الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ابو الريحان البيرونى، والانتروبولوجيا الاجتماعية،

Share

درج المهتمون بالدراسات الميدانية للمجتمعات البشرية من حيث بناؤها الاجتماعى وصلته بالبيئة الطبيعية ، ومن حيث وظائفها الاجتماعية ، اى النظم المختلفة السائدة فى المجتمع ، واصولها وتطورها على تسمية هذا النوع من الدراسات بالأنتروبولوجيا الاجتماعية الاجتماعية او الثقافية او الحضارية (1) مقابل الانتروبولوجيا الطبيعية .

وتشمل الانتروبولوجيا الاجتماعية فروع البحث الاجتماعى المعروفة بالانتوغرافيا ، والانتولوجيا (2) وقد توصلت هذه العلوم الى تحديد مجالاتها ومناهج وضعبه تتبعها عند البحث ، ووضعت شروطا للباحثين تتعلق بشخصياتهم وعقليتهم وثقافتهم (3) .

وقد تطورت الانتروبولوجيا الاجتماعية وبلغت مرحلتها العلمية فى النصف

الثاني من القرن التاسع عشر على أيدى اصحاب الفكر الاجتماعى فى أوروبا وأمريكا وظهرت لها عدة مدارس لتفسير الظواهر الاجتماعية أهمها :

1) المدرسية التطورية :  Evolutionisme  وهي ترجع بالظواهر إلى أصولها  الاولى ، وتتبع مراحل تطورها الاجتماعى قياسا لها على التطور البيولوجى للافراد والكائنات الحية عامة ، وقد أفادت هذه المدرسة كثيرا من نظرية "دارون" فى أصل الانواع الحية وتطورها (1) .

2) المدرسة الانتشارية Diffusionisme ، وهي تفسير التشابه الثقافى فى المجتمعات على أساس أصل النشاة فى مجتمع واحد معين ، ثم انتقلت العناصر الثقافية الى بقية المجتمعات عن طريق الاعارة والاتصال والتمازج ، وان لم يثبت ذلك تاريخيا فعن طريق التشابه البيئى (2) .

3 ) المدرسة الوظيفية Fonctionlime ، وهى تقصر اهتمامها على كشف الوظائف التى تقوم بها الظواهر الاجتماعية ، وعلاقتها ببعضها أثناء تأديتها لوظائفها داخل الانساق الطبيعية التى تنتمى اليها بقطع النظر عن تطوراتها التي لا تتصل مباشرة بوظائفها ( 3 ) .

والناظر فى تاريخ الانتروبولوجيا يجد أن أصحابها يرجعون بأصولها الى علماء الغرب فيما خلفوه من كتب تاريخية ورحلات وقصص ، ابتداء من هيرودوت Herodote  وتاسيت Tacite، ماركوبولوس Marco- Polo وغيرهم من  المفكرين فى العصور الحديثة والمعاصرة ، متسلسلين فى شجرة نسب لاسرة الفكر الاروبى دون اعارة أهمية لما ساهم به غيرهم من الباحثين المنتمين لثقافات أخرى فى هذا المجال .

فى حين أن الحضارة الاسلامية غنية بالابحاث القيمة فى العلوم الانسانية مثل ما فى غيرها من فروع المعرفة . فكتب الرحالة والجغرافيين والمؤرخين تقدم معطيات أنتروبولوجية هامة تتعلق بالحياة الاجتماعية للشعوب التى احتكت بالاسلام وجاورت مناطقه .

والدارس لما خلفه العالم العظيم أبو الريحان البيروني من تراث علمي يجد

في كتابه عن الهند عملا أنتروبولوجيا اجتماعيا لا يقل أهمية عن الابحاث المعاصرة فى هذا الميدان .

رحل أبو الريحان محمد بن أحمد البيرونى الخوارزمى ( 1 ) إلى الهند مع الفاتح السلطان محمود الغزنوى فى غزواته لها ( 2 ) ، وأقام فيها مدة اختلف فى تحديدها ، فقيل انها كانت أربعين سنة ( 3 ) وقيل انها دون ذلك ( 4 ) وسواء كانت اربعين سنة أم أقل فلا شك أن الرحلة كانت طويلة تقدر بعشرات السنين قضاها صاحبها فى بحوث علمية ، وفي دراسة الحضارة الهندية من جوانبها المختلفة ، وثمرة هذه الدراسات ضمنها فى كتاب عرف بعناوين مختلفة " طريق الهند " ، " مقولات الهند " ، " تاريخ الهند " كتاب الهند " ( 5 ) ولكن اسمه الكامل والصحيح هو : " كتاب فى تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة " ( 6 ) .

