الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

ابن رشيق والسرقات الشعرية عصرا ونهجا

Share

مقدمة :

ما زال الناس يسرقون بعضهم بعضا . . . فكرا وعلما وشعرا أيضا . لكننا فى عصر أصبح معروفا فيه كل شىء . . . محسوبا فيه كل شئ . . . مذاعا منتشرا فيه كل شئ . يبث عبر أمواج الأثير وعلى صفحات الجرائد والمجلات وفي طيات الكتب المنشورة هنا وهناك . هذا ما يتيح نوعا من الحرية . . . نوعا من الابتكار المتجدد . . نوعا من ) الحصانه ( لثمرات الافكار والمواهب والاقلام . والاديب أو المفكر أو الشاعر أصبح يرتفع عن ان يمد يده الى بستان غيره يقطف منه ما يشاء اذ لانقاد اليوم كما فى الماضي بالمرصاد . . . ولا أقلام تقوم وتجرح وتفضح . لكن هذا لا يمنع أن تقرأ مقالا فى مجلة ما فتجد ظلالها فى اخرى . . . وقد تشيع القصيدة لشاعر وتذيع ويكون قد سطا فى معانها على شعر من فرانسا أو من الصين أو كوبا أو فيتنام . من يدرى ، وهل القارىء المعاصر قادر على أن يلم بكل الشعر فى كل اطراف الارض ، وقد تمر حادثة . . . وحوادث ٠٠ ولكن ما اذا ما انكشف الأمر عن شاعر ففي ذلك سقوط له اسما ومكانة وشهرة . هذا ما جعل الشعراء يحترمون مواهبهم واسماءهم واقلامهم ويحاولون ان يضعوا بصماتهم فوق انتاجهم وان يبرزوا هوياتهم الشخصية التى لا تفقد او تتهم اذا ما التقت محليا او عالميا مع هويات آخرين . . . . وبصمات آخرين

اذن فالمشكلة موجودة لكن علوم العصر ومقاييسه ومعتقداته جعلت لها منظورا آخر ، فتوارد الخواطر وتلقى التجربة اللاواعى واثر البيئة والعصر

على الانسان وانتشار الثقافة والتشابه فى المعاناة البشرية هذا وغيره فتح الابواب امام التبريرات والدراسات الموضوعية حول ما كنا نسميه مشكلة السرقات الا انه لم يلغ هذه المشكلة ولم يستطع القضاء عليها نهائيا فهى موجودة . . لكن اسلوب النظر اليها ومعالجتها أصبح مختلفا

والسرقات . . . الشعرية خاصة . . ظلت حتى قرون ليست بالبعيدة مشكلة تشغل اذهان مؤرخ الأدب والدارسين والباحثين سواء من الادب او فى طبقات الشعراء وتفاضلهم . ظلت تشكل اتجاهات نقدية متعددة تبلورت وتوضعت فى مذاهب منهجية عند نقاد عظام كابن رشيق والجرجانى . فالسرقات الشعرية ) داء قديم وعيب عتيق ( كما يقول القاضي . . وهى ) باب ما تعرى منه متقدم ولا متأخر ( وكذلك يعترف الآمدى فيما يتعلق بها .

تمهيد :

ونحن فى مجال بحثنا هذا سنهتم بالحديث عن السرقات الشعرية فى عصر ابن رشيق وعند ابن رشيق بالذات الا انه لا بد قبل هذا من التمهيد بلمحة موجزة عن السرقات الشعرية خلال عصور متوالية حتى نكون فى قلب المشكلة وحتى نستطيع ان نقارن ونفاضل اولا ونعرف المدى الذى وصل اليه الموضوع فى عصر ابن رشيق ثانيا

فى العصر الجاهلى :

ظهرت ثلاثة انواع من السرقات :

- سرقات الشعراء المشهورين من المغمورين

- سرقات من امرئ القيس بالذات لأنه من الأوائل الذين ابتكروا وابتدعو وقف واستوقف . . . وبكى واستبكى (

- اختلاف رواية الشعر او عدم معرفة القائل الحقيقي للشعر ادى الى نوع من الخطأ اذ أن الشاعر ينسب لنفسه شعرا هو لغيره وهذا ما يسمى ) الاجتلاب (

ولسنا فى مجال التفصيل والتعليق فيما يتناول كل نوع من هذه الانواع

فى العصر الأموي

اتسعت السرقات الشعرية لأسباب كثيرة ، التنافس بين الشعراء الاعطيات والزعامات الشعرية او القبلية ( الأحزاب السياسية واستعمال هذا الاحزاب الشعر وسيلة تفوق وكسب لمعركة والسرقات اتضحت لدى النقاد والشعراء على حد سواء وكانت تعصبا لشاعر دون آخر اكثر منها بحثا عن الحقائق . وقد نجد مبالغات كثيرة فى هذا المجال . فالمرزبانى يروى عن الاصمعى قوله ) تسعة اعشار شعر الفرزدق سرقة ( بينما يقول عن جرير ( ما علمته سرق الا نصف بيت ( .

ويبدو ان الشعراء كانوا يسرقون بجرأة . . بقلوب ثابتة وابتسامات فوق الافواه كأنما هم لا يفعلون شيئا ولا يرتكبون خطأ . على الرغم من ان التسمية هى " سرقة " فالفرزدق يقول ضوال الشعر أحب الى من ضوال الابل . وخير السرقة ما لم تقطع فيه اليد .

ويروى أبو عبيدة الطريف من الحوادث الفرزوق يجد ابن ميادة واقفا فى الموسم ينشد :

ولو ان جميع الناس كانوا بتلعة وجئت بجدى ظالم ابن ظالم

لظلت رقاب الناس خاضعة لنا سجودا على اقدامنا بالجماجم

والفرزدق ملتثم ، فلما سمع هذين البيتين أقبل عليه ثم قال : انت . . صاحب هذه الصفة كذبت والله وكذب من سمع ذلك منك فلم يكذبك انا والله اولى بهما منك . ثم أقبل على راويته فقال : اضممهما اليك

اذن فالفرزدق يأخذ الأبيات عنوة واقتدارا وغصبا ولا يعترض على ذلك معترض ) ربما لنفوذ شخصى أو قبل أو شعري ( ثم هو يرى الأبيات في معانيها أجدر به من غيره . . . ولعله رأى اسلوبها كذلك أيضا . أو هي ربما ذات نفس شعري لصيق به فلهذا اخذها لنفسه ويقال عن الفرزدق اخذ ابياتا كما هى للمخمل ورواها بنفسه للناس ، وها هو جرير يعير الفرزدق فيقول

