رحم الله ابن سعود ، فقد كان عظيما بين عظماء الرجال ؛ وعبقريا من عباقرة التاريخ - الذين تلمع أسماؤهم - ويدوى ذكرهم فى مشارق الأرض ومغاربها على مر الدهور ومدى الأزمان ، للاعمال المجيدة والمآثر الباهرة التي كانت سبباً فى رفعة أوطانهم وعلو شأنها واصلاح أحوالها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية العامة ما ناحية .... والسير بالانسانية المعذبة الى عالم تسوده روح التعاون والتضامن والوئام والبذل والتضحية من ناحية أخرى .
وما من شك فى أن العبقرية فى مختلف أشكالها تبرز بآثارها واضحة جلية فى أساليب سلوك أفذاذ التاريخ وطرق تفكيرهم بحيث لا تخفى عن أنظار المؤرخين والعلماء والباحثين وعامة الناس ، مهما اختلفت مشاربهم وتباينت جنسياتهم ؛ وتعددت منازع تفكيرهم .
ولا مراء فى ان نوابغ الرجال وعمالة التاريخ الانسانى عندما يعرضون على مقاييس التحليل وموازين التقدير - أياً كانت - للتعرف على خصائصهم الانسانية العالية واظهار ألوان للمهارة ؛ وضروب القوى المبدعة فى نفوسهم ، فانهم يرجحون دائما .
وابن سعود - رحمه الله - من الشخصيات البارزة فى تاريخنا العربي المعاصر فقد صنع تاريخ أمة عربية عريقة ، وأقام لها أمجادا خالدة ، وأتاح لها أن تلعب دوراً هاماً فى توجيه سياسة دول الشرق الأوسط ، فرفع ذلك من ذكره فى أنحاء العالم الخارجي ، بله العالم الاسلامى ، ولفت أنظار طوائف الساسه والمؤرخين والكتاب الصحفيين من متباين الجنسيات ، فاتجهوا اليه يطلبون وده - ويؤرخون حياته - ويستقصون أنباءه ويدرسون مناحى شخصيته الفذة العظيمة ؛ التى كان لها أكبر الأثر وأعظميه فى صنع تاريخ المملكة العربية السعودية
وقد طار صيت الملك عبد العزيز بن سعود فى أنحاء الدول الغربية كحاكم ديمقراطى عادل ، ومحارب باسل من طراز أول عرف بقوة الشكيمة ولقانة الذهن ، وسياسى المعنى لبق ؛ يتصف ببعد النظر ودقة التفكير ، وحصافة العقل ولياقة التصرف وسعة الصدر ، فأغراهم كل ذلك بالاتصال به شخصيا ، وزيارة بلاده ودراسة شتى الأحوال
والأوضاع العامة فيها ، وتحليل جوانب شخصيته على ضوء الواقع العملى والنفسى لأمته ليتسنى لهم النفاذ الى كنه عبقريته السياسية والحربية ، ومعرفة أسرار بطولته التاريخية التى كادت ترتفع إلى درجة الأساطير وانتاج الخيال الخصيب . فأعجبوا به ايما اعجاب ، وسجلوا ذلك الاعجاب والتقدير فى مؤلفانهم وفصولهم ومقالاتهم الصحفية الكثيرة .
وتتنوع الدراسات الغربية التى تتناول حياة سيد الجزيرة الراحل فمن مؤلف يترجم لحياته وللأحداث العظيمة التى اكتنفت تلك الحياة ، ومن كاتب آخر يستعرض تاريخ المملكة العربية السعودية من أول نشأتها الى العصر الحاضر ويستتبع ذلك الطبع ، الحديث عن محور ذلك التاريخ وصانعه عبد العزيز بن سعود ، ومن مؤرخ ثالث يتناول تاريخ العرب فى عصورهم القديمة والوسطى والحديثة ويعرض طبعا بالتاريخ لنشأة الدول العربية المعاصرة والتطورات التى المت بها كما فعل الدكتور فيليب حتى فى كتابه " تاريخ العرب " وكارل بروكلمان فى " تاريخ الشعوب الاسلامية " واخيراً فهناك فريق رابع يؤرخ لحياته مقرونة بتراجم حياة ابطال العالم فى مختلف فروع الحياة الانسانية كما فعل الصحفى الامريكى الشهير دونالدر وبنسون فى كتابه " اعظم مائة رجل فى العالم " فقد ارتفع بعاهل الجزيرة العربية الي مصاف قادة الرأى والفكر العالميين ، الذين شاء لهم القدر ان يسيطروا على مصير اممهم ، ويعملوا على توجيه الانسانية الى نواحى الخير والحق والعدل والتعاطف الانسانى والاخاء العالمى .