وهذا الكتاب من أهم المصادر التى اعتمد عليها المهتمون بالدراسات الهندية فى الشرق والغرب . فقد أخذ باعجاب العلماء ، وظل معينا خالدا يستقى منه كل من ينشد الهند ، وتزداد أهمية هذا الكتاب خصوصا إذا عرفنا أن الهند ليس لها مؤرخون من أبنائها . فالهنود لم يكتبوا الا قليلا . وكان العلم عندهم موهبة مقصورة على " البرهمن " وهؤلاء يعارضون كل طريقة لنشر المعرفة بين غيرهم ، ولذلك هم يتجنبون الكتابة التى من شأنها أن تنقلها لكل واحد ، لان الكتب يمكن لها أن تكون فى متناول الجميع ، ثم انهم لم يكن لهم اهتمام موضوعي بالماضى رغم اخلاصهم له ، فلم تكن الحقيقة لذاتها هى التى يطلبونها ، وانم مطلبهم هو المجد والسمو ، وذلك تحفظه لهم القصص والاساطير والنصوص القديمة ، وان أمكن أن يستخرج منها بعناية كبيرة واحتياط شديد ، نوع من الادب الهندى والمعطيات التاريخية القليلة ، فلا يصح أن تعد تاريخا للهند . فتاريخ الهند نجده عند شعوب قديمة فى حدود علاقاتها بها مثل الفرس واليونان والعرب ( 1 ) .

فكتاب البيروني يعتبر وثيقة تاريخية لحضارة الهند ويعد بالنسبة لها ككتاب هيرودوت فى تاريخ اليونان وحضارة بلاد الشرق الاوسط القديم ، وكتات تاسيت فى تاريخ حضارة القبائل الجرمانية مع ما أمتاز به البيروني عليهما من عقلية علمية واسعة وتفوق فى المنهج والملاحظة والدقة (2) . وهو أول كتاب ظهر باللغة العربية فى مثل تلك الدراسات الهندية ، وهو أفضل كتاب على الاطلاق وجد قبل حركات المستهندين الحديثة ، يقدم وصفا شاملا للهند البرهمانية الاصيلة المغلقة فى بداية دخولها فى تطور جديد ، هو الفتح الاسلامي استمرت فيه الى أن داهمها الغزو الأروبى والانقليزى بصفة خاصة ( 3 ) .

والكتاب مطبوع فى مجلد واحد ، يحتوى على ثمانى عشرة وثلاثمائة صفحة من القطع الكبير ( 4 ) و 548 صفحة من القطع المتوسط ( 5 ) . وهو كما ألفه صاحبه يبتدئ بعد البسملة بذكر اسم مؤلفه وعنوان موضوعه على هذه الصورة : كتاب أبى الريحان محمد بن أحمد البيروني فى تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى

العقل أو مرذولة ، وشرع فى حديثه بذكر مقدمة بين فيها أهمية الملاحظة وتحديها ثم مقارنة بين العيان والرواية ، ويعترف بأن الخبر لولا ما يعتريه من الآفات لكانت فضيلته تبين على العيان والنظر لقصورهما على الوجود الذى لا يتعدى انات الزمان ( 1 ) ، بخلاف الخبر فانه يتناول الماضى والحاضر والمستقبل ويعم الموجود والعدوم معا ( 2 ) . ويعتبر الكتابة نوعا من أنواع الخبر أشرف من الرواية ، لانها تسجيل يكون أدوم للحفظ وأقل عرضة للآفات والتحريف بالنقص والزيادة وهى آفات تلحق الخبر .

