أديبا عالما وصفه حسن حسنى عبد الوهاب بأنه " حديد الذهن عارف بعدة صنائع من الالحان والتوقيعات وعلم الاحجار يقول الشعر الجيد على البديهة نقاد له " ( 2 ) .

ولعل هاته الحادثة التى رواها ابن شرف تصور لنا اشتغال المعز بالادب واعتناءه بالنهضة الشعرية قال ابن شرف : " استخلانا المعز يوما وقال أريد أن تصنعا شعرا تمدحان فيه الشعر الرقيق الخفيف الذى يكون على سوق بعض النساء فانى أستحسنه وقد عاب بعض الضرائر بعضا به وكلهن قارئات كاتبات فاحب أن أريهن وادعى أنه قديم أحتج به على من عابه وأسر به من عيب عليه . . . فانفرد كل منا ( ابن رشيق وابن شرف ) وصنعنا فى الوقت فكان الذى قلت :

وبلقيسية زيت بشعر        يسير مثلما يهب السحيم

وقال ابن رشيق :

يعيبون بلقيسية أن رأوا بها         كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا

فآنتقد المعز ابن رشيق قوله يعيبون وقال لقد أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه وهذا النقد ما فطنت اليه " ( 3 ) .

وهذه الرواية على بساطتها وعفويتها تسجل لنا عدة حقائق هى علامات على الطريق الى ذلك العصر .

I - شغف المعز بالادب وحرصه على تنشيط الشعر خاصة .

2 - فهمه ووعيه للشعر هذا الوعى وصل الى درجة النقد والتمحيص

3 - اشتراك الشعراء وخاصة ابن رشيق وابن شرف لشؤون الامير فى زوايا القصر ومصارحتهما حتى بسوء التفاهم الذى يقع يوميا بين نسائه . معنى هذا ان للشاعرين مكانة كبيرة .

4 - هذا النص يشير الى ثقافة المرأة

أ - ثقافتها الشعرية واعتناؤها بالادب وتأثير الشعر خاصة على حياتها الداخلية .

ب - النص يؤكد لنا ان نساء المعز بن باديس كلهن قارئات كاتبات ولا شك ان مثيلاتهن كثيرات فى بيئة الشاعرين .

5 - تؤكد لنا هذه الفقرات تأثير الشعر فى حياة الناس وهو امتداد لتأثيره القديم الذى صاحب الانسان العربى فى سلمه وحربه .

6 - يشير كذلك عرضا الى سيطرة النزعة القديمة فى المقاييس النقدية فالقديم محبذ دائما والجديد يقابل بتحفظ وفتور .

7 - هذه الرواية المقتضبة تبين لنا مدى اتصال الشاعرين بعضهما ببعض وقد فرضت عليهما الحياة العملية نوعا من الترابط والتزاحم فالمعز انتدبهما لهذا الغرض دون سواهما من مئات الشعراء الذين يزخر بهم بلاطه ويدورون فى فلكه . وهذا ما أكده ابن بسام فى ذخيرته قال فى ابن شرف : " وبينه وبين ابن رشيق ماج بحر البراعة ودام ووضح نجم هاته الصناعة واستقام " ( I ) هذه التحريات كانت ضرورية للتأكيد على ان الشاعرين لم تكن بينهما مهاجاة بالمعنى التقليدى المتسم بالحقد والكراهية بقدر ما كان بينهما من المداعبات قد تصل بعض الاحيان - شأن الاصدقاء - الى حد القسوة والاستهجان وعذرهما فى هذا ان الاصدقاء يتجاوزون عن غلطاتهم .