ستعلم من يكون أبوه فينا ومن كانت قصائده اجتلاب

ولعلنا نتساءل : لم برزت اسماء مشاهير الشعراء فى مجال السرقة هل كان هذا تحزبا لشاعر دون آخر أو انتقاصا من قيمته او غضا من شاعرية وابو عبيدة يذكر ايضا ان الفرزدق كان بالمريد فمر به رجل قادم من اليمامه موطن جرير فأخذ يروى شطرا من جرير فيتم الفرزوق شطرا من عنده فاذا الآبيات هى نفسها حتى ظن الرجل ان الفرزدق قالها وان جرير سرقها وهذه بالطبع مبالغات في توارد الخواطر لا يمكن ان تخطر على الخاطر . واذا كانت الخواطر ) كما يقول ابن الاثير تتفق فى استخراج المعانى الظاهرة المتداولة فكيف تتفق الالسنة ايضا فى صوغها الالفاظ (

ملاحظة :

كان لا بد من العرض السريع للسرقات الشعرية فى العصرين الجاهلى الأموى للربط اولا ولان التقاليد الشعرية لم تختلف فى عصورنا الأدبية المتوالية بين عصر وآخر . . . بل على العكس تعمقت وتأصلت فى نفس اتحادها . . ثم هي تفرعت وتنوعت . . هذا وان الرأى العام آنذاك والشعور العام بتفوق شعر الجاهلية جعل ( التقليد ) واضحا فى العصر الأموى ثم هو يغدو متطرفا فى العصر العباسى ( مما لا يمنع اتجاهات مضادة (

وهنا يبدو أمر : انتقالنا من العصر الأموى الى العصر العباسى هو انتقال مرحلة وليس انتقال تغير أو انقلاب أو ثورة . وفيما يتعلق بالسرقات الشعرية بشكل خاص فالعصر العباسى هو امتداد

العصر العباسي

المهم انه ما ان أطل العصر العباسى حتى كانت السرقات الشعرية شائعة بين الشعراء تغص بها كتب النقد والادب كما أصبحت معترفا بها الى جانب الشعر كمشكلة من مشكلاته . وكلما شاع الشعر وتنوع واتسع كلما تعقدت السرقات تبعا لذلك ، ونستطيع القول ان السرقات نبهت الحركات النقدية التى دارت حول ابرز الشعراء للوصول الى احكام حولهم . وهي قد حددت هذه الاحكام تبعا لها سلبا وايجابا ، وكأنما أصبحت داء يهم النقاد ان يكشفوا عنه قبل ان يحددوا مكانة شاعر او مقدار شاعريته او موقعه بين غيره من الشعراء ، وكثيرا ما كانت السرقة تظهر ( فى زعمهم) فيسقط الشاعر او ينقسم الرأى فيه رأيين : واحد معه وآخر ضده ، ومن هنا نجد من رفع المتنبى الى ارقى

درجات النبوغ ومنهم من عدد وفند سرقاته فأسقطه ، ولم يسلم شاعر مهما بلغت مكانته من اتهامه بالسرقة ، وقد يثبتون ذلك أو ينفونه وقد يكون ذلك بالحق او بالباطل

أما أن السرقة قد توقفت بعد كشف أمرها وأمر السارقين فى العصر العباسي فهذا للأسف ما لم يحدث بل على العكس اتسع نطاقها وتنوعت وكثرت وخاصة السرقة من الشعراء الجاهليين . هل لأن هؤلاء كانوا يمثلون القدوة والذروة أم لان القصيدة ما تزال عموما محافظة ؟ المهم ان سطوا كبيرا وقع على الشعر الجاهلى وتعد السرقات الى الامثال والحكم والفلسفة والعبارات المعروفة المألوفة من المناسبات وأيضا من القرآن والحديث . اذن فالسرقات بدأت تأخذ شيئا من الشرعية وتنتزع الاعتراف بها ولعل اشهار الشعراء لسرقاهتهم ووضوحها مقارنة مع ما ذكرنا كان نوعا من تثبيت السرقات على لائحة الشعر كخلق شعري جديد مستوحى او مقتبسا او مقلدا للقديم . . . ومع ذلك يظل جديدا . .

والنقد لم يكن فى العصر العباسى - من أوله - متركزا حول شاعر . لكنها روايات متفرقة حول شعراء للبرهان على حدوث سرقة فالتعصب مثلا على أبى نواس يدفع الى القول : (أجود شعره فى الخمر والطرد وأحسن ما فيهما مأخوذ مسروق ) .

وأبو حاتم السجستاني يذكر أن أبا نواس سرق قصيدته التى مطلعها

دع عنك لومي فان اللوم اغراء وداوني بالتى كانت هى الداء

من قصيدة الحسين بن الضحاك ومطلعها

بدلت من نفحات الورد بآلاء من صبوحك دار الابل والشاه

وان الحسين لما خاطب أبا نواس في ذلك قال له : سنعلم لمن يرويها الناس الى أم لك . فكان الامر كما قال . . . رأيتها فى دفاتر الناس فى أول اشعاره .

وهنا يبدو أمر : كأنما الناس لا يهتمون بمن يقول الشعر ؟ . . المهم لديهم هو الشعر . . . وكأنما المعركة التى تدور حول أحقية شاعر لشعر ما هى من شأنهم وناقديهم ومؤيديهم . وهي على أى حال تغنى حركة الشعر وتدفعها الى ما هو أجمل وأفضل . . والناس يستحسنون الذى أجاد وأبدع وينسون من ابتكر واخترع ولكن أهل الحال بالعكس ، هل الشعراء الذين اتهموا بالسرقة

كأبي نواس مثلا أكانوا يتهاون فى ان يسطو الناس على شعرهم ؟ الحقيقة هي النفي . . فأبو نواس لم يغتفر لغيره سرقة شعره ) ويقال هذا عن جرير الأموى قبله ( يقول :

صار شعري قطيعة لخيار أفهذا لقلة الاشعار

قل له فليغر على شعر حماد وأخي الفتك أو على بشار

وهل هذا ) تقويم ( من الشاعر لشعره ) ذاتيا ( وانه ليس الشعر الذي يمكن ان يسطو عليه أحد لان له حصانة خاصة . . قيما خاصه تميزه عن غيره وتجعله متميزا متفردا