ويحتوى الكتاب على ثمانين بابا تتناول مباحث عديدة ومتنوعة عن الهند لا يسع المقام هنا تحليل محتواها ، وهى بصفة عامة تدرس النوع الانسانى فى الهند من جميع جوانبه من حيث بيئته الطبيعية وبناؤه الاجتماعى ودينه ولغتة وسننه وأساطيره وفلسفته وعلومه المختلفة وغير ذلك مما يسود المجتمع الهندى من طرق الاعمال والتفكير والعلاقات الروحية والسماوية والتنجيمية ، وجملة هذا المضمون هو الذي حدا بمحقق الكتاب الدكتور ادوارد سخاو أن يضع له عنوانا كالآتي :

هند البيرونى تقرير عن الدين والفلسفة والادب والاخبار ، وعلم الفلك والعادات والقانون والتنجيم فى الهند حوالى 1030 م                                                                                                  Alberuni's India  An account of the Religion , philosophy , Literature , Chronology         Astronomy , Customs , Lous and Astrology of India , About ! A . D . 1030 والواقع أن موضوع كتاب البيروني هو مقولات المجتمع الهندى ، بحمل مفهوم المقولات على معنى المصطلح كاطيغورياس Categories الذى يستعمله دركايم العالم الاجتماعى الفرنسى فى تعبيره Categories sociales عند تفسيره للمقولات العقلية categories mentales على أساس أنها مقولات اجتماعية (3) وهو ما يقصده من العنوان الذى وضعه لكتابه فى تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة .

هذا من حيث الموضوع ، أما من حيث المنهج فيبدو مما قرره البيروني فى مقدمة الكتاب وفي الباب الأول منه أنه كان متجردا ، اعتمد على ملاحظة الظواهر على ما هي عليه ويسميها العيان ، ويعرفه تعريفا دقيقا فيقول : " العيان هو ادراك عين الناظر عين المنظور اليه فى زمان وجوده وفى مكان حصوله (1) .

وهو لا يثق فى الروايات ، ولو كان ما روى يدخل فى حد الامكان ، ويتحقق من الخبر الذى يشك فى صحته بكيفية لا يمكن أن توصف الا بكونها الطريقة التى تستعمل فى عهدنا للكشف عن أخطاء التحيز التى قد تحدث فى اجابات الافراد عن أسئلة الكشوف الاحصائية واستمارات الآستعلام questionnaires لجمع البيانات ، فيقول في مثل هذا الموقف : واحتطت فى مسائله واحد واحد وتكرير السؤال وتغيير الترتيب (2) فاذا لم يقع خلاف فى الخبر قبله ، والا حمله على عدم الصحة ولم يعتمده .

على انه يعتمد الرواية الصحيحة ممن يثق فيهم من غير العامة ، وعلى النصوص الماخوذة من المراجع المعتبرة مصادر لدين الهنود وحضارتهم مثل " سانك " و " باتنجل " و " بيذ " و " البرانات " و " بهارث " و " كور " وغيرها (3) كذلك استخدم البيرونى المقارنة بين بعض الظواهر موضوع الدراسة فى الهند وما يشابهها عند اليونانيين والفرس والعرب ، وما عرفه عن اليهود والصوفية والنصارى ، كما استخدم المقابلة والسؤال واستعان بالمخبرين .

ولم يغفل البيروني التنبيه الى الصعوبات التى تعترض الباحث فى المجال الاجتماعى فى أمة تختلف عن أمته مثل الهند ، وكيفية التغلب عليها ، وأهم هذه الصعوبات هى : اختلاف اللغة ، وصعوبة الهندية بالنسبة للعربية من عدة وجوه ، كالبدء بالساكن والنطق بساكنين متتاليين ، وكثرة الاسماء لمسمى واحد ، واطلاق الاسم الواحد على عدة مسميات وغير ذلك مما يتعلق بالصرف والنحو والاشتقاق وعدم تطابق حروفها الحروف العربية أو الفارسية بالاضافة الى صعوبة مخارجها بالنسبة للمتعود على اللسان العربى الى آخره . . . ومنها اختلاف الديانة ، انهم يباينوننا بالديانة مباينة كلية لا يقع مناشىء من الاقرار

بما عندهم ولا منهم بشئ مما عندنا ، الامر الذي جعلهم ينفرون من كل غريب عنهم ، ويتجنبون القرب منه والتعامل معه لنجاسته وقذارته فى رأيهم (1) ومنها اختلاف الرسوم والعادات وانغلاقهم وانطواؤهم على انفسهم وعجبهم بذواتهم (2) .

