تعتبر اللغة الفارسية (زيان فارسي) أعذب لغة فى الشرق ،(1) عمقها الخيال ووشحتها العاطفة بصور شعرية استمدت رونقها من جمال ارض البلابل ومن نشدان النفسية الفارسية للمتاع من كل سبيل ، فهى موئل لغنائية أبى عبد الله جعفر الرودكى ولهفة عمر الخيام وأغاني حافظ الشيرازى وقصص جلال الدين الرومى ونظامى الكنجوى ، لكنها لم تصل لهذه الدرجة من العذوبة والرقة الا بعد تجارب شعرية موصولة أصابتها فى ظل التشجيع الذي وجده الشعراء من طرف الامراء وحكام الاقاليم ، وكان ذلك نتيجة لحصول الفرس على الاستقلال الذى كافحوا من اجله منذ فاجعة كربلاء سنة (61 ه 680 م ) الى قيام دولهم (الطاهرية والصفارية والسامانية) فى القرن الثالث الهجرى فقد استغلوا مقتل الحسين بن فاطمة بنت رسول الله (صلعم) وزوج بنت آخر ملك من ملوك الدولة الساسانية ، وانضموا لال البيت يبكون الفقيد ويتحينون الفرصة للانقضاض ، وانطووا على أحزانهم ومطامحهم فى استعادة المجد الضائع وبعث شخصيتهم بكل مقوماتها فشاركوا فى كل الاحداث والوقائع التى جدت فى المجتمع الاسلامى حتى قيام تلك الدول فى الشرق الاسلامى القصى (خراسان) وما وراء النهر . وكانت الدولة الطاهرية عربية الثقافة والتقاليد ، أما الدولة الصفارية فقد شجعت على احياء اللغة الفارسية والادب القومى فظهرت بواكير هذا الادب ، وفى ظل السامانيين وجد الكتاب والشعراء التشجيع والرعاية فنشأ الادب الفارسي عذبا ريآنا ، وظهر شعراء عظام أحيوا اللغة الفارسية ، وتركوا ميراثا شعريا تأصلت صوره وطرائقه فى الشعر الفارسي حتى يومنا هذا ، وكان أعظم هؤلاء جميعا الشاعر الكفيف أبا عبد الله جعفر بن محمد الرودكى الذى ابدع فى قول الشعر وابتكر اشكاله وموضوعاته ، وفتق اللغة
عن اخيلة زاخرة تعج بالحركة والالوان ، فتهافت الشعراء على الاقتداء به ، مدحه احدهم بقوله :
لولا شهود الجود انكر سامع ما قاله حسان فى غسان
وترى ثناء الرودكى مخلدا من كل ما جمعت بنو سامان
وقال فيه شهيد البلخى أحد الشعراء السامانيين ما ترجمته " ان شعر الشعراء سيظل كلاما عاديا اما شعر الرودكى فلوحات زاخرة متموجة .
قول "مرحى" و"أحسنت" للشعراء مدح ، وقول " مرحي " و " احسنت " للرودكى هجاء . " (2)
ان ريادته للشعر الفارسي وابتكاره لطرائقه وتدبيجه لصوره جعلت مؤرخي الادب الفارسي كنظامى عروضى السمرقندى ومحمد عوفى ودولتشاه يعتبرونه رائدا للشعر الفارسى الاسلامى ويلقبونه بالاستاذ ، قال عنه عروضى انه (استاذ فن الشعر فى العالم ) (3) وهو ايضا (سلطان الشعراء) (4) وفقا لما ورد فى بيت (لمعروف البلخي) من شعراء القرن الرابع .
" سمعت من الروكى (سلطان الشعراء) قوله " لا تعتقد فى احد فى هذه الدنيا الا فى الفاطمي" (5) . ويذهب البلعمى وزيرا اسماعيل بن أحمد الساماني الى أن الرودكى شاعر لا نظير له بين شعراء العرب والعجم .
كما سمى بابى الشعر الفارسي .