ثم ان اختلاف المذاهب الشعرية بين أبى تمام والبحترى أثر كثيرا فى الخصومة والجدل حول الشاعر ومنها السرقات بالطبع ، ويمكن القول ان السرقات أثرت على مكانة أبى تمام شعريا لدى خصومه كما كانت دليلا وسلاحا فى ايديهم يشهرونه فى وجه من يريدون زعامة لشاعرهم ، روى ان ابا تمام اخذ معانيه فى احدى قصائده وانشادها ولم يصدق الناس ، وبما ان ابا تممام أخذ المعني وأجاده فقد صار اولى به منه . فالقضية اذن قضية براعة . . وما دام الشاعر يعتبر ما أخذه أو ما سرقه حجر أساس فقط يبنى عليه بناء خاصا جديدا . . فالاهمية للبناء وليست للأساس . ونقاد آخرون ايضا يؤكدون السرقات على أبي تمام كالمرزبانى وابن رشيق ، ابن رشيق يقول عن أسلوب ما للسرقة عند أبي تمام انه ) أغفل شاعر الشام ديك الجن ولم يذكره الا مجازا وهو أقدم منه وكان أخذ عنه أمثلة من شعره يحتذى عليها فسرقها وقد نجد بعض المغالين من ينفي عن أبي تمام المعاني المخترعة الا ثلاثة فقط ومن هؤلاء المغالين أبو على محمد بن العلاء السجستاني . ونحن نذكر ذلك لنبين كم ان الامر ذهب بالسرقات شططا حتى نفوا أو كادوا شاعرية عملاق كأبى تمام مثلا ، وكان الآمدى بعد ان لمس اجحافا بحق أبى تمام وتماديا من النقاد من أمثال السجستانى يقول ان له ) مخترعات كثيرة وبدائع مشهورة ( لكن ) الذي خفي من سرقاته أكثر مما قام منها على كثرتها ( . ويعددها ب 165 بيتا . فهل رأينا دفاعا يحمل معنى الهجوم كهذا ؟ وهل رأينا قادحا فى شاعر مادحا لقدرته على النقد الصحيح كالآمدى ، انه نقد مقرون بدراسة تحليلية عميقة وباحصاء أيضا ، أما التعليل المعقول والمقبول فهو ان ابا تمام كان راوية حافظا للشعر ومطلعا على الثقافات واليونانية منها خاصة فما بالنا بالأقوال والامثال والقرآن

والحديث : آلا يتأثر بكل ذلك ، آلا يتسرب اليه عن قصد أو عن غير قصد ، آلا تشرب شاعريته من كل تلك الينابيع

ويتكرر الموقف بالنسبة للبحترى . بعضهم تعصب له وبعضهم ضده ، أخرجوا للبحترى 600 بيت مسروق ومن أبى تمام خاصة 100 بيت . وهذا رأي الآمدى أيضا بينما البحترى يشكو ان الشعراء يسرقونه ويعتدون على شعره فهل هذه تغطية أم انه على مبدأ أبى نواس فى السرقات وسلفه جرير ؟ وما دام الشاعر يعرف ان شعره يسرق فما قوله فيما نسبوه اليه من سرقات ؟ هذا ما لم يتعرض للرد عليه البحترى او أبو تمام .

اما اتهام الشعراء بعضهم بعضا فهذا ما شغل حيزا كبيرا من كتب الأدب والنقد . . . وصل الى حد الاتهام والسباب والشتيمة والحط من قيمة واحدهم للآخر . ابن الرومى يقول عن البحترى :

ما ان تزال لابسا حللا اسلاب قوم مضوا فى سالف الحق الحقب

والبحترى عندما دافع عن نفسه لانه سرق من أبى تمام قال : ) أأعاب بأخذى من أبى تمام ؟ والله ما قلت شعرا قط الا بعد ان اخطرت شعره بفكرى (

وعن المتنبى نقول انه ما ان اشتهر وذاع حتى قامت الضجة الكبرى حول شعره حتى اتسعت الحركة النقدية ، وبالتالي اشتعلت نار السرقات من جديد وبدأ تطور لفكرة السرقة من القدماء الى المحدثين ، أصبحت السرقات الشعرية تلعب دورا رئيسيا ليس فى النقد فحسب بل في الحكم على الشعراء وذلك من القرن الثاني الى ما بعد الخامس الهجرى

ويمكن القول ان السرقات ازدادت مع تقدم الزمن وقلة ابداع المعاني ) ذلك لانهم حددوا معانيهم وخط سيرها المقلد للاقدمين واغلاقها فى دائرة مفرغة ولكن هل ينطبق هذا على المتنبى وهو قمة الشعر ؟ هل أخذه من الفلسفة أقوال الحكماء او الشعر القديم دليل عجز عن الابداع ، الحقيقة ان الابداع اصبح له مفهوم جديد . . . ليس الابداع ان يخلق الشاعر من العدم ان يأتي بالجديد ) من القديم والحديث ( وان يفتن ويسحر ويخلب الالباب . . وهذا . فعله المتنبى فى وقت بدأت تنضب فيه ينابيع المعاني كما يعترف النقاد . . وفى وقت بدأت تثبت فيه اتجاهات ومذاهب تعترف أول ما تعترف بما تواضع عليه الاقدمون . وسنرى كيف ثبتت قيم وتجذرت مصطلحات وأصبح للسرقة كتب وابواب من كتب ) وأكثرها مشهور لمشهورين ( وبالغوا حتى

اعتبروا عكس المعنى نوعا من السرقة . ولما لم يستطع الشعراء ان يغيروا - كما فعل المتنبى - على شعر غيرهم . ولا ان يفيدوا - كما أفاد - من الحكمة والفلسفة والثقافات والتيارات . اخذوا يستعدون على سرقة الشعر كما على الاموال :

ما سارق الشعر فيه وسم صاحبه الا كسارق بيت دونه غلق

بل سارق البيت أخفى حين يسرقه والبيت يستره فى ظلمه غسق

من جيد الشعر ان يخفى لسارقه وجيد الشعر قد سارت به الرفق

وأمام هذه الحريمة الأدبية التى وضحوا معالمها بأنها سرقة ما هو العقاب ؟ يكفى بالطبع التشهير بالشاعر والانتقاص من قدره وادخاله من باب التاريخ الادبى وهو يحمل وثيقة ادانته . . ان فئة خرجت من هذا العقاب (المعنوى الى عقاب شبه ) قضائى ( وهو أن يحلف الشاعر ألا يروى ما سرق لنفسه . . او ان يصفح فيجلل بالاهانة والعار

فسارق الما يقطع وسارق الشعر يصفع

منهجية السرقات فى العصر العباسى :

دراسة السرقات دراسة منهجية لم تظهر الا بظهور أبى تمام وذلك لسببين : اما لرأى مندد ومعاد واما لاثبات قيمة الشاعر والبحث فى مذهبه الشعرى كمجدد .