وقد استطاع البيروني التغلب على مثل تلك الصعوبات بالتواضع لهم ، والصبر على تحمل كبريائهم وبذله الجهد الكبير فى تعلم لغاتهم الى درجة الالمام بمكنوناتها ، وفهم دقائقها حتى اذا ما تمكن منها صار يدخل مع علمائهم فى مباحثات ، ويوقفهم على أشياء لم يكن لهم بها سابق علم (3) .

وفضلا عن تلك الخبرة ، كان البيروني يتحلى بالصدق وتنزيه النفس عن شوائب التعصب الدينى والتحيز العنصرى والاجتماعى . فكان متجردا يسجل ما يراه ويسمعه من الروايات المتعلقة بظاهرة بحثه دون أن يضفى عليه شيئا من التأويل والانتقاد كما قال : " وأنا فى أكثر ما ساورده حاك غير منتقد الا عن ضرورة ظاهرة " (4) ، وذلك باشارته فى بعض الاحيان الى ما يراه الحقيقة طبقا للمقاييس الحسية والعقلية وطبائع الاشياء أو القوانين الطبيعية ، وحتى اذا ما لجأ مرات عديدة الى المقارنة بين ما عند الهنود وغيرهم من المجتمعات فانه لا يقصد من ذلك سوى الآستشهاد " من كلام بعضهم على بعض بسبب الاتفاق وتقارب الامرين لا التصحيح (5) .

فالبيروني في دراسته للمجتمع الهندى وحضارته من خلال كتابه " فى تحقيق ما للهند . . . كان انتروبولوجيا بأتم معنى الكلمة . فهو كما عرفتنا ترجمة حياته ، عالم جليل ملم الماما جيدا بفروع المعرفة التى سادت عصره ، يتقن لغات عديدة مثل اليونانية والفارسية والعبرية ، والصغدية ، والسنكريتية والسريانية والعربية ، ولغته المحلية الخوارزمية ، (6) ولم يقصد الهند كأى رحالة من المعروفين فى القرون الوسطى أو قبلها مثل ما جستينس اليونانى Megasthene الذى

ذهب اليها فى مهمة ديبلوماسية ، أو الحجاج الصينيين الذين دخلوها لسبب ديني ، أو للضرب فى الارض كما فعل ابن بطوطة وغيره ، وانما قصد الهند للتثبت من حالها ، وقد سمع مما كان يروى فى خصوصها من عجائب يحتار فى امرها العقل الانسانى ، أى ذهب ليعاين أحوال الهند ، أو ليقوم بما يطلق عليه فى وقتنا الحاضر " الدراسة الحقلية أو الميدانية (1) " . فأقام بين أهلها عشرات من السنين وتعلم لغاتهم وتفاعل بها واطلع على كتبهم وتعرف على دينهم وعلى تفاصيل حياتهم ووقف على اسرارهم وبالجملة تمثل حضارتهم ، بالاضافة الى انه كان على معرفة جيدة بصفة مباشرة بغير المجتمع الهندى مثل المجتمع الفارسي والتركى والعربى ، وبصفة غير مباشرة ، أى عن طريق الكتب ، بالحضارات القديمة مثل اليونانية والرومانية وحضارات الشرق الاوسط القديم ، وكل ذلك يعتبر شروطا أساسية فى الدراسات الانتربولوجية (2) .