وهكذا يصل ابن سعود ربيب الفيافى والضحراء إلى اوج العظمة ويتمم أعلى ذروات الشرف والتقدير الانسانى ويقف مع غيره من أفذاد الرجال العالميين . .
وفى كتاب " الاسلام اليوم " الذى اشرف على اخراجه المستشرقان البريطانيان الدكتور ارثراربرى ، وروم لاندو ، يقول روم لاندو فى الفصل الذى عقده عن ( امبراطورية ابن سعود ) : ( إن تاريخ المملكة العربية السعودية - فى حقيقة الامر تأريخ لحياة الملك ابن سعود ، فالعلاقة بين الاثنين ، اشد اتصالا منها بحالة تركية الحديثة مع كمال اتاتورك ، فالزعيم التركى يعتبر مصلحا لاشياء كانت موجودة من ذى قبل ، اما ابن سعود فقد انشأ امبراطورية ، لهذا فهو مسئول عن كل شىء يجعل من المساحات الشاسعة فى الصحراء القاحلة ؛ والقبائل المتباينة العناصر ، وحدة وطنية )
وفى موضع آخر يقول : ( استطاع ابن سعود أن يتفاوض مع بعض الدول الكبرى على أسس متساوية ، وان يكون علاقات ودية مع جيرانه من الدول :
كالعراق وتركية ومصر وايران ومع مجموعة الدول الغربية ؛ وفى مقدمتها بريطانيا وبهذا استطاع ان يضمن لبلاده الاستقرار السياسى الخارجى ؛ وأبعد من هذا كله فقد ربح العربية احترام العالم كله ، واستطاع فى سنوات قلائل أن يجعل من مجموعة العناصر المتحاربة كتلة تقف على قدم المساواة مع غيرها فى جماعة الدول الحديثة .
ومن الجائز ان يقارن ابن سعود ببسمارك فى المجال السياسى ، الا ان المادة التى صهرها السياسى المسلم ، وجعل منها وحدة متماسكة جديدة ، أقل مرونه فى طبيعتها من تلك ؛ فقد كانت المقاطعات العربية اقل استعدادا للاندماج فى امبراطورية موحدة من المقاطعات الالمانية (١) "
ويقول شيخ المستشرقين الالمان كارل بروكلمان فى كتابه " تاريخ الشعوب الاسلامية " عن استفادة ابن سعود بخير ما فى الحضارة الحديثة من مزايا ومنافع لا تخالف روح الدين الاسلامى ، وبحيث يتيح استخدامها زيادة رفاهيه الشعب ورفع المستوى المادى والفكرى له :
" كذلك أدخل ابن سعود السيارة إلى شبه الجزيرة ، حتى لقد انتهت مواصلات الحج إلى أن تكون اليوم آلية بالكلية ، ليس هذا فحسب ، بل لقد اصطنع ابن سعود منذ أمد طويل كلا من التليفون والراديو فى دوائره الحكومية . وطفق يسعى مؤخرا - وخاصة بعد أن لمس شخصيا حسنات الطب الأوربى - الى أن يجعل منافع علمى الصحة والطب الحديثين فى متناول رعاياه ، كذلك لقى التعليم الذى كان مهملا حتى ذلك الحين فى شبه الجزيرة ، باستثناء مكة والمدينة - اهمالا تاما ، اهتماما من جانب العاهل السعودى ) (2) وقد اتصل المهندس الجيولوجى الامريكى كارل بوتشل بجلالة العاهل الراحل اتصالا مباشرا ، وعرض لبعض نواحى عظمته فى شذرات متفرقة فى فصول كتابه " البلاد العربية السعودية "
ويقول توتشل فى الفصل الذى أداره على الحكومة العربية السعودية : " وهى وان كانت حكومة ملكية ، إلا انها فى شئونها الشعبية تعتبر حكومة ديمقراطية ، فأقل بدوي في وسعه أن يدخل على اميره ويطالبه بحكم الشرع ، واقامة العدل بينه وبين خصومه .
" وللملك ساعة معينة من كل يوم يجلس فيها للنظر في شئون الرعية والاستماع الى شكاواهم التى يعرضها عليه نفر من الرؤساء ، وأوامره لا اعتبار فيها للون أو للنسب .