ومن المداعبات الطريفة التى تؤكد لنا سلامة قصد هذين الشاعرين " قول ابن رشيق فى نفسه وكان احول وفى الطوسى وكان اعمى وفى ابن شرف وكان أعور :

لابد فى العور من تيه ومن صلف        لانهم يبصرون الناس انصافا

وكل احول يلفى ذا مكازمة               لانهم ينظرون الناس اضعافا

والعمى اولى بحال العور لو عرفوا       على القياس ولكن خاف من خافا ( 1 )

وبهذه الطريقة المرحة يتناول ابن رشيق الناس والاصدقاء خاصة . يستند على عيوبهم الخلقية فيصنع منها نادرة تشاع فى المجالس تستنزف الضحك من أفواه السامعين . والهزل فى طبيعة ابن رشيق يأخذ اتجاهين بارزين .

1 - اتجاه مسالم الهدف منه السخرية البريئة التى تضحك ولا تؤذى  وتداعب ولا تجرح وتربت على شعور المهجو ولكنها لا تنكأ شرفه ولا تذل كبرياءه من ذلك هجاؤه المتقدم لنفسه ولصاحبيه . وبهذه المداعبات المضحية كان يتناول حياة الناس وحياته المتعبة أكله ولباسه ومنزله ويصل به الهزل الى محاجة الرب بأسلوب فكه يبهرنا بالضحك لكنه يتناول قضايا فلسفية خاض فيها العلماء وما اهتدوا . كقضية العدل الالهى والقسمة والنصيب والقدر المحتوم . ويستعين فى هذا المضمار بالشخصيات التاريخية والاساطير الدينية كقارون والنمرود قال يصف تكالب البعوض عليه :

يا رب لا أقوى على دفع الاذى      وبك استعنت على الضعيف الموذى

مالى بعثت الى ألف بعوضة         وبعثت واحدة الى النمرود ( 2 )

ويسجل لنا مكر بغله وخبثه ويوصينا به شرا لان اصله معروف والشئ من مأتاه لا يستبعد :

وكيف يجئ البغل يوما بحاجة         تسر وفيه للحمار نصيب ( 3 )

2 - اما المسار الثانى الذى تناوله ابن رشيق فى شعره الهزلى فقد كان اكثر حدة وامس باحساس الناس ولا يجب أن نحكم على هذا النوع بالمقاييس الاخلاقية المتزمتة النافرة من كل كلام مستهجن وعلينا أن نمحصه ونستنتج منه الدوافع والملابسات وننظر اليه كشعر يسجل ظاهرة شاذة نشأت فى المجتمعات المتحضرة والبدائية على حد السواء لكنها كانت فى المجتمعات الحضارية اكثر شيوعا للتضارب بين مقاييس هذه الامم ولمللها من الاسلوب الرتيب فى الحياة اليومية وبهذا المضمار سأروى أبياتا شاذة لان فى هذا تناول أدب نتحاشاه بدعوى المحافظة على الاخلاق والشيم الحميدة والفرار من الاحراج الذى قد يحدث . فالشاعر تناول ألفاظا مبتذلة وعرضها فى شعره بصراحة متناهية . وأنا لا أشك فى سلامة قصد الشاعر من أنه يريد الضحك ويضحى فى سبيل هذه التسلية بأعز الاصدقاء وربما بشيوخه ومعلميه .

سيدنا لا ينيـ . . . حتى ينا . . . نيـ . . فيه حلاوة

كالفاس لا يستجد قطعا        الا وفى عينه هراوة ( 1 )

هذان البيتان اذا تخطينا حدود التحفظ نستنتج منها شيوع الشذوذ الجنسى فى ذلك العصر ولا شك أن القيروان كانت مسرحا لتلك العمليات الشاذة كغيرها من الحواضر العربية الاخرى كبغداد ودمشق التى تكثفت فيها مجموعات بشرية خليطة " وقلت فيها او انعدمت الثقافة الجنسية " ( 2 ) وفى المجتمعات الخليطة تتغير المقايبس الاخلاقية ويستباح فيها ما كان مستقبحا ويستساغ ما استهجن .