والبيرونى فى دراسته يجمع بين عدة فروع انتروبولوجية .فهو لغوى ، عقد مقارنة بين اللغة الهندية والعربية ، ولاحظ أن الهندية واسعة مثل العربية يسمى الشئ الواحد بعدة أسماء مقتضبة لاتفهم الا بالرجوع الى سياق الكلام ، ويقسم اللغة الهندية الى كلام دارج مبتذل يستخدمه السوقة والى رصين فصيح يتعلق بالتصاريف والآشتقاق ودقائق النحو والبلاغة ، لا يرجع اليه الا الفضلاء المهرة ، أو من يسمون الآن بالمتخصصين ، ثم يذكر أنها تتركب من حروف مختلفة مخارجها عن مخارج العربية والفارسية ، كما تختلف عنها ايضا من حيث الشكل والكتابة . فالهنود يبتدئون الكتابة من اليسار الى اليمين على عكس الخط العربى ، ويلاحظ أنه يجتمع فى اللغة الهندية كما فى سائر لغات العجم حرفان ساكنان أو ثلاثة ، مما يجعل نطقها عسيرا على المتعود على اللسان العربى (3) . ثم يعقد ثلاثة فصول فى ذكر كتبهم الملية وكتب علومهم ونحوهم وشعرهم ونثرهم وخطوطهم . فيجد أن الهنود يميلون الى النظم والشعر وبنفرون من المنثور ، وان اكثر كتبهم تتكون من " شلوكات " أى مقطوعات منظومة ، وقد تضايق البيروني من ذلك عندما أراد أن يملى عليهم ترجمة بعض الكتب اليونانية فقال : وأكثر كتبهم شلوكات أنا منها فى بلايا فيما امثله للهند من ترجمة كتاب " أقليدس " والمجسطى " وأمليه فى صنعة " الاسطرلاب " عليهم ، حرصا منى على نشر العلم ، وان يقع اليهم ما ليس لهم وعندهم ، فيشتغلون بعملها

شلوكات لا يفهم منها المعنى لان النظم محوج الى تكلف (1) . . . " ثم يتعرض الى أوزانهم وكيفية صياغتهم الشعرية وأجزائها المركبة بطرق حسابية وغير ذلك من الأساليب الفنية ، مما يدل على تمكن البيروني من تفاصيل اللغة الهندية وفقهها (2) .

وهو عالم آثار ، تعرض لبعض معابدهم وأصنامهم ونصبهم (3) وكتبهم في اللغة وفى سائر العلوم (4) كما تحدث بالتفصيل عن خطوطهم ، فبين المواد المتنوعة للكتابة وحروف الهجاء الهندسية ، والخطوط المشهورة والمحلية وتطورها والارقام الحسابية واستعمالها فى الحساب وبعض ألعابهم مثل النرد والشطرنج (5) وتحدث ، كذلك عن الوسائل التى يقدرون بها الاشياء ، فذكر نقودهم وأوزانهم ومكاييلهم ومقاييسهم وكيفية استعمالها ، (6) وقدم وصفا دقيقا للاحواض التى يتطهرون فيها فى مواسم الحج وكيفية بنائها والمواد التى بنيت (7) بها وغير ذلك .

وهو ايضا يجمع فى آن واحد بين الانتوغرافيا ، والانتولوجيا ، والانتروبولوجيا الاجتماعية فقد وصف المجتمع الهندى وبيئته الطبيعية وبناءه السكنى ونظمه الدينية والقضائية والاسرية وأنماطه الثقافية ، وتصوراته لأجناس الخلائق ، وخلق الكون ، وغير ذلك من السنن الاجتماعية والمعتقدات فى الله والموجودات العقلية والحسية والروحية والتناسخ ، وما يتعلق بالآخرة من جنة ونار ، والوسائل التى يستخدمها الهنود فى شؤونهم اليومية من أشياء وحيوانات ، ونباتات وعلل كثيرا من الظواهر السائدة فى الهند وقارن بينها وبين ما يشابهها عند اليونان والفرس ، والعرب ، وتتبع تطوراتها وأرجعها الى أصولها ، وحاول استخلاص بعض التعميمات أحيانا مثل تفسير اختلاف اعتقاد الخاص والعام عند كل أمة بأن " طباع الخاصة ينازع المعقول ويقصد التحقيق فى الاصول ، وطباع العامة يتوقف عند المحسوس ويقتنع بالفروع ولا يروم التدقيق " ، ممثلا لذلك بما بين خاصة الهند والمسلمين وعوامهم فى اعتقاد الله من تشابه (8) .