فمن هو الرودكى " استاذ فن الشعر فى العالم و " سلطان الشعراء " و " ابو الشعر الفارسى " ؟ هو ابو عبد الله جعفر بن محمد الرودكي (269 ه
882 م - 329-940 م ) ولد برودك احدى نواحي سمرقند (6) بتاجكستان الحالية ونشأ فيها نشأة فارية اسلامية كنتيجة للاتجاه الثقافي والقومى الذى ساد خراسان وما وراء النهر ايام السامانيين ، تنفس فى جو استقلالي وحين شب ارتبط بالبلاط السامانى الذى احيى اللغة الفارسية وشجع الادب وجلا الشخصية القومية كما شجع الثقافة العربية فظهرت نهضة ثقافية اسلامية قوامها اللغتان العربية والفارسية (7) ، واختص الامير نصر الثاني ابن احمد الشاعر بعطفه واغداقه فاتخذ منه شاعره الاثير ، وكان الشاعر مهيأ لذلك فقد ثقف الادب العربي ويقايا الادب البهلوى وتغلغل فى الاوساط المختلفة يتلقف اللغة الفارسية التى احتفظ بها خاصة رجال الدين والضاربون فى الصحارى وقمم الجبال كذلك أخذ عنهم ادب الاسطورة والحكمة والطبيعة ، ولم تفته تلك الارهاصات الشعرية الاسلامية التى ومضت فى أفق الطاهريين والصفاريين وذلك برغم ضآلتها فاستفاد منها . من كل ذلك تكون له شغوف بالشعر وايمان برسالة اللغة الفارسية (زيان فارسي) كلغة ثقافية قومية تتسع للفكر بقدر ما تتسع للخيال وتنغرس فى حدائق فارس ومكامن القوم فتتأكد قدرتها ويعمق حسها ، وتصبح من خلال تلك التجارب المتجددة اللغة الثقافية الاسلامية الثانية لا نشك في أن الشاعر الرودكى هذب حس هذه اللغة وطوعها للتعبير عن أدق الاحاسين وأعمقها بما أتاحته له التجربة فى تلك البيئة المنعزله نسبيا عن المد العربي ، وأهميته كشاعر تكمن فى عملية الاحياء واكساب اللغة حسا منطلقا لا يحده تعثر ولا قصور ، ورغم أن كثيرا من الشعراء سبقوه فى عهد الطاهريين والصفاريين الى قول الشعر الفارسي ، وأن منهم من أثر عنه ديوان كحنظلة الباذعيسى(8) كما أن وفرة من الشعراء عاصروه وبرزوا فى قول الشعر كابي الحسن الشهيد والفرالاوى وأبى زراعة معمر الجرجانى وأبى المظفر النيسابورى
فان احدا منهم لم يبلغ ما بلغه من روعة فى التعبير وقدره على التصوير ونفاذ إلى أعماق اللغة ، وهذا ما عناه أمين أحمد الرازي مؤلف ( هنت اقليم) (9) فى قوله " وبالرغم من انه انه ظهر فى زمان آل طاهر وآل الليث عدة شعراء مثل حنظلة الباذعيسى والحكيم فيروز المشرقى وأبو سليك الجرجانى فان راية الكلام قد ارتفعت خفاقة فى عهد آل سامان وكان الرودكى قدوة الشعراء في ذلك الزمان " ويحدد ذلك بدقة السمعانى فى الانساب و" يقال انه اول شخص أجاد الشعر بالفارسية " ويقول المنينى فى شرح تاريخ اليميني (فهو أول شخص قال الشعر اللطيف بالفارسية ) ، ابتكر اشكاله وموضوعاته وبثه كل شوقه وحسه وركز فيه هذا القلق الحضارى العاصف الذى شد اليه النفسية الفارسية فأملى عليها هذا التوثب الى المتاع والتهافت على اللذة سواء أكانت مادية أم روحية إن تأثير الرودكى فى تلوين الاخيلة الفارسية وطبعها بطابع لذى عنيف واضح فى أشعار فارس على مدى العصور ، ورباعيات الخيام فى شكها لوعتها ، في توثبها وتمزقها بين الارض والسماء ، فى نزوعها اللذى وعميق تساؤلها ، تبدو صورة واضحة لتاثر الخيام بالرودكى ، فقد هام الشاعر بالخمرة والمتاع ولون أخيلته بهذه الغنائية الفارسية المسرفة التى يعتصرها القلق ويندفع بها الى مسالك لذية تبدو متضاربة فى كثير من الاحيان ، تماما كما هام الخيام من بعده متأثرا بأخيليته ونمطه الشعرى (11) ان القلق الكامن هو الذي جعل اللذة العاجلة مثلا أعلى عند الرودكى دون الاسف على ما فات أو الخوف مما هو آت لذلك كان الرودكى لذيا فى اغراق ، ذاتيا فى عنف ، تاركا طيوف الماضى وذكرياته غير آبه بالمستقبل وما يبطنه ، وسبيله الى ذلك وجه صبيح وخمرة مشعة ونغمة مسكرة .
