الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

ابو بكر الرازي

Share

لا تهب نسمة فى هذا الوجود ولا يحدث حدث مهما عد تافها إلا وللعاقل فيه عبرة فهو يرى من خلال فصوله أمثولة تعود عليه بالفائدة في مستقبل الحوادث - فما قولنا بحياة حافلة بجلائل الاعمال مشحونة بمؤلفات هى الجواهر . كحياة الرازى أبى بكر طبيب العرب نطاسى الشرق فى عهده وفاتن الغرب بعده طيلة قرون ، صاحب المؤلفات المؤلفة والكتب الخالدة ؟

كان الرجل قد ناهز الاربعين من سنيه عندما قدم بغداد بعد أن زاول الصيرفة وأولع بالموسيقى والانشاد - ولكن بالرغم مما احترف وزاول وامتهن فان جذوة حب المعرفة ظلت تتأجج فى صدره . ولما وقع بصره على المستشفى فى بغداد داخلته روعة شديدة وأصبح لا ينفك عن السؤال والاستفسار .

قال ابن أبى أصيبعة فى كتابه عيون الانباء فى كلام عن الرازى إن سبب تعلم تعلم أبى بكر محمد بن زكرياء الرازى صناعة الطب ؛ انه عند دخول له مدينة السلام بغداد - دخل إلى البيمارستان العضدى يشاهده فاتفق له ان ظفر برجل شيخ وظيفته صيدلي البيمارستان فسأله عن الادوية ومن كان المظهر لها فى البدء ؟ فأجابه بقوله : إن أول ماعرف منها كان ضحى العالم ، وكان سببه أفلولن سيلة اسقلبيوس وذلك أن أفلولن كان به ورم حار فى ذراعيه مؤلم ألما شديدا فلما شفى منه ارتاحت نفسه إلى الخروج الى شاطيء نهر فأمر غلمانه فحملوه إلى شاطئ نهر كان عليه هذا النبات وانه وضعها عليه تبردا به فخف ألمه بذلك فاستطال وضع يده عليه وأصبح من غد ففعل مثل ذلك فبرأ . فلما رأى الناس سرعة شفائه وعلموا أنه انما كان لهذا الدواء سموه حياة العالم وتداولته الالسن وخففته فسمى حى العالم فلما سمع ذلك أعجب به . دخل تارة أخرى إلى هذا البيمارستان فرآى صبيا مولودا بوجهين ورأس واحد فسأل الاطباء عن سبب ذلك فاخبر به فأعجبه ما سمع ولم يزل

يسأل عن شىء فشىء ويقال له وهو يعلق بقلبه حتى تصدى لتعلم الصناعة وكان منه جالينوس العرب هذه حكاية أبى سعيد لم تكن حالة الرازى مع الصيدلي كما أسلفنا ولا حالة الشريف الرضى مع تلميذه مهيار . وإذا كنت اسجل له هذه السجية فان المؤرخين أجمعوا على أمر يجعل للرازى صفة جد كبيرة هى صفة النظر البعيد والمذهب السديد الدال على معرفته العريقة بمركبات المواد الكيمياوية وتعرضها للانحلال . واستاذ الرازى فى الطب هو على بن الربن الطبرى اليهودى وكان قد اعتنق الاسلام فى أيام المعتصم ووضع للمتوكل كتاب فردوس الحكمة

وللرازى أقوال ملؤها الحكمة والاختبار وفي مؤلفاته الاراء الجديدة الدالة على فكر نير ومن كلامه قوله في الطب غاية لا تدرك والعلاج بما تنصه الكتب دون اعمال الماهر الحكيم رايه خطر ، . وقال القراءة من كتب الحكماء والاشراف على أسرارهم نافع لكل حكيم عظيم الخطر ، وقال : يقصر عن الوقوف على فعل كل نبات فى الارض فعليك بالاشهر فيما أجمع عليه ودع الشاذ واقتصر على ما جربت ، وقال من لم يعتن بالامور الطبيعية والعلوم الفلسفية والقوانين المنطقية وعدل او اللذات الدنائية فاتهمه فى علمه لاسيما في صناعة الطب . الى آخر أقواله التى تصلح أن تكون نصوصا مستقلة تقتل بحثا وتدريسا من طرف طلبة الجامعات الطبية والعلوم الانسانية . وقد استفاد منها الغرب وأبناؤه بقدر ما تغافلنا عنها وتركناها جانبا . انظر اليه فى هذه القول المأثورة والحكمة البالغة قال :

ينبغى أن تكون حالة الطبيب معتدلة لا مقبلا على الدنيا كلية ولا معرضا عن الدنيا كلية فيكون بين الرغبة والرهبة ، إنه لعلم ثاقب وفلسفة نادرة المثال فى ادراك الاشياء وللرازى مؤلفات عديدة فى شتى المواضيع اوصلها ابن ابى اصبيعة إلى المائة وتزيد . وأهمها الكتابان العظيمان المنصورى والحاوى وقد نقلا الى اللاتينية فى القرن الثاني عشر . وقد اتفق للمنصورى وقد أهداه مؤلفه إلى صديقه الملك المنصور بن ساسان أحد ملوك خراسان لذلك العهد ان المؤرخين خبطوا فيه خبطا عجيبا وذلك لاقبال مدرسة مونبليية عليه ولانه أصبح

من الشهرة بمكان . فمنهم من عزا الاسم الى أبى جعفر المنصور مؤسس وموطد الدولة العباسية معيدا اياه جيلا الى الوراء ، ومنهم من بات بنسبه الى المنصور حاجب هشام الاندلسي قافزا به من قارة الى قارة . على أن كتاب المنصورى يتضمن فصولا فى واجبات الطبيب وفى شروطه هى خير ما كتب فى هذا الموضوع وقد ترجمت فى القرن الاخير الى الفرنسية راسا وظهرت فى كتاب عنوانه : المذاهب الطبية للاستاذ بوشو عام 1864 .

أما كتاب الحاوى فانه ظهر بعد موت الرازى اظهره ابن العميد الكاتب الكبير بعد أن جمع تلاميذ ومن ذلك أن ترجمته كانت فى طليطلة في القرن الثاني عشر مع أخيه المنصورى وقانون ابن سينا . واطبق المؤرخون ان ملوك فرنسا كانت تهتم بحاوى الرازى اهتمامها بآثمن ما لديها من الكنوز فان لويس التاسع قد كان شديد الاعتناء بصحته حتى طلب من مدرسة الطب بباريس في القرن الثاني عشر أن تمكنه من استنساخ الكتاب المذكور ليحفظ في مكتبته الخاصة فاغتنمت الادارة هذه الفرصة السائحة وأخبرت الملك بحاجتها الى الدراهم فلم يخرج الحاوى من مكتبتها الا بعد ان نقدها الملك ما طلبته منه واستدانت المدرسة المذكورة مرارا فى القرن الرابع عشر فلم تجد من يسلفها نقودا الا بعد ان استودعته حاوى الرازى ولم يقبل الدائنون بغيره من الرهن .

توفي الامام الرازى سنه نيف وتسعين ومائتين وقيل عام 320 ه . أما ابن خلكان فإنه يؤكد وفاة الرازى عام 311 ه الموافق لسنة 923 م وبهذه الرواية أرخ المترجمون والمؤرخون هذه نبذة عاجلة عن أحد أعلام الطب عند العرب وأعتقد انى لم اوفه حقه ومالا يدرك كله يدرك جله .

اشترك في نشرتنا البريدية