ومثل تقريره أن المعرفة اليقينية لا تتم الا عن طريق مدركات حسية يؤلف بينها العقل ، وقد استنتج ذلك من مقارنة بين آراء الهنود واليونانيين فى المعرفة (1) ، وأن التفكير لا يخرج عن رموز النحلة ومواضعات الناموس لدى الامم (2) وارجاع النظام الطبقى الى السياسة ، ورسوخه الى التقادم والدين (3) . وآختلاف الامم الى الاختلاف فى الظروف الاجتماعية العامة العامة كالدين واللغة والسياسة والرسوم والعادات وما الى ذلك (4) والامثلة عديدة موزعة فى كثير من فصول الكتاب . ولم يغفل البيروني ربط الظواهر الاجتماعية ببعضها مرات متعددة كما فعل فى ظاهرة انغلاق المجتمع الهندى وعزلته عن الشعوب الاخرى ، اذ ربطها بمباينته لها فى اللغة والرسوم والعادات والدين والسياسة ، وبما يعتقده الهنود فى سمو جنسهم عن بقية الاجناس الى درجة الاعجاب بانفسهم وانكار كل شئ موجود خارج حدود ارضهم ومعرفتهم (5) . كما ربط الوظائف الاجتماعية والصنائع والحرف والزواج والقضاء والعقوبات وضروبا من السلوك بالبناء الاجتماعى فى الهند ، وربط النظام الطبقى بالسياسة والدين والتقادم (6) .

وفى معالجته لظاهرة عبادة الأصنام مثلا يرى أن سببها يرجع الى قصور ادراك القوم للمقدسات المجردة مثل الله والملائكة والارواح . فهم يحاولون تجسيدها وتشخيصها فى نصب وتماثيل محسوسة تذكرهم بها وبعظمتها ، وبمرور الزمان عليها تنسى أسبابها ودواعيها ، وتصير رسما وسنة مستعملة ، ثم يوجبها أصحاب النواميس اذا اشتد انطباعها فى قلوب الناس ، وأصبحت تعبد وتتخذ واسطة تقربهم من العلة الاولى كما عند اليونان ، أو الله عند العرب وغيرهم . ثم يروى عدة حوادث أسطورية وقعت فى الهند واليونان والرومان تثبت ذلك ، ويقرر أن العرب نقلت الأصنام من الشام الى أرضهم ليتقربوا بها الى الله زلفى (7) . ويلاحظ فى التقسيم الطبقى للمجتمع وتصنيف الناس الى فئات ومراتب

وظيفة ، هى حفظهم من التمازج والتهارج والاختلاط ، وتخصصهم في الصنائع والحرف ، ويضرب مثلا لذلك بما هو فى الهند وفارس (1)

وفى خصوص الزواج فان البيروني يعتبره ظاهرة طبيعية ويسند له جانب الوظيفة البيولوجية التى هى حفظ النوع ، وظيفة أخلاقية مهر المنتج من التهارج المستقبح فى العقل ، وقطع أسباب تهييج الغضب الحبوبنى الذى يدفع الى الفساد . ويعزو الى اقتصار الرجل الواحد على امرأة واحدة وظيفة إنسانية هى عملية الاستعلاء على المستوى الحيوانى ، ثم تعرض الى تعدد أشكال الزواج فى الهند وتطورها ، فيذكر بعضا منها ثم يقول إنها فسخت ونسخت (2) ، ويربط بين الزواج والطبقات ، ويجد تشابها بين أشكاله عند الهنود وعند اليهود والعرب فى الجاهلية . وعن ظاهرة تحريم أكل لحم البقر ، ذكر أنها كانت مباحة ، ثم طرأ عليها المنع لاغراض سياسية واقتصادية ودينية ، ويقارن ذلك بما وقع من منع قتل البقر وذبحه من قبل الحجاج لما شكى اليه خبر السواد بالعراق .

وهكذا فعل البيروني بالنسبة لكل الظواهر الاجتماعية التى عالجها فى كتابه " فى تحقيق ما للهند " مبينا الاتجاهات المختلفة التى نجدها فى المدارس الانتروبولوجية الاجتماعية المعاصرة من تطور وانتشار وتفسير وظائفى .