..." عش سعيدا مع ذوات العيون السود فليست الدنيا الا خرافة ودثورا لا ينبغي أن تسعد بما هو آت ... ولا ان تعيش على ذكر الماضى . دعني وذات الشعر المجعد المسكى الرائحة ... دعنى وذات الوجه القمرى التى هى من نسل الحور .
سعيد ذلك الشخص الذي تمتع واعطى ، وشقى ذلك الذى لم يتمتع ولم يعط .
واسفاه ان هذا العالم ريح وسحاب قدم الخمر فكل ما لابد ان يكون لابد ان يكون " (12) وهيامه بالخمر كهيامه بذاته لا يقف عند حد .
... " تطيع اولا تطيع اخاف انك لا تستطيع التغلب على نفسك ولا أن تهزم جيش الغم عن قلبك . فالاولى أن تحضر الخمر وتشرب .. " ( 13 )
وهو فى لوحاته الذاتية ينشد التكامل ففيها الحبيب والخمر ولحن الزير ونواح السار وهى جماع ما وقف نفسه عليه .
... " الآن احتسوا الخمر ... الان اسعدوا فانها اللحظة التى يحمل فيها الحبيب نصيبة من صدر حبيبته ...
ايها الساقي احضر الخمر واشربها على لحن الزير فان السار يغرد فى المزرعة والعندليب فى الحديقة . " ( 14 )
والخمر عنده اساس للاصالة والرجولة وتذليل الصعاب وتجاوز كل تحجر وانغلاق .
... " يظهر الخمر شرف الرجولة .. انه يظهر الشريف الارومة من النقود التى يشتريه بها .
ويكشف عن سىء الاصل ... ان افضالا كثيرة لهذه الخمر .
فكل وقت يحتسي فيه " الرجل " الخمر يكون وقتا لطيفا خاصة ادا ما تفتح الورد والياسمين فكم من حصن منيع فتحه الخمر وكم من عقدة جديدة انحلت به .
فكم من وضيع بخيل شرب الخمر فاصبح كريما ينثر الدر فى الدنيا " وكيف يستسيغ تحت ذاتية مفرطة ان يوقع على الصنج دون ان تدار الخمرة العتيقة .... " لقد مسك الرودكى الصنج ووقع .. فصب الخمر فلقد اشاع النغمات تلك الخمرة العقيقية اللون كل ما شاهدها لم يميزها عن العقيق الحقيقى المصهور فجوهرهما واحد ... لكن بالطبع هذا تجمد والاخرى انصهرت تصبغ اليدين من غير ان تسحق ... وتغير على اليافوخ من غير ان يتذوقها " .
وهو أسير هيام غلاب بالخمر ملا عليه دروبه ولحظاته .
... " احضر تلك الخمرة القانية وقدمها الى ... الكاس فى يد والصنج فى اليد الاخرى .
احضرها من تلك الخمرة التى من اشعتها ... يستحيل فرسخ من الحجارة الى ياقوت "
وقطرة من خمرته تسقط فى نهر النيل تترك التمساح ثملا مائة عام كما ان الغزال اذا ما اصاب منها قطرة اصبح ليثا عربيدا ...
... " اعطني من تلك الخمر التى لو تسقط قطرة منها الى نهر النيل لظل التمساح ثملا من رائحتها مائة عام .
ولو شرب غزال السهل قطرة منها لاصبح ليثا عربيدا لا يكترث بالفهد " وليس عليه من حرج اذا ما شدته الزراية الى تفضيل صوت البربط على التكبير فمن يقص عليه اخبار العاشقين ووساوسهم ؟
... " يا صاح ان صوت بربطه ياتي فى اذنى الطف من التكبير .
فلعل نواح الزير .. يقتنص الصيد من هذه الصحراء المترامية ... يوضع السهم فى جسمه مرة بعد اخرى فتنفذ أنغامه الى القلوب فتارة نائحا واخرى يئن غلبة من انبلاج الصبح الى فحمة الليل .
ان ذلك المنطق الذى ليس له لسان يفسر اخبار العاشقين فحينا يجعل المجنون عاقلا واخرى يضع السلسلة فى قدم العاقل ."
وهو فى اتجاهه اللذى هذا شاعر غنائى جمالى يتحسس الفتنة فى اى مظهر فى الطبيعة الساحرة ، فى النبيذ المشع ، فى الوجه الحسن .
... " فالنبيذ المشع ... والطلعة الحسنة والنغم اللطيف ولو كانت عندى صعبة المنال فانها دائما ذات قيمة فى نظرى " ( 15 )
وقد صاغ الشاعر غنائيته هذه فى صور شعرية بارعة تعتمد اللون والحركة والتعقيد ، وتستمد رونقها من طبيعة ارض البلابل وقد اعتمد فيها على بصر نافذ قبل كفافه وعلى ثقافة متشعبة نفذت الى دقائق الصور والاخيلة والافكار . فأضاء الطبيعة بنور متألق جلل صوره وأكسبها حيوية وتبرجا .
يطيل النظر الى الاحباء فاذا هم قمر ساطع يملأ الكون نورا .
... "والآف الاتراك واقفون صفوفا امامه وكل واحد منهم مثل القمر المضىء فى منتصف الشهر " .
ولم يكن ممدوحه الا ذلك النور الذى ازاح سجفا من الظلمات .
... " نالت البلاد المظلمة بنوره جمالا وصارت الدنيا المظلمة الخربة جنة عدن بوجوده "
والبرق عنده لا يومض وقت الربيع وانما " يضحك " ليبكى السحاب ... " إذا لم يضحك البرق وقت الربيع فان السحاب ايضا لا يبكى بهذه الصورة " ويتتبع حركة الشمس فى طلوعها واختفائها لاحساسه بها احساسا عميقا .
... " يظهر وجه الشمس من السحاب بين الفينة والاخرى كالقلعة التى يمر فيها الرقيب " .
أى أن الشمس المختفيه تحت السحاب كالرقيب لقلعة يظهر بين الفينــ والاخرى .
واحساسه باللون كاحساسه بالنور حدة ، وتتبعا ووضوحا فطرة حبيبـــ كالليل فى حلكته وطوله
... " ان طرته لو تسحبها تكون كالليل الطويل فلو تفتحها تكون كالبرانـــ التى تمسك القلب . ولو فتحوا التجعيدات والالتفافات بعضها من بعض لجمعو منها احضانا من المسك الطرازى "
وخمرته كالياقوت الجارى فى صفائها وكماء الورد فى طهرها او كبريـــق سيف مسحوب انعكست عليه اشعة الشمس
... " احضر تلك الخمر التى تخالها ياقوتا جاريا صافيا . او سيفا مسحوبه امام الشمس . فكانها من الطهر فى الكاس كماء ورد . وكانها من اللطف حلــ فى العين الصاحية " .
فزحمه الالوان من جهة وتركيب الصور وتعقيدها من جهة ثانية يدلان على انه كان بصيرا قبل أن يكف تعمق الحياة وادام النظر الى صورها وما عليه من تعقيد .
..." والخمر المضيئة كسحاب بهمن (جانفى) . لماذا لا تأتي بها الى الحديقة ؟ ) ووجوه احبائه كالخمر القانية ، وتجعيد طررهم ريحان .
... " وكل واحد قد وضع على رأسه تاجا من الياس . ووجهه خمر قانية وتجعيد طرته ريحان "
وعينا الساقي سوداوان وقامته كالسور وطرره مقوسة
..." من يد التركى الاسود العينين الحورى الوجه . قامته كالسور وطرره مقوسة ويتحسر فى شيخوخته على اسنان تناثرت وكانت فى بياضها كالمصابيح المضيئة وفى انتظامها وبهائها كالدرر والمرجان وفي صفائها كقطرات المطر .