" وجلالته - باتفاق الآراء - رجل صالح وملك عادل ومفكر كبير وجواد كريم يعمر ضيوفه بكرمه وسخائه "
ويقول توتشل فى معرض الحديث عن الموقف الذى اتخذه ابن سعود فى قضية الحرب بين الحلفاء والألمان إبان الحرب العالمية الثانية ، وبرهن ذلك على صدق وفائه لحلفائه ، ورهافة حاسته السياسية : " هذا وقد ظل جلالته فى أيام الحرب الاخيرة عند مواعيده ومواثيقه ، رغم اشتداد الحالة على الحلفاء واندفاع الناس ناحية الألمان ، وبذلك أثبت جلالته للملأ بعد نظره وحصافة رأيه ، وسمو فكره ورجاحة عقله " (٣) .
ويفرد كاتب بريطانى آخر هو مستر كنيث وليامز كتابا مستقلا فى سيرة جلالة الملك " ابن سعود " وقد صدر عام ١٩٣٣ يقول فيه مؤلفه :
" هل بين ملوك الشرق الحاضرين من يضارع ابن سعود ؟ لا اذكر حاكما قويا يخشى الله قد وصل الى مكانة هذا المليك ، فلا شك أنه لا يعدله ملك فى العالم الاسلامى فهو الجندى الباسل والمصلح الكبير ، والمخلص لدين الله ، والانسان الظريف الكريم الصريح الثابت ، الذكى الشجاع المتواضع ، فليس كمثله ملك .
ومن السهل أن يخالفه فى الرأى رجال من رعيته ، وهذا الاختلاف لا يقلل من احترامهم لشخصه والاخلاص له . وقد بعثت شخصيته الحية المثل العليا فى نفوس الكثيرين فى سائر البقاع الاسلامية " (٤)
ومجمل القول أن شخصية صقر الجزيرة العربية الراحل ، قد حظيت بالتقدير التام من صفوة رجال الفكر الغربى للسياسة الواقعية الحكيمة التى انتهجها ابن سعود . فأنقذ بها أمته من براثن الفوضى والجهل ، وانتشل بلاده من الحضيض الذى تردت فيه ، وجعل لها كيانا ثابت الدعائم قوى البنيان فى عالم السياسة والاجتماع والاقتصاد .
فهذا الكاتب ه . س . ارمستترونج يخلب لبه ببطولة ابن سعود الفذة وبراعته فى فن الحرب ، فيترجم لحياته فى كتابه " سيد الجزيرة العربية وذاك الحاج عبدالله فيلبى الانجليزى الذى أسلم ورافق ابن سعود زمناً طويلا كمستشار فأتيح له خلال ذلك الزمن أن يدرس مواهبه وسياسته دراسة فاحصة دقيقة ويبصره فى مختلف أجوال حياته العامة فى فرحه وحزنه ورضاه وغضبه ونعيمه وبؤسه ، وحربه وسلمه ، ويفرغ كل ذاك فى كتابه " اليوبيل العربى الذى أصدره عام ١٩٥٢ م بمناسبة ذكرى مرور خمسين عاما على فتح مدينة الرياض ، وهو أفخم وأشمل موسوعة لحياة العاهل العظيم ، وفيه يبدع فيلبى كل الابداع فى تصويره حياة الملك ابن سعود ، ووصف الأحداث والحروب والتطورات التى ألمت بالمملكة العربية السعودية فى عهد مليكها الراحل .
وفى نفس ذلك العام يصدر مؤلف آخر لكاتب وطبيب أمريكى مسلم هو الدكتور جورج خير الله ؛ أسماه " بعث الجزيرة العربية " .
فى سرد تاريخي طريف ، يستعرض المؤلف فى ايجاز مختلف عهود التاريخ التى مرت على الجزيرة الى غصرها الحاضر ، ويلم فى اسهاب ودقه وشمول بألوان البعث وأفانين للتطور الحديث التى بعثها ابن سعود فى الكيان السياسى والاجتماعى والاقتصادى لبلاده العربية السعودية بعد أن شاهدها المؤلف عن كثب عندما قدر له أداء فريضة الحج فى عام ١٩٤٨ .
وهكذا ترجح كفة ابن سعود فى موازين الغربيين المنصفين ، وترتفع شخصيته الى مصاف نوابغ الرجال ودهاقنة الساسة وصناع التاريخ فى أنحاء المعمورة .