ورغم ذلك فلا أدعى أن البيروني ينتمى الى مدرسة معينة من تلك المدارس او لجميعها لانه لا يصح علميا ان يقال بان كاتبا او باحثا ينتمى الى مدرسة معينة الا اذا انتهى من دراسته بنظرية عامة تصلح لتفسير جميع الظواهر الاجتماعية موضوع البحث فى كل المجتمعات الانسانية طبقا لاتجاه المدرسة ، وليس هذا هو الحال بالنسبة للبيرونى ولكن ما وصل اليه البيروني هو تقديم اراء متفرقة أحاطت بعض الظواهر من جوانب متعددة وربط بعضها ببعض أحيانا وحلل التفاعل بينها دون وضعها الكامل فى أنساقها ونظمها على غرار ما يقع فى الدراسات الأنتروبولوجية المعاصرة .

ولكن لا يصح أيضا نعته بكونه مجرد رحالة قديم ، لم يتجاوز مرحلة الوصف والرواية كما عرف عن غيره من الرحالة قبله وبعده ممن زاروا الهند او مجتمعات أخرى ، لان البيروني فى الواقع لم يقتصر على الوصف وانما تجاوزه الى المقارنة بين الظواهر المتشابهة فى الهند وخارجها بصفة موضوعية

دون ان يضفى على اى منها احكاما تقديرية مع ملاحظات تعمقية لتتبع تطورها التاريخى والرجوع بها الى اصولها وتحليل وظائفها ومحاولات ذكية لربط بعض الظواهر ببعض والوصول الى استنتاجات مجردة ، إن لم تبلغ حد النظرية ، فهي دون شك تدل على نزوع حقيقي الى التعميم وايجاد قوانين .

اما من حيث المنهج فالبيرونى كان متقدما فيه الى حد كبير ، فموضوعيته واضحة وقد ملك قدرة على النزاهة والتجرد والاعتدال من النادر أن تكون قد اتيحت لغيره من معاصريه فى الشرق ، ولم يكن تمسكه بدينه الاسلامى المنتصر مانعا له من الاندماج فى المجتمع الهندى اندماجا مكنه من اتقان لغاته والتغلغل فى أعماق حضاراته وأسراره إذ يمكن لقارئ كتابه أن يتصفح فصولا عديدة ولا يجد فيها أثرا يدل على دين كاتبها ولا الحضارة التى ينتمي اليها ، الأمر الذى جعل الدكتور ادوارد سخاو ، وهو رجل كان له فضل القدرة الفائقة على فهم البيرونى وادراك عظمته من خلال انتاجه المتنوع ، فحقق له كتاب الآثار الباقية وكتابه فى تحقيق ما للهند ، وترجمهما الى الانحليزية ، يحمد القدر الذى عين أن يكون الدارس للهند فى تلك الظروف هو البيروني العالم الكف وأعظم عقلية عرفها التاريخ (1) . وكان فضلا عن استعماله للوصفة والملاحظة الأفقية ، يلجأ فى كثير من الأحيان الى استخدام الملاحظة التعمقية وتتبع تطور الظواهر ويعقد المقارنات مما يدفع دارسه الى الاعتراف له بأنه من واضعى أسس المنهج التاريخي المقارن (2) وانه يمكن بكل ارتياح  وضعه فى حلقة التاريخ العلمى للأنتروبولوجيا الاجتماعية واعتبار كتابه في تحقيق ما للهند من مقولة . . . بحثا انتروبولوجيا بنائيا تجد فيه النظريات الأنتروبولوجية الاجتماعية المعاصرة معطيات وآراء هامة تعتمدها فى تفسير الظواهر الاجتماعية ، ويتعين على المهتمين بالدراسات الاجتماعية فى البلاد العربية والاسلامية ألا يهملوا هذا التراث الفكرى الخصب وان يربطوا بين حلقات تطور التقدير الاجتماعى بفروعه المختلفة لدى علمائهم ، ابتداء من عصور النهضه العربية الاسلامية الاولى الى حاضرنا ، وعلينا أن نستمد مما خلفه

اسلافنا مثل البيرونى وابن فضلان والفارابى ومسكويه والرازى وابن الأثير وابن خلدون والمقريزى وغيرهم أصولا لمدرسة عربية اسلامية فى علم الاجتماع وفروع متعددة للانثروبولوجيا . ففي آثارهم مادة فكرية غزيرة تساعدنا على فهم أصولنا الحضارية وتحديد الاتجاهات السليمة لتطور حاضر عالمنا الاسلامى .

اشترك في نشرتنا البريدية