والذي نراه ان لفظ ) سرقة ( جارح وقاس وعلى الرغم من كونه موجودا منذ الاقدمين الا أن تردده وتكراره وثبته فى كتب النقد والأدب خاصة بعد الاتجاهات والمنهجية ونمو النقد يبدو نوعا من الاحكام الجائرة مهما كان مبلغ هذه الاحكام من الصحة والصدق

واذا بدأنا باب سلام الجمحي واكدنا ان ليس له منهج معين فيما يتعلق بالسرقات لانه لم يخصص لها بحثا منفردا وهو ان ذكرها ولم ينكرها فهو انما يقرر ما درج عليه غيره دون التنبيه الى خطورتها وما ستتركه من آثار على مستقبل الشعر والنقد معا .

وما ان ظهر تصنيف الشعراء فى طبقات حتى برزت مشكلة السرقات كشرط من شروط هذا التصنيف او عدالته كما فعل ابن قتيبة فى كتابه الشعر والشعراء " .

وتتلخص السرقات عن ابن قتيبة فيما يلى : المعنى اذا تداوله الشعراء أصبح مشتركا السرقة الخافية الزيادة على المعنى المأخوذ يتيح له فضل الزيادة اختلاف الرواية يؤدى الى فكرة السرقة تصنيف السرقة بنوعين : سرقة الالفاظ ، سرقة المعانى السرقة فى الطريقة والنهج

هذه أنواع للسرقات كان لصاحبها فى السرقة عموما نظرة واسعة . لن يتوقف الا عند واحدة منها ) الزيادة على المعنى تتيح له فضل الزيادة ( علما بأن كل نوع جدير بالاهتمام والدراسة . فيما يتعلق بالزيادة نقول ان بن سلام اقام نوعا من الحق للشاعر ان يأخذ من غيره بشرط ان يزيد على المعنى حتى يكون له فضل الزيادة فيه . واذا كان الأمر كذلك فلماذا اذن جعل النقاد عموما وابن رشيق خصوصا الاهمية للفظ وليس للمعنى ؟ وجعلوا للالفاظ بالتالي شرف رفع الشعر ؟

على أى حال تظل السرقات عند ابن قتيبة تأخذ نهجا تجريبيا أكثر منه تطبيقيا . وتظل قضية السرقات تدور فى محاورها السابقة بشكل عام .

أما عن بقية الكتب والنقاد وموضوع السرقات فى العصر العباسى فنقول

ان السرقات وردت كأخبار فى كل من : طبقات الشعراء لابن المعتز ويتيمة الدهر والذخيرة ، لكن الذي يلفت النظر ان البلاغيين أخذوا يفرضون عقليتهم على أنواع السرقات فاعتبرها ابن المعتز لونا من ألوان البديع

وفى كتاب ) عيار الشعر ( لابن طباطبا العلوى ) 322 ه ( والذي لا يزال مخطوطا تعرض لقضية السرقات قال فيه صاحبه عن الاقدمين انهم ) سبقوا الى كل معنى بديع ولفظ فصيح وحلية لطيفة وخلابة ساحرة ( كما قال ) ليس الاقتداء بالمسئ انما الاقتداء بالمحسن ( ارينا أن هذا التحديد لآفاق المعاني فى الشعر ان لم نقل الجمود به فتح باب الاعتراف بالسرقة ويتلخص

منهج ابن طباطبا كمخرج من ورطة السرقات التى سرى داؤها بين الشعراء وكحد من استشرائها وتوسعها فى قوله ان على الشاعر ان ) يديم النظر في الأشعار لتلتصق معانيها بفهمه وترسخ أصولها فى قلبه وتصير مواد لطبعه ويذوب لسانه بألفاظها فاذا حاش فكره بالشعر ادى اليه نتائج ما استفاده مما نظر فيه من تلك الاشعار ( . هذا تبرير لموقف . . . أكثر منه تقرير

أما المرزباني صاحب الموشح ) 384 ه ( فقد استخدم الاخبار لا المنهج وأخذ بالمصطلحات وأضاف اليها اصطلاحا جديدا هو " المسخ " اذن فحركة النقد بالنسبة للسرقات لا تزال بطيئة . . . ولا تزال تحتاج الى الجرأة والوضوح

وما ان نأتي الى كتاب الصناعتين لأبى هلال العسكرى ) 395 ه ( حتى نرى اهتماما كبيرا بالسرقات يتخلص فى :

1 - حسن الاخذ وقبح الأخذ 2 - ان المعانى نوعان : مبتدع ومحتذى على غرار الاقدمين 3 - النوادر 4 - اثر البيئة فى تشابه المعاني

ابن رشيق ونهجه فى السرقات :

كل ما ذكرناه كان ضروريا ولازما لا للسرد التاريخي ولا لتفصيل موضوع السرقات وانما للوصول الى ابن رشيق ونهجه فيما يتعلق بالسرقات

فابن رشيق ) 456 ( وكتاباه اللذان ذكر فيهما السرقات ) العمدة ( او قراضة الذهب ( ونهجه الذي استوعب جميع الافكار التى سبقته الى جانب نظرات خاصة مبتكرة وجديدة . . . كل هذا جدير بالاهتمام بل هو الأساس من بحثنا هذا .

ابن رشيق الناقد :

ابن رشيق فى العمدة ناقد ذو منهج . . . وهو حصيلة ) منهجية ( لكل من سبقه بغير منهج وظهوره ) نتيجة ) لكل المقدمات النقدية التى تهيأت لها الظهور من أجل هذا الظهور . يقول : ما زالت الشعراء تخترع الى عصرنا هذا وتولد غير ذلك قليل

هذه نظرة جديدة ومتطورة اذن . . وهذه قفزة عن الجمود وهو يقول عن التوليد ) ان يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه أو يزيد فيه زيادة فذلك يسمى التوليد . فهنا يوجد استخراج معنى من آخر مما يحمل معنى ما فى الابداع . . والمعاني عند ابن رشيق - كما عند سابقيه مخترعة ومولدة ) وهذه لا تسمى سرقة ( أى انه يبنى حكما على حكم آخر . . . وقياسا على ما مضي من معنى الابداع ينفي ان تكون سرقة . وابن رشيق رغم اتساع المعاني وتوليد بعضها من بعض متفائل بأنها فى حقيقتها لم تنفذ بعد وهو يؤكد على أهمية الابداع الشعرى تماما كما يهتم بالمصطلحات ويفرق بينها ، وهذا يعني بساطة ان هناك ) واقعا ( معينا يجب تحديده والحديث عنه كما ان هناك ) مستقبلا ( يتوقع له ان يكون أحسن ما دام الابداع هو المحرك الاساسى

نعود الى التوليد . . . الذى يقول عنه ليس باختراع لما فيه من الاقتداء بغيره ولا يقال له ايضا سرقة اذا كان ليس أخذا ، هذه هي المعادلة الصعبة التى وضعها ابن رشيق وتركها للنقد فيما بعد ليحلها ويعطى الجواب عنها

اما عن الاختراع والابداع كتفريق فهو يقول : الفرق بين الاختراع والابداع ) وان كان معناهما فى العربية واحدا ( أن الاختراع : خلق المعانى التى لم يسبق اليها والاتيان بما لم يكن منها قط ، والابداع اتيان الشاعر بالمعنى المستطرف الذى لم تجر العادة بمثله . هذه فى الواقع ) تعريفات تضع حدودا واضحة لكل من الطرفين : الابداع والاختراع .

