الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

ابن قدامة

Share

بقلم الاستاذ : سليمان عبد العزيز     السحيمى

مقدمة عامة :   التاريخ الإسلامى على امتداده زاخر باعلام الرشد والهداية الذين كانوا منارا للعلم والمعرفة يشعون الهدى والرشاد على النفوس والعلم والمعرفة على القلوب . فساهموا فى تقدم الحضارة وازدهارها وساعدوا على تنمية العلوم القديمة وابتكروا علوما جديدة فاسهمت مساهمة فعالة فى التقدم البشرى ورقيه فما من علم من العلوم الا وكان للعلماء دور كبير فى تطوره ونموه فهناك ابن قدامة والغزالى فى الفقه وابن خلدون فى التاريخ والادريسى في الجغرافيا وابن سيناء والرازى في الطب وابن حيان فى الكيمياء والخوارزمى وابن قره فى الرياضيات والبتانى فى الفلك وابن البيطار فى علم النبات .. الخ .

ولقد رأيت هنا ان نسلط الاضواء على بعض هؤلاء الاعلام المشاهير راجيا الله ان أوفق فى استعراض حياة كل واحد منهم بصورة مشرقة وان اعطيه حقه من التعريف .

وفى الاسطر الآتية سأسلط الضوء على الشيخ موفق الدين ابن قدامة .

   (( ما دخل الشام بعد الاوزاعى أفقه                من الشيخ موفق )    هذا ما قاله شيخ الاسلام ابن تيمية يصف ابن قدامة رحمه الله . . فمن هو هذا الشيخ الجليل والعالم الفاضل الذى يصفه شيخ الاسلام بهذا الوصف فيجعله ثانى اثنين من أفقه أهل الشام جميعا ؟

فللاجابة على هذا السؤال سنقوم بعرض شامل لحياة هذا الشيخ الفاضل رحمه الله.

نسبه : - هو الامام الزاهد المجاهد شيخ الاسلام موفق الدين ابو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نضر ابن حذيفة ويتصل نسبه الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه .

مولده ونشأته ورحلاته : - ولد الشيخ الموفق فى شهر شعبان سنة ٥٤١ ه وذلك فى بلدة جماعيل . وجماعيل هذه بلدة فى فلسطين تابعة لقضاء نابلس وهى موجودة الى الآن ولكنها تسمى - جماعين - بالنون وتبعد ٤٠ كم عن القدس .

كان والد الشيخ الموفق خطيب جماعيل وعالمها وكان أخو الشيخ الموفق - أبو عمر - يؤم الناس فى (( مسجد الظافرى )) بدمشق وكان ابن خالته الشيخ تقى الدين عبد الغنى ابن عبدال الواحد الجماعيلى زميلا للشيخ الموفق فى الدرس والفقه في الدين وكان له أخ زاهد عالم اسمه الشيخ عماد الدين ابراهيم بن عبد الواحد كان يؤم الناس فى محراب الحنابلة فى (( الجامع الاموى )) اذا غاب الشيخ الموفق .

فهكذا نرى ان اسرة الشيخ الموفق كانت اسرة علم ودين وكانت أسرة طيبة طاهرة . فكان هذا من اهم العوامل التى جعلت من ابن قدامة عالما ففيها وشيخا من شيوخ الاسلام ..

يقول المؤرخ شمس الدين يوسف في كتابه مرآة الزمان عن تدين هذه الاسرة : ( شاهدت من الشيخ ابن عمر الموفق ونسيبه العماد ما نرويه عن الصحابة والاولياء والافذاذ فأنسانى حالهم أهلى ووطنى ثم عدت اليهم على نية الاقامة ، عسى ان أكون معهم فى دار المقامة ) .. وحين بلغ الشيخ الموفق الثامنة من عمره استولى الصليبيون على فلسطين فهاجر والده الى دمشق مصطحبا أسرته معه ولم يفعل ذلك خوفا من الكفار وانما لكى يحث الامراء المسلمين فى دمشق وما جاورها على الجهاد والبذل والعطاء لانقاذ البلاد الاسلامية .

وفى ذلك كان علمنا - الشيخ الموفق - يحفظ القرآن ويدرس مبادئ الفقه والعلوم الاخرى وذلك على المذهب الحنبلى وعلاوة على ذلك كان يتلقى العلم على يد والده العالم ومن ثم تتلمذ على الكثيرين من خيرة شيوخ دمشق مثل : أبى المعالى عبدالله بن عبد الرحمن الدمشقى وأبى المكارم عبد الواحد ابن ابى طاهر الازدى الدمشقى .

ولكن الشيخ الموفق لم يكتف بما تلقاه من علوم فى دمشق بل سافر الى بغداد سنة ٥٦٠ ه وذلك للنهل من معين العلم والمعرفة ببغداد فقد كانت بغداد آنذاك تحفل بمجموعة فريدة من العلماء في شتى نواحى العلوم وقد صحبه فى رحلته هذه الشيخ عبد الغنى - ابن خالته - فدرس هنالك على يد الشيخ عبد القادر الجيلانى فلازمه حتى توفي ثم

درس مذهب الامام احمد ومسائل فى الخلاف وعلم الاصول على يد الشيخ ابى الفتح نصر ابن فتيان النهروانى الملقب بابن المنى الذى قال فى ابن قدامة معجبا ( اسكن هنا فان بغداد مفتقرة اليك وانت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها مثلك ) .

مكث الشيخ الموفق ببغداد أربع سنين قضاها فى الدرس والتحصيل والتزود بالعلم واشباع عقله بالمعرفة بعدها غادر الى أهله وأسرته فى دمشق مارا بالموصل فأخذ على يد خطيبها ابى الفضل . وبعد رجعته الى دمشق رحل الى مكة المكرمة لاداء مناسك الحج وذلك سنة ٥٧٤ ه. وقد اغتنم رحمه الله فرصة وجوده بمكة فاجتمع مع الشيخ أبى محمد المبارك بن على البغدادى وبعد الحج رحل الى بغداد فمكث فيها سنة واحدة قضاها أيضا فى الدرس والتحصيل وطلب العلم . بعدها عاد الى دمشق ولم يغادرها.

سيرته فى دمشق : - غادر الشيخ الموفق رحمه الله دمشق أول ما غادرها عالما بسيطا قليل العلم كأى عالم آخر ولكنه عاد اليها على عكس ذلك . لقد عاد اليها عالما كبيرا وشيخا جليلا وعاد اليها موفور العلم والمعرفة وقد نهل من معين العلم العلوم الجمة . وحين عاد الى دمشق قام بأداء رسالته الاصلاحية على خير اوجهها فقد اخذ فى وعظ الناس وارشادهم وتدريسهم وقام بتأليف المؤلفات . وكانت دروسه على حلقيتين اولاهما تبدأ صباحا الى ارتفاع النهار . وثانيهما تبدأ عقب صلاة العصر حتى المغرب .

وقد تخرج على يد شيخ الاسلام الموفق الكثير من العلماء والمحدثين والفقهاء مثل :

بهاء الدين عبدالرحمن السعدى وشمس الدين عبد الرحمن ابن ابى عامر وهو ابن أحى الشيخ ..

صفاته : - لقد تحلى شيخنا الجليل بنعوت غاية فى الكمال واتصف بأجمل الصفات . يقول الشيخ عبد الله اليونينى : (( ما اعتقد ان شخصا ممن رأيته حصل له من الكمال فى العلوم والصفات الحميدة التى يحصل بها الكمال سواه فانه رحمه الله كان كاملا فى صورته ومعناه من الحسن والاحسان والحلم والسؤدد والعلوم المختلفة والاخلاق الجميلة والامور التى ما رأيتها كملت فى غيره )) يعنى الشيخ - ابن قدامة -

ووصفه محب الدين محمد بن محمود ( ابن النجار ) فقال (( كان الشيخ موفق الدين أمام الحنابلة بالجامع وكان ثقة حجته نبيلا غزير الفضل ، كامل العقل ، شديد التثبت ، دائم السكوت ، حسن السمت نزيها ورعا عابدا على قانون السلف ، على وجهه النور ، وعليه الوقار والهيبة ينتفع الرجل برؤيته قبل ان يسمع كلامه . ))

ومن صفاته رحمه الله ما يلى : - ١ - الزهد : - من أشهر الصفات التى تحلى بها رضى الله عنه الزهد فقد كان زاهدا قنوعا وقال فى الزهد : -

كؤوس الموت دائرة علينا

       وما للمرء بد من نصيب

الى كم تجعل التسويف دأبا

       أما يكفيك انذار المشيب

أما يكفيك انك كل حين

       تمر بغير خل أو حبيب

كأنك قد لحقت بهم قريبا

       ولا يغنيك افراط النحيب

٢ - حبه للمساكين : - كان رحمه الله محبا للفقراء والمساكين عطوفا عليهم . يقول الشيخ ابن شامة الدمشقى فى الشيخ موفق الدين : ( كان اذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة يمضى الى بيته بالرصيف ومعه فقراء الحلقة فيقدم لهم ما تيسر يأكلون معه . )

٣ - التواضع : - لقد كان شيخنا الجليل يحب التواضع ويعمل به . فيأكل مع المساكين ويجالسهم ولا يذهب للامراء والعظماء بل هم يحضرون اليه لزيارته فى المسجد وهو بين المستمعين كبارا وصغارا اغنياء وفقراء .

وعلاوة على ذلك فقد تحلى رحمه الله بصفات حسنة عدة مثل : - الورع والزهد والنبل والنزاهة . . الخ .

وقد كان الشيخ رحمه الله يحث الناس على الجهاد لتحرير البلاد الاسلامية من الصليبيين . ولم يكتف بذلك بل سار بنفسه مع جيش صلاح الدين بن ايوب رضى الله عنه ، ومعه أخوه أبو عمر .

مؤلفاته : توفى الشيخ الجليل ابن قدامة بعد ان ترك وراءه الكثير من المؤلفات التى تجاوزت الثلاثين مؤلفا تطرق فيها الى الفقه والى الكثير من العلوم المفيدة الثقافية والعلمية فلم يترك علما الا وكان له باع فيه .

يقول الشيخ العز بن عبد السلام - رحمه الله - : ( ما رأيت فى كتب الإسلام فى العلم مثل المحلى لابن حزم والمعنى لابن قدامة . ) فكتاب المغني من اشهر مؤلفات ابن قدامة ويقع في ٩ مجلدات وقد شرح فيه مختصر الخرقى .

ومن أهم مؤلفاته : ١ - روضة الناضر . ٢ - التوابين . ٣ - المقنع - ويقع في مجلدين - ٤ - الكافى - ويقع في ٤ مجلدات - ٥ - فضائل الصحابة - ويقع فى جزئين - ٦ - البرهان فى مسائل القرآن

وله عدة كتب اخرى منها علم الانساب وهى :

٧ - الاستبصار فى نسب الانصار ٨ - التبيين فى انساب القرشيين .

ويقول الشيخ ابو زكريا يحى بن يوسف الانصارى فى مدح الشيخ الموفق ومؤلفاته :

وفى عصرنا كان الموفق حجة

  على فقهه ثبت الاصول معولى

كفى الخلق بالكافي واقنع طالبا

  بمقنع فقه عن كتاب مطول

وأغنى بمغنى الفقه من كان باحثا

  وعمدته من يعتمدها يحصل

وروضته ذات الاصول كروضة

  أماست بها الازهار أنفاس شمال

تدل على المنطوق أو فى دلالة

  وتحمل فى المفهوم أحسن محمل

وفاته : - انتقل الشيخ الموفق الى رحمة الله فى يوم عيد الفطر من عام ٦٢٠ ه. ودفن فى صالحية دمشق وعمره يناهز التاسعة والسبعين . رحمه الله واسكنه فسيح جناته وغفر له وجزى المسلمين عنه خير الجزاء .

وهكذا طويت صفحة مشرقة من صفحات علم شامخ من أعلام الاسلام . .

مكة ( العتيبية )

اشترك في نشرتنا البريدية