..." ان كل اسنانى قد احتكت وتناثرت . انها لم تكن اسنانا بل كانت مصابيح مضيئه كانت بيضاء فضيه منتظمة كالدرر والمرجان او كنحمة السحر وقطرة المطر "
وخمرتة لم تكن على نسق واحد ، انها قلب فهي تارة ياقوت جار واخر كسحاب بهمن وثالثة كالعقيق الاحمر
... " لقد مسك الرودكى الصنج ووقع ... فصب الخمر فلقد اشاع النغمات .
تلك الخمر العقيقية اللون كل من شاهدها لم يميزها عن العقيق المصهور فكلاهما جوهر واحد لكن بالطبع . هذا تجمد وتلك انصهرت "
ويسرف فى تركيب الصور وتعقيدها فتتالق اخيلته وتتشعب .
ان صورة العلل الضاحك بين الزرع من بعيد وكانه قبضة عروس مخضبة بالحناء لم تكن وليدة حدس او سماع . وانما كانت وليدة امعان اصاب كلتا الصورتين
... واللعل بين الزرع يضحك من بعيد . كقبضة عروس مخضبة بالحناء وبين جعله الطرة جيما والخال نقطتها وما الى ذلك يبلغ التعقيد عنفه كما فى هذين البيتين
.. " من جعل طرتك (جيما) ؟ انه هو الذي جعل خالك نقطة تلك الجيم ومن خلق ذلك الثغر الضيق الذي تراه فتحسب ان شخصا صنعه من حبة رمان صغيرة شقها نصفين . "
ويزخر عالم رؤاه فتتآلف المشاهد فى شعره .
... " والشمس تحتجب ... لو ترفعين الحجاب عن مصباح عينيك والذقن يشبه التفاحة تماما . فيما إذا كان للتفاحة خال من المسك . "
ومن كلفه بالالوان يشبه الحياة بعد ان استقبلت المطر والبرد بعروس ارتدت حلة من القصب المزركش .
... " وقد امطرت الامطار المسكية الرائحة مرة بعد اخرى . واتخذت من البرد حلة من القصب المزركش . "
وقد دفعه هذا الكلف بالتعقيد الى ضرب من التلاعب فمن الغازه في وصف القلم .
اعرج ولكنه يجرى ، ليس له اذن ولكنه يلتقط الحديث اخرس ولكنه فصيح ، ليس له عين ولكنه بصير بالعالم له قوة السيف وانسياب الافعي وجسم العاشقين وحالة المحزونين
ومن احاجيه قوله فى " المجمرة " ما ذلك الشئ الذى يضئ او يتوقد فوق ذلك الطبق مثل ثوب من الحرير وضع تحت شعر عنابى اللون ساقه على سبيل التمثيل مثل ساعد الحوراء ورجله على سبيل التشبيه مثل رجل طائر من طيور الماء
والى ذلك فقد ابتكر الرودكى اغلب اشكال الشعر الفارسى ( القصيدة والغزل والرباعي ) واستخدم الاوزان العربية واضاف اليها بحورا اخرى اشتقها منها مع شئ من التعديل اقتضته طبيعة الشعر الفارسي (16) وكان الى شاعريته حسن الصوت يعزف على البربط فاعانه ذلك على ان تكون اوزانه جميلة وغنائيته نفاذة .
بهذه النزعة التجسيمية فى التصوير استطاع الرودكى ان يشغل اخيلة شعراء فارس وان يملا عليهم دروبهم ولحظاتهم ، ونحن اذا امعنا فى ايراد نماذج للشاعر فانما نهدف الى الكشف عن طبيعة الغنائية الفارسية ووضع القارئ في هذا الجو الغنائى المنطلق الذى اشاعه الرودكى فتاصل فى الشعر الفارسي على اختلاف عصوره ، واكثر من هذا فان التصوير عند الشاعر ظل معينا لكبار شعراء فارس ينهلون منه ويلونون به اخيلتهم ورؤاهم ، وهذا ما نلمسه حين نقرأ رباعيات الخيام وغزليات حافظ الشيرازى وشاهنامة الفردوسى وقصص نظامى الكنجوى وعبد الرحمن جامى وسواها ، فمبتكر اشكال الشعر الفارسي وموضوعاته هو الذى اصل هذا الروح الغنائى فى الشعر الفارسى فاستحق لذلك ان يلقب من طرف مؤرخى الادب الفارسي بـــ " ابى الشعر الفارسي" الاسلامى .