أما المصطلحات التى أوردها فهى : الاصطراف ، الاجتلاب ، الانتمال ، الاهتدام ، الاغارة ، المرافدة ، الاستلحاق

وهي في رأيه متشابهة ) وكلها قريب من قريب وقد استعمل بعضها فى مكان بعض ) وقبل أن يورد آراءه فيها يستشهد بالجرجانى وعبد الكريم ( يقصد الحاتمي ( وبعض الحذاق من المتأخرين ويأخذ عن ابن وكيع عدم انصافه فيما سماه كتاب ) المنصف ( .

ولا بد لنا قبل ان نناقش موضوع السرقات عند ابن رشيق فى العمدة من ان نعرض لبعض آرائه عموما فى الشعر وفي نفس الكتاب

فى باب فضل الشعر يبدو ابن رشيق الى جانب الشعر ، يقول ) كان الحكم للشعر ظاهرا فى التسمية لأن كل منظوم أحسن من كل منثور فى جنسه فى معترف العادة . واحتج الناس على ان المنثور فى الكلام أكثر وأقل جيدا محفوظا

والشعر أقل وأكثر جيدا محفوظا . . . والشاعر واثق من نفسه مدل مما عند على الكاتب والملك فهو يطلب ما فى ايديهما ويأخذه

وابن رشيق يفرد بابا خاصا من الرد على من يكره الشعر يستفتحه بقوا للنبى الكريم وما روى عن الصحابة والخلفاء والتابعين ، اذن فهو يمجد الشعر والشعراء ويجد عذرا لمن يحاول ان يأخذ مكانة شعرية ولو على حساب غيره وذلك لما للشعر من مكانة خاصة ولما له من تأثير هو كالسحر فى فتح الابواب المغلقة ماديا ومعنويا . وهو نفسه يفخر بأنه شاعر ولو اختلف الناس في شعره أو اختلط عليهم لنصب نفسه حكما فيما هم فيه مختلفون ، وليس لها الصحيح . وبما أن الشاعر له مكانة ) ثابتة ( هى قطعا ) ارفع من منزله الخطيب وبما انهم بحاجة باستمرار الى الشعر ) فى تخليد المآثر ( فلا بد من ان يكون الاحتيال علي الشعر والسطو موجودان كما السرقة للنفيس من المتاع والمتدوال من المال . للشعر اذن قيمة متعارف عليها وهي ) عملية ( تصلح للاستعمال متى حصل عليها الشاعر ولو كانت عملية قديمة ) وربما القديم أفضل من الجدير فى هذا المجال ) .

ومثل القدماء والمحدثين فى رأى ابن رشيق كمثل رجلين ابتدأ هذا بناء فاحكمه واتقنه ثم أتى الآخر فنقشه وزينه فالكلفة ظاهرة على هذا وان حسن والقدرة ظاهرة على ذاك وان خشن ، وهذه نظرة أخرى فى ان الشعر ) كمادة ( هو واحد ٠٠ ولبس أمام الشعراء سوى هذه المادة ان وجدوها مبنية حسنو فيها والا فهم يبنون كما بنى من سبقهم

وعندما ينتقل الى صناعة الشعر نجده يعطى الاهمية للناقد الذى يرد ك صنف الى بلده الذي خرج منه أما الشعر لديه فيقوم من أربعة اشياء : اللفظ الوزن ، المعنى ، القافية ، اللفظ جسم وروحه المعنى وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم يضعف لضعفه ويقوى بقوته . وأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى . . . وبعضهم - وأظنه ابن وكيع - مثل المعنى بالصورة واللفظ بالكسوة الخ ..

فى هذا الرأى متسع للدخول الى منهج ابن رشيق عامة والى السرقات الشعرية خاصة لأن اللفظ هو الظاهر . . . والمعنى يظل خفيا . . . والوقوف على اللفظ فى السرقات أكثر وضوحا من الغوص على المعنى الذى يعترف الجميع انه قد يكون مشتركا أو يمكن له ذلك . ومن هنا يقف ابن رشيق فى العمدة موقف

من المعنى . . . ويقف فى قراضة الذهب موقفا آخر من اللفظ ) وهو الذى أدى الى الحاق السرقات بالبلاغة (

وفى باب التشييد يقول : انتهت القدماء بتشبيهات رغب المولدون الا القليل عن مثلها ) ويأتى بشاهد من امرئ القيس ( . هذا يدل على ان المولدين يأخذون الكثير منه وقد يمدون أيديهم أيضا الى غير المستحسن لا لشئ الا لانه لمن سبقهم من المشاهير ، أو لأن لهم حقا أو شبه حق فيما يفعلون

هذه الاراء وغيرها توصلنا الى ناحيتين

ثبوت السرقات الشعرية من جهه . . ووجود مصطلحات خاصه بها من جهة أخرى وأخذ البلاغين لها .

أما السرقة القبيحة عنده فهى فى مسخ المعانى او الالفاظ والاساليب . . اى انه يريد دفع العمل الشعرى الى امام ولو على حساب السرقة . وهناك نوع جديد ذكره ابن رشيق من السرقة هو نظم النثر ) ويبدو ان موجته قد ظهرت ان لم نقل بدأت منذ المتنبى ( وهذا فى رأيه مباح ومقبول ) فما جرى هذا المجرى ثم يكن على سارقه جناح عند المذاق ) وكيف لا يكونون حذاقا أولئك الذين يعرفون كيف لا يردون الشعر الى أصله فى النثر على فيضه واتساعه وكثرة ما يقال فيه ؛ وكيف لا يقبل هذا الشرط الذي يضع الأمر بين أيدى ) الحذاق ( الذين هم حقيقة الأمر ) النقاد (

وفى الاشتراك يحدد ابن رشيق أنواعا : للفظ وللمعنى من المعنى : 1 - ان يشترك المعنيان وتختلف العبارة عنهما فيتباعد اللفظ ، وذلك هو الجيد المستحسن

2 - ما يوجد فى الطبائع ) هكذا فى رأى ابن رشيق من تشبيه الحسن بالشمس والقمر والشجاع بالأسد الخ . . . وما كثر حتى استوى الناس فيه بعد أن كان مخترعا كعين المها وعنق الظبي الخ . . .