هذه الظواهر المخلة بالقيم الاخلاقية لا أدفعها اغتباطا أو تحفظا لان لها ما يبررها فى تاريخ الشاعر وباعترافه الصريح فالعصر كثر فيه الغلمان والشذوذ الجنسى سيل مندفع من الشباب الاجنبى سببا وشراء فأسواق النخاسة مفتوحة والحجاب متحكم فى الجنس الثانى . يخبرنا ابن رشيق فى كتابه الانموذج قال : " اجتمعت بابن ابى حديدة يوما وأنا سكران فسألنى عن حال المكان الذى كنت فيه فوصفته وافضت فى صفته الى ذكر غلام كان ساقيا فقلت فى عرض الكلام ولم ارد الوزن :

فشربتها من راحتيه        كأنها من وجنتيه

وكأنها فى فعلـ              ها تحكى الذى فى ناظريه ( 1 )

وهذا الاعتراف الصريح لا يحتاج الى تعليق او استنتاج . واذا ضاع جل شعر ابن رشيق فكتب الادب تروى لنا نماذج من خلاعة الشاعر وتهتكه واغراقه الجنسى . بيد أن هذا لا يؤثر فى روح الفن ونحن نفرق دائما بين سيرة الشاعر الذاتية وبين انتاجه . اللهم الا اذا كان هذا الانتاج يشير اشارات صريحة الى عادات كانت متحكمة فى عصره فنسوقها لا رغبة فى التشهير أو الذم وانما لنستنتج منها اشارات تزيد العصر ايضاحا .

ويتمادى ابن شرف فى فضح العصر وتعريته الاخلاقية التى يحاول الباسها الفقهاء ورجال الدين لتلك المجتمعات الخليطة . يقول فى قطعة أخرى يبدى شذوذه الصريح الذى لم تفلح بيوت الله فى الحد منه بقدر ما كانت اماكن له :

أقول لمن يسائل عن محلى        تقدم وامش من خلف السوارى

ومر بحيث ما تلقى حكاكا           بسـ . . . لا تعد فثم دارى ( 2 )

ورغم استهجان هذا النوع فانه يعمق استنتاجى الاول بشذوذ الشاعر ويظهر بحق طبيعته المرضية المزمنة .

أما ابن شرف فاطرف ما يروى له فى باب التهتك هجاؤه لحمام بالقيروان لعله كان نتنا ضيقا كما حاول تصويره لنا ولم يتورع من وصف نفسه أقبح وصف :

كأنما حمامنا فقحة              النتن والظلمة والضيق

كأننى فى وسطه فيشة      الوطها والعرق الريق ( 3 )

وبهذين البيتين اثبت اتجاهه الموالى لصديقه ورفيق كفاحه وبان الشذوذ ربما شمل العصر كله أو كان فاكهة العصر . ومما يروى فى هذا الباب اجازة

ابن رشيق للبيتين وعملية التوريط الكبرى التى أوقع فيها صديقه وقد استغل كل ذكائه الهزلى فى هذا البيت فأثبت صورة صديقه التى رسمها لنفسه بحجة أقوى من الاولى حين أكمل البيتين وخاطب ابن شرف :

وأنت أيضا أصلع أعور         فصادف التشبيه تحقيق ( 1 )

استغل صلعة وعور ابن شرف ليؤكد له البيتين السابقين بذكاء حاد وبديهة نادرة ودالة كبيرة بين زميلى المهنة وصديقى العمر .

وما روى لابن رشيق فى هذا الموضوع يعد أكثر تنوعا . ولا شك أن كتب الادب القديمة التى اتسمت بالمحافظة أهملت هذا النوع من الشعر بدعوى المحافظة على الاخلاق العامة .

أما النوع الثانى من هزليات ابن شرف فكانت عادية فيها نماذج معينة من الحياة يسلط عليها الضوء ليكبرها ويلفت اليها الانظار التى تفتش عن التسلية فى مجتمعات عاطلة من ذلك هجاؤه لدار صديق استضافة فلم يجد الشاعر ما يطيل مكثه فى هذا البيت غير الذباب والبعوض والبرغوث :

لك منزل كملت ستارته                   للهو تحت ذاك حديث

غنى الذباب وضل يزمر حوله             فيه البعوض ويرقص البرغوث ( 2 )

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية