أتصل العرب بالفرس فترجم بعضهم الى اللغة العربية كثيرا من العلوم والتاريخ ، والسير والموسيقى والاخلاق والادب والقصص ، ومن علمائهم : أبو حنيفة ، والطبرى والزمخشرى والرازى والبخارى ، والفارابى وابن سيناومنهم كاتبنا الذى نتحدث عنه صاحب الصيت الذائع أبو منصور عبدالملك بن محمد الثعالبى النيسابورى ولد سنة ٣٥٠ ه خمسين وثلثمائة للهجرة وأبدى منذحداثته من النجابة ، والشغف بمجالس العلم والعلماء ما جعل لاسمه صيتا في الآفاق ، وقد رعى تلعات العلوم ، وجمع المتفرق من آدابها ببراعة وحذق وكان فراء ، فلذا سمى بالثعالبى لاشتغاله بجلودالثعالب غالبا . . الا أن ذلك لم يمنعه من أن يتبحرفي العلوم ، ويفرى الفرى بمؤلفاته العديدة التى لم تزل ترقص لها قلوب العقلاء طربا ، وتبسم لها ثغور العصور عجبا .
مؤلفاته
كتبه كثيرة ، منها المطبوع والمخطوط . أذكر منها على سبيل المثال : ( يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ) وهو كتاب جامع شامل لمن يريد دراسة الشعر العربى ، وقد وضعه فى نهاية القرن الرابع الهجرى ، وأول
القرن الخامس . وبذل فيه جهدا كبيرا . أمتع العقول وملك القلوب وسار في البلاد مسير الامثال وسرى في الآفاق مسرى الخيال . والكتاب يشتمل على أبواب وفصول كلها فى محاسن شعراء أهل الشام ومصر والموصل والمغرب ، والعراق وأهل الجبل وفارس ، وخراسان ، وما وراء النهر والدولة السامانية والغزنية وبخارى ونيسابور . ولكتاب اليتيمة مكانة بين - كتب اللغة والأدب ، وقد صيغ أحسن صوغ ونسج على أحسن منوال .
ومن كتبه أيضا : (فقه اللغة ) و (مؤنس الوحيد ) و (الاعجاز والايجاز ) و ( المبهج ) و ( سحر البلاغة وسر البلاغة ) و ( لطائف المعارف ) و (اللطائف والظرائف ) و ( اليواقيت في بعض المواقيت ) .
وكتبه غذاء للارواح . ونجوى للضمائر ، وسحر للنفوس جمع فيها من الظرف والملح والتفكهة ما يخلب الالباب ويبهر العقول .
وجاء في مقدمة اليتيمة ج ١ ط حجازى تحقيق الاستاذ محمد محيى الدين عبدالحميد :
لا والتزم أن لا يوردفي هذا الكتاب الا لب اللب ، وحبة القلب ، وناظر العين ، ونكتة الكلمة ، وواسطة العقد ، ونقش الفص ، مع كلام في الاشارة الى النظائر والأحاسن والسرقات " .
وقد قده في ذلك أبو الحسن على بن بسام الشنترينى المتوفي سنة ٤٢٥ ه - وكان تقسيمه لكتابه على نمط أبى منصور تماما ، ولا يجحد فضل الثعالبى الا المجحف القاسط .
وتعال معى نجل في كتبه ، فنحد التاريخ قد كتب له صفحة بيضاء مسطرة بالذهب ، فهو ممن عزز الله بهم كيان الدين ، اذ وطن نفسه على الجهاد في هذا السبيل .
" وأرجو أن تكون نزعنك الى الجمال الحسى تبعث في نفسك الجمال الروحى ، فلا خير في أمة لا يخفق للادب قلبها ، ولا في دولة لا ترفرف أعلامه على أرجائها " . .
واستمع الى ابى منصور فى قوله " في ذكر القرآن وفى ذكر العبادات " ( هو النور المستبين ، والحق المستنير ، لا أسطع من أعلامه ، ولا أصدع من أحكامه ، طوبى لمن جعله مفتاح قلبه ، ومصباح لبه ، وويل لمن اتخذه ظهريا ، وبذه منسبا ، ما أهون الدنيا على من جعل القرآن أمامه ، وتصور الموت أمامه . الصلاة عنوان النعمة . ومفتاح الرحمة ، وسمة العصمة ) . ويقول فى العدل : ( اذا عدل السلطان اعتدل الحانف ، وأقصر الحائف ، وأمن الخائف ، فالاقبال صاحبه . ونصر الله مصاحبه ) .
ويقول في البلاغة : ( أبلغ الكلام ما حسن ايجازه وقل مجازه ، وكثر اعجازه ، البليغ من اذا رمى هدف البلاغة اصاب ، واذا استدر سحاب الصواب صاب ، البليغ من يتجنب الاغراب في الاعراب ، كلام البليغ معسول ، وكلام الغبى مغسول ، البليغ من يجتبى من الالفاظ أنوارها ، ويجتنى من المعانى ثمارها ، كلامه بأكورة الذكر ، وبكر الفكر . أبدع الكلام ما راقت أصوله وفصوله ، وطاب مقطوعه وموصوله ، واذا أسرع الى الأذن وصوله ، تصور في القلب محصوله ) .
ويقول : ( أحسن الكلام ما كان لفظه مذهبا ، ومعناه مهذبا ، الكلام الحسن يسر المحزون ، ويسهل الحزون ويعدل الدر المخزون ، رب كلام أحسن من عقود اللآلئ وأبهى من نجوم الليالى ) .
ويقول في الكتابة : ( الكلام الفائق بالخط الرانق ، نزهة العين ، وفاكهة القلب ، وريحانة الروح ، رب كلام يشتمل من أصناف الفوائد على أصداف الفرائد ، رب كتاب أحسن من عهد الصبا ، وأمتع من نسيم الصبا ) .
ويقول عن الحب : ( الحب طائر لا يلقط الاحب القلوب ، صدر المحب حران ، وقلبه حيران ، قلب المحب القسوم ، بين الهموم والوجوم ، وطرفه موسوم بالسجوم ، ورعى النجوم ، ليل المحب نهارها السهاد ، ونهاره ليل فى السواد ، دمعه مطلق ، ونومه موثق ، تتصعد زفراته ، وتتحدر عبراته ، قد خالف جفنه الاغتماض ، وحالف قلبه الارتماض ) .
ويقول : ( إذا عطش المحب ، فريق الحبيب ورده ، واذا شرب فخده ورده ، واذا صدح الحمام ، صدع قلب
المستهام ، طرف المحب كليل ، وقلبه عليل ونهاره عويل ، وليله أليل ، نفحات الطيب في صفحات الحبيب ) .
نخب من شعره
من قصيدة كتبها الى الامير ابى الفضل الميكالى :
لك في المفاخر معجزات جمة
أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران : بحر في البلاغة شابه
شعر الوليد وحسن لفظ الاصمعي
وترسل الصابى يزين علوه
خط ابن مقلة في المحل الارفع
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو
كالوشى في برد عليه موشع
شكرا فكم من فقرة لك كالغنى
وافى الكريم بعيد فقر مدقع
واذا تفتق نور شعرك ناظرا
فالحسن بين مرصع ومصرع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف
رأس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فص الزمان بدائعا
تزرى بآثار الربيع الممرع
ماذكره فى الأمثال
* شر الاعمال ما كان عناؤه طويلا ، وغناؤه قليلا .
* من عاداه قومه طال يومه ، وطار لومه .
* عند المصائب تنحل عقود الحقود .
* من آثر الثناء على الثراء ، طال صوته ، وطاب صيته .
* من أسرف في الوصال . أشرف على الملال
* من اشتغل بما لا يعنيه ، فاته ما يعنبه .
* بعض الناس كالغذاء النافع ، وبعضهم كالسم الناقع .
* أحمد ما يكون الاقدام ، اذا تزلزلت الاقدم .
* ممارسة الاشرر . أيسر من ملامسة الشرار .
* نور الصباح ، يغنى عن المصباح * ما أغنى الشموس عن الشموع .
* قد يرخص ما غلا ، ويسغل من علا . * من كشف سره ، هتك ستره .
* من أذل وجهه أذل نفسه . * قد يذنب المرء ثم يتوب .
* قوة الوسيلة جناح النجاح . * اذا جاء القضاء ضاق الفضاء
* ليست العزه في حسن البزة .
* من يقدر على رد أمس ، ولمس عين الشمس .
* من يقدر على صفرة الوجل ، وحمرة الخجل .
* لا مدخل للهزل ، في الرأى الجزل . * القول الفصل ، أمضى من النصل .
* كلام - ( بكسر الكاف ) الكلام ( بفتحها ) كجرح السهام .
وقال في تمجيد العربية والدفاع عن الاسلام ولغة العرب :
( من أحب الله تعالى أحب رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، ومن أحب الرسول العربى أحب العرب ، ومن أحب العرب أحب
العربية التى نزل بها أفضل الكتب ، على أفضل العجم والعرب ، ومن أحب العربية عنى بها وثابر عليها ، وصرف همته اليها ، ومن هداه الله للاسلام ، وشرح صدره للايمان ، وآتاه حسن سريرة فيه ، اعتقد أن محمدا صلى الله عليه وسلم خيرالرسل ، والاسلام خير الملل ، والعرب خير الامم ، والعربية خير اللغات والألسنة ، والاقبال على تفهمها من الديانة ، اذ هي أداة للعلم ، ومفتاح التفقه في الدين ، وسبب اصلاح المعاش والمعاد ، ثم هى لاحراز الفضائل ، والاحتواء على المروءة ، وسائر أنواع المناقب ، كالينبوع للماء ، والزند للنار ، ولو لم يكن في الاحاطة بخصائصها . والوقوف على مجاريها ومصارفها ، والتبحر في جلائلها ودقائقها ، الا قوة اليقين في معرفة اعجاز القرأن ، وزيادة البصيرة فى اثبات النبوة التى هى عمدة الايمان لكفي بهما فضلا ، يحسن فيهما أثره ، ويطيب في الدارين ثمره ، فكيف وأيسر ما خصها الله عز وجل به من ضروب الممادح ، يكل اقلام الكتبة ، ويتعب أنامل الحسبة ) .
وقد كتب في عدة موضوعات أخرى ، في الاستعطاف والتهانى بالقدوم من سفر ، والتعارف وكذلك في وصف الحرب .
آراء الأدباء فيه
قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه : ( كان في وقته راعى تلعات العلم ، وجامع أشتات النثر والنظم ، رأس المؤلفين فى زمانه ، وأمام المصنفين بحكم أقرانه ، سار ذكره سير المثل ، وضربت اليه آباط الابل ، وطلعت دواوينه في المشارق
والمغارب ، طلوع النجوم في الغياهب . تأليفه أشهر وأبهر ، من أن يستوفيها أحد أو وصف ، أو يوفي حقها نظم أو رصف . . واشهرها يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ) .
وبعد فيرحم الله أبا منصور الثعالبى النيسابورى فقد اكثر من تكرار السجع ورأيى فيه أنه مستملح ما دام غير متكلف ، فانه اسلوب عربى ، فان أنت أنكرت هذا الاسلوب . . فقد أنكرت البلاغة والبيان وان أدرت فكرك فستجد نسجا طبعيا وصوغا ذهنيا من الكاتب وتسمع نغمات موقعة على ابداع يتلقفها ذهنك ، الواحدة بعد الاخرى . ولقد صور أبو منصور الحياة السياسية والاجتماعية أتم تصوير وأودع كتبه فنونا من الحكم والآداب والجمال ، تهيب بروحنا الى الجمال الخلقى والتزيى بالفضائل جعلته رأس المؤلفين ، وسطعت مؤلفاته فى الشرق والغرب ، ومن عرفها حق معرفتها استدل بها على فضله وكثرة اطلاعه ، وغزارة مادته ، ودمائة اخلاقه .
وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وأربعمائة للهجرة . ولا غرو فكانت اساليبه واسطة العقد وفريدته ، وكانت ألعب بالعقول من نغمات العود ، وأخلب من طنين الاوتار بأذهان أولى النهى - وختمت حياة ذلك الرجل الوقور الذى وهبه الله عمرا مباركا فيه ، مجهدا نفسه فى قدح زناد فكره . وأضحى حديث الناس محاطا بألوية النجاح ، ووسائل الثناء من محبيه الكثر ، ورضى الله عنه في الآخرين .
(القاهرة ) محمود عبدالرزاق عقباوى مدرس أول بمعهد المعلمين بحلوان