هذه العودة الى العلاقة بين اللفظ والمعنى والتى يعود اليها ابن رشيق كلما بعد عنها وكلما أراد أن يمجد اللفظ او ان يستبعد المعنى تجعلنا تظل على نظرتنا له ولمنهجه الذي بدا عند معاصره ابن شرف القيروانى الذى يجسم السرقات بأنها الفاظ ومعان . والذى استمر عند الجرجانى ) 471 ه (

والجرجاني يفصل في منهج ابن رشيق ويدفع به فيجعل المعانى نوعين : عقلي وتخييلي ومشترك وخاص . وما فعله عبد القاهر الجرجانى انما هو التوسع واعطاء صفة للفلسفة وأخرى للبلاغة والعدل فى ان المشترك لا يجوز ادعاء السرقة بل السرق فى المبتدع والخاص

وبعد الجرجاني تجمد قضية السرقات وتلحق بالبديع

ابن رشيق فى قراضة الذهب :

قراضة الذهب فى نقد أشعار العرب

فى هذا الكتاب تبدو السرقات من الانواع البديعية  السرقة انما تقع من البديع النادر والخارج من العادة وذلك فى العبارات التى هى الالفاظ انه الموقف الثاني . . او الوجه الآخر للسرقات الشعرية كما يراه ابن رشيق يقول المطابقة والتجنيس أفضح سرقة من غيرها لان التشبية وما شاكل يتسع فيه القول والمجانسة والتطبيق يضيق فيما تناوله اللفظ ( وهنا يبرز السؤال لماذا يتحدث ابن رشيق عن أنواع الحذق فى الأخذ به هل الحذق فى حد ذاته صنعة او جزء من صنعة تدخل كثيرا او قليلا فى صياغة الشعر ، أقول صياغة الشعر لا عمل الشعر حتى نظل فى الشكل . . . فى اللفظ . ولماذا يغفل ابن رشيق المعنى الذي قرنه باللفظ في العمدة ؟ بل لماذا عاد الى الحديث عن السرقات بهذا الجمود بعد العمدة ذات المنهج القابل للتطور ؟ نقول لماذا دون ان نضع فى حسابنا الترتب الزمني لكل من الكتابين العمدة وقراضه الذهب لأن آراء ناقد ما حول موضوعات من هذا النوع لا تكون وليدة قناعات جديدة تغاير القديمة أو تخالفها وانما هو اتجاه نقدى كامل له تفرعاته وتشعباته . . ثم . . هل أراد ابن رشيق التعريض باللغويين فى قرن السرقات بالصنعة ، هل احس قصورا أو هجوما عليه انتقاصا من منهجه النقدى هل ان منهجه لم يكن مقبولا أو اتهم فيه أو عد خروجا على المتعارف عليه والمألوف والمعروف ، يبدو ان الأمر ليس متعلقا بالعصر والظروف بمقدار ما هو متعلق بابن رشيق نفسه لو كان متعلقا بالعصر لما سار نهجه واندفع وتعاظم حتى وصل الى حد من النضج والاكتمال عند الجرجاني ) علما بأن خط البلاغبين وأصحاب البديع والشكل كان يأخذ مساره هو الآخر ويتعاظم أيضا ( لكن ابن رشيق لا يتخلى عن الجديد في قراضة الذهب . كما فى العمدة . . ولا يتخلى عن النظريات الخاصة التى تفتح بابا للنهج . هذا جيد ويجب ان يذكر . يقول :

) يمر الشعر بمسمعي الشاعر لغيره فيدور فى رأسه أو يأتي عليه الزمان الطويل فينسى انه سمعه قديما وربما كان ذلك انفاق فراغ أو تحكيكا من غير ان يكون أحدهما من الآخر ( اليس هذا أساسا من عملية الابداع التى شغلت حيزا من اهتمام النقاد ، ثم ان ابن رشيق يجعل رواية الشعر سبيلا الى ذلك كما هو الحال لدى الفرزدق . وهذا ايضا تعليل جديد لقضية السرقات ومن الجديد ايضا قوله ) الذى اعتقده وأقول به انه لم يخف على حاذق بالصنعة أن الصانع اذا صنع شعرا ما وقافية ما لمن قبله وكان من الشعراء وله شعر في ذلك الوزن وذلك الروى واراد المتأخر معنى فأخذ فى نظمه ان الوزن يحصره والقافية تضطره وسياق الالفاظ يحدده حتى يورد نفس كلام الاول ومعناه حتى كانما سمعه وقصد سرقته وان لم يكن سمعه قط ) . ليس هذا جديدا بالنسبة لعصر ابن رشيق فقط بل لابن رشيق نفسه ايضا فيه رجوع الى المنهجية التى لمعت فى العمدة والتى ميزت ابن رشيق بين نقاد عصره

السرقات فى العمدة

يطلق ابن رشيق على هذا الباب اسم ) السرقات الشعرية وما شاكلها ( مما يدل على أن هناك ما يشبه السرقات لكنها لا تسمى باسمها وان هناك التباسا حول ما يسمى السرقات وربما لأنها تكاثرت وتوزعت فى اسمائها الاراء حتى لم يعد الباحث القدير قديرا على ان يحصرها او ان يعين اسماءها بدقة الا ان هذا الموضوع الهام موضوع السرقات على تشعبه واختلاف النقاد فية لم يحظ باهتمام كبير من ابن رشيق فلم يخصص له بابا أكبر من الابواب الاخرى ) كالأوزان والقوافي مثلا ( ، ولم يطبق فيه منه منهجه النقدى الا في قواعد عابره وسريعة وهو الى ذلك يعترف انه باب متسع جدا . فهل يعترف بقصوره ام بتقصير فى حقه : اعتقادنا انه تقصير لا أكثر . . . . وهذا محمود لأن المشكلة اصبحت فى عصره تحتاج الى من يطفئ نارها أكثر مما يشعلها ، خاصة وان القرائح بدات تجف ) نظرا للقيود الصارمة التى وضعت على مسار التحديد والابتكار ( والشعراء يغيرون على شعر بعضهم بعضا معتبرين ان سادة الشعر يجب ان يظلوا هم أنفسهم . . وان مفاهيم التقويم يجب ان تظل هي نفسها وماذا نقول ايضا عن قيود القوافى والاوزان والتجمد ضمن الاغراض الشعرية والقوالب اللفظيه ؟ وماذا نقول عن علوم البلاغة التى أخذت تبسيط على القيم الجمالية للشعر حتى أفقدت الشكل رونقه وبهاءه وطفت على المعاني فالحقتها بالاساليب ، أم ان ابن رشيق اتبع طريقا أكثر أمانا اعتقادا منه ان احدا لا يدعى السلامه منه ) أى باب السرقات . وان فيه أشياء غامضة الا عن البصير

الحاذق بالصناعة ) ويقصد الشعر لكن هذا لا يوفر لنا قناعة ما . . فابن رشيق هو الحاذق البصر أولا . . هو المطلع على مشكلة السرقات ثانيا . . متعمق باحث فيها بدليل استنتاجاته ومقارناته ومحفوظاته وبدليل رده على النقاد ممن سبقوه وعاصروه أو بدليل تأييده لآرائهم . وها هو يعترف انه ) اطلع على حلية الحاضرة للحاتمي . لكن ما هى النتيجة ؟ لقد وجد ان ليس لها محصول . . وكلها قريب من قريب ) وسبق ان اشرنا إلى ذلك فى هذا البحث ( فهذا هو السبب اذن . ثم يستشهد برأى الجرجانى معتبرا انه أصح مذهبا واكثر تحقيقا فى ان هناك المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتدل الذى ليس واحد الحق به من الآخر وبين المختص الذي حازه المبتدىء وأحياه السابق فاقتطعه وهذا ايضا رأى معتدل ووسط بل هو ) اختيار ( لاحد الآراء المطروحة تمام ابن رشيق يضعه كمقدمة تعبر سلفا عن النتيجة التى أوردها على لسان الحاتمى بأنها ) اوسط الحالات (

ولا باس ان نعود فنذكر المصطلحات التى أوردها فى العمدة وهي : الاصطراف ، الاجتلاب ، الانتحال ، الاهتدام ، الاغارة ، المرافدة ، الاستلحاق .

يقول عن الاصطراف : ان يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه الى نفسه ولا فرق سنه وبين الانتحال الا أن يكون شاعرا ) والسؤال : كيف يدعى لنفسه الشعر ان لم يكن شاعرا بل ما قيمة ذلك على المستوى الادبى ، لعل ابن رشيق يضعه اذ ذاك من زمرة المقلين او الذين لم يعرف لهم الا البيت او الابيات المجودة فى هذا البيت او تلك الابيات مما يجعلهم اعلاما ومشاهير بطريقة ما . . . والا فان هذا من الخطأ . ثم ٠٠ هل هناك أخذ ) بالمعروف ( حتى يفرق الاصطراف عن الاغارة والنصب ؛ وهل من يفرط فى حقه حتى تكون المرافدة ؟ وما هو هذا المقدار بين أقل من بيت أو بيت او أكثر حتى تصلح معه التسمية ؟ وهل يجوز التضاد ان يكون سرقة حتى نسميه كذلك .

أما تحويل المعنى بتسميته ) اختلاسا ( فقريب لغويا من السرقة . وأما ان صح ان شاعرا لم يدر بآخر فتلك المواردة والالتقاط والتلفيق هو اخذ بيت من أبيات الخ . . .

ثم يأتي ابن رشيق بأمثلة عن الاصطراف بنوعية . . . ألا نرى اذن انه لعب بالالفاظ ؟ وان الفرق بينهما دقيق كما فى ميزان الجواهرى . ويبدو أن ناقدنا مضطر للتفريق بينها بهذه الدقة ليثبت ان

الموضوع أقدس من ان يطلق عليه لفظ السرقة  لكن الكلمات تفلت منه بعد قليل ) وان شئتم أدلة وأمثلة فهى موجودة . . . ويستشهد بآراء العلماء حتى المحدثين ومنهم الجمحى ابن سلام.

أما الاغارة فهى ان يصنع الشاعر معنى فيتناوله من هو أعظم منه ذكرا فيروى له دون قائله وقد يكون برضى من صاحبه أو بعلم منه . وابن رشيق لا يرى عيبا فى ان يستوعب الشاعر البيت والبيتين والثلاثة او أكثر إذا كانت شبيهة بطريقته لأنه يقدر على مثلها . وهذا رأى غريب ينفى عن الشاعر ان يكون له رؤياه الخاصة . . عالمه الشعرى الخاص . . وبالتالى قاموسه الخاص وانما الأمر يعود للقدرة على قول الشعر فقط .

وهنا أيضا يرد على ابن وكيع عندما عاب هذا ) بقلة تمييز منه أو غفلة عظيمة ( بما يوحى الينا ان يضم رايا خاصا الى آراء شائعة تقف الى جانبه وتدعمه فيما أصبح مألوفا ومعروفا او شبه قاعدة لا يستنكر ولا يستهجن بل على العكس يتهم من يقف ضده بقلة التمييز والغفلة .

وعن المواردة يشترط ابن رشيق المشابهة بدليل انه صحح مواردة ما بين امرىء القيس وطرفة بقوله ) لان طرفة فى زمان عمرو بن هند شاب حول العشرين وامرؤ القيس فى زمان المنذر الأكبر كبير وشعره أشهر من الشمس ( انه توارد خواطر . . . وهذا رأى يؤيده النقد الحديث ويدعمه علم النفس وكذلك اكثر الآراء تقدمية فى الشروط والظروف أو البيئة التى تحيط بالشاعر

يدعم ابن رشيق رأيه هذا برأى ابن العلاء ) تلك عقول رجال توافت على السنتها ( ويقول ابو الطيب مبررا ) الشعر جادة وربما وقع الحافر على موضع الحافر ( والذي تنبه اليه ابن رشيق نسي فيما نسي ان أبا الطب من المهتمين بالسرقات وممن سرق الشعراء منهم . . . فهل هذه مواردة أيضا .

وعن الالتقاط والتلفيق : يأتى ابن رشيق بأمثلة ويزلق لسانه بعد ان استبعد كلمة السرقة فيقول ) مما يتساوى فيه السارق والمسروق ( وكأنما هذه الاسماء كلها لمسميات واحدة . ثم ان ابن رشيق يوضع الشروط للاموات من الشعراء كما للاحياء تعتمد على الاسبقية فى الزمن لا أكثر فان جمعهما زمن واحد كان الفوز للمجيد فيهما .

هذا يناقض المبدأ السابق ) المواردة ( ولعله هو الآخر ينفي عن غير المجيد ان يرتفع ) ولو مرة ( ليصبح مجيدا والا فكيف نضيع عليه مثل هذه الفرصة

كيف نحرمه منها كيف نحجب عنه حقا هو فى الأصل له لنمنحه لسواه لا الشئ الا لانه شاعر مجيد لا أكثر

وعندما يصل ابن رشيق الى ما يسميه ) آجل ( السرقات يقول انه نظم النثر وحل الشعر وبعد أن يأتي بأمثلة مشهورة ) وربما مكررة ( يقول : هذا ما ليس على سارقه جناح عند الحذاق . هذه العبارة تذكرنا بآية من القرآن ولا على أنفسكم ان تأكلوا من بيوت آبائكم وبيوت اخوانكم او بيوت اعمامكم الخ . . . " .

كأنما هو طعام أو شراب محلل مباح . . . ليس على آكله جناح . . . وكأنما بالتالي لا قيمة للمعنى ان كان قائله ناثرا وانما القيمة كل القيمة فى تحويله الى نظم . أرأينا تحيزا الى جانب الشعر أكثر من هذا ؛ وماذا نقول اذن عن سرقة ) الأفكار ( فيما لا يحصى من الموضوعات فى فنون القول . أليست فيما سار عليه الاقدمون ، وابن رشيق نفسه فيما سمى أغارة أو استلاب أو اجتلاب أو أيا من الاسماء التى أطلقت : وماذا لو ان شاعرا ) نهب ( الجاحظ وابن عطاء وابن عربى مثلا او غيرهم من أصحاب الفكر المبدع الخلاق هل نقول له افعل ما تشاء وارتع فى بساتين غيرك واقطف منها ما لذ وطاب دون ان يكون عليك حرج لا لشئ الا لأنك شاعر

فى ختام بحث السرقات يقول ابن رشيق . . والقليل فيما جاء كفاية " فهو اذن يعترف بأنه لم يأت الا بالقليل . . . وناقد عالم متفقه فى أمور الادب واللغة والشعر مثله قادر على ان يأتي بالكثير . . . الكثير المقنع والمفحم والذى به يرد على السائلين والمحتكمين فى شأن السرقات تماما كما يرد على الخصوم والمعارضين لكنه لم يفعل . . . لم يستوف كل أنواع السرقات ولم يأت بأمثلة تفصيلية لها وبشواهد ، هل يفعل ذلك ليترك المجال للبلاغيين اكثر من النقاد ، هذا هو السؤال الأكبر . . . والجواب عليه يحدد هوية ابن رشيق كناقد ولعلنا نرجع الى القول انه آخر من اعتبر السرقات بحثا نقديا لا بلاغيا وخاصة فى كتاب " العمدة " ولعلنا نرجع الى القول انه رغم كل شئ ناقد كبير ذو خط منهجى قيم وواضح يجعلنا نقف أمامه وقفة احترام لنضعه فى مكانه اللائق به بين كبار ناقدينا القدامى

ملحق المصطلحات التى أتى بها ابن رشيق للسقات الأدبية مع محاولة تفسيرها .

1- الاصطراف : ان يعجب الشاعر ببيت فيصرفه الى نفسه الاجتلاب او الاستلحاق : وهو اصطراف على جهة المثل ) وهو يختلف عن الاقتباس والتضمين الانتحال : ادعاء الشاعر لنفسه شعر غيره الادعاء : ادعاء غير الشاعر شعرا لغيره الاغارة : ان يروى البيت لمن هو أعظم شأننا دون القائل الاصلى وذلك لتناوله اياه اذا أعجب به .

النصب : أخذ الشاعر لبيت من شاعر آخر على سبيل القوة والتهديد الموافدة والاسترفاد : اخذ الشاعر بيتا من شاعر آخر على سبيل الهبة أو الهدية الاهتدام او النسخ : وهو السرقة فيما دون البيت النظر والملاحظة : تساوى المعنيين فى اللفظ مع خفاء الاخذ وكذلك اذا تضاد المعنيان ودل احدهما على الآخر

الالمام : نوع من النظر ، او هو تضاد المعنيين الاختلاس او النقل : تحويل المعنى من غرض لآخر الموازنة : اخذ بنية الكلام فقط العكس : جعل مكان كل لفظه ضدها المواردة : ان تتشابه الابيات ولم يسمع شاعر قول الآخر وهما فى عصر واحد .

الالتقاط والتلفيق او الاجتذاب والتركيب : وهو تأليف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض كشف المعنى : وهو توضيح المعنى المأخوذ وابرازه

أما مواضع الاخذ الحسن فهي :

اختصار المعنى اذا كان طويلا

بسط المعنى ان كان كزا تبين المعنى ان كان غامضا اختيار اللفظ او ) حسن الكلام ( للمعنى ان كان سفسافا اختيار الوزن الرشيق ان كان جافيا صرف المعنى من وجه إلى وجه آخر

قبيح الأخذ هو

اتباع المعنى الردى واللفظ الردى وما هو مستهجن مسخ المعاني والالفاظ والاساليب فيما يتناول الشاعر من غيره

مباح الأخذ هو :

نظم النثر او ما جرى هذا المجرى من نظم المنشور

خاتمة :

وبعد . . فهذا بحث موجز وسريع اردنا ان نخصصه فى عصر ابن رشيق من زاوية نقدية فقط وصولا الى ابن رشيق نفسه ومن زاوية نقدية واحدة فقط هى السرقات الشعرية وهي قد شغلت عصر ابن رشيق . . . وشغلته بالتالى رغم انه لم يعرها اهتماما يتناسب مع خطورتها من جهة ومع قدراته النقدية من جهة أخرى ، لكن هذه الآراء لا يمكن ان تفصل عن النظرة الشاملة العامة لابن رشيق من حيث انه ناقد . وهى على صغر حجمها ذات دلالات والقليل احيانا يغنى عن الكثير وهذه الآراء انما هي نقاط ضوء تحتاج الى بحث اشمل . . . ودراسة اعمق . اما الجوانب الاخرى من شخصية ابن رشيق ناقدا وأديبا وعالما ومتضلعا بعلوم البلاغة والعروض فى عصره فهى جوانب لا شك هامة وجديرة بالبحث والدرس والقاء الاضواء عليها من جديد ، ذلك لان ابن رشيق صاحب فكر مبدع ونقد خلاق يسير على خطى المنهجية والموضوعية وله نظرات فى الادب تختلف عن نظرات معاصرية . . . ولعل فى مرويانه ومحفوظاته ما يؤكد ذلك ويدل عليه ، وعسى ان ينال ابن رشيق اهتمام الباحثين المعاصرين والدارسين لشؤون النقد وخاصة فى كتابه العظيم " العمدة

اشترك في نشرتنا البريدية