لم تمض ثلاثة شهور على اعلان استقلال تونس حتى بعث اول جيش تونسى صميم ليس فيه للاجنبى امر او نهى ولا راى او تدبير ، جيش تونسى يحمى الدولة الفتية ، ويدعم الاستقلال الوليد ، ويرد على الامة عزتها وكبرياءها اللذين اودى بهما رؤية جيش الاحتلال البغيض الطلعة مدى ثلاثة ارباع القرن وهو يغدو ويروح مختالا فى طول البلاد وعرضها ، حاكما مسيطرا ، محرقا مدمرا ، مخرجا فى كل مناسبة وبدون مناسبة عتاده الثقيل وآلاته الجهنمية لاظهار قوته حتى يبعث الرهبة والرعب فى النفوس .
لذلك كانت فرحة الامة بولادة هذا الجيش فى جوان من سنة 1956 المباركة سنة الخلاص والتحرير ، سنة الاحداث الجسام والمعجزات الباهرات . . .كانت فرحة الامة بمولد الجيش فرحة الاسير كسر قيده واليائس رجع اليه امل الحياة
لقد كان لهذا الحدث الهام فى تاريخنا القومى مجال واى مجال للشعر والشعراء وحافز اى حافز للخيال والعاطفة
لذلك كان لدينا من الشعر الذى قيل فى انبعاث الجيش قصائد عديدة اشترك فى نظمها شعراؤنا سواء الشيوخ منهم او الشبان .
اما الشيوخ فانهم - حين تحدثوا عن الجيش - لم يروا فيه الا انه نبعة من الجيش العربى وامتداد له ، واستئناف لامجاده القديمة ومئاتيه خلال تاريخ الامة العربية - فالشيخ الطاهر القصار يرى ان هذا الجيش فرع من جيش العرب الذي كان الملك فيهم عظيما ذهب يملك الروم والعجم - يقول فى قصيده الذى القاهرة عند الاحتفال بيوم عيد الجيش :
العرب والملك فيهم مظهر عجب
سما فأودى بملك الروم والعجم
اعظم بملك ابن مروان ومنعته
وملك هارون بحر العلم والكرم
واذكر لصقر قريش ملك اندلس
وكيف فجر ارض الروم بالحمم
واعجب لعقبة ليث القيروان وما
اسداه للعرب من فتح ومن حرم
ذيالك الملك قد كان الزمان له
واليوم تبعثه الاحفاد من عدم (1)
والشيخ جلال الدين النقاش هو الآخر يرى الجيش اداة صلة بين الماضى والحاضر فيذكرنا بجيش اسد بن الفرات والمعز وطارق بن زياد .
اى جيش قد قاده ابن فرات
ومعز وطارق بن زياد
مهدوا الملك سيروا الجند قادوا
ببطولاتهم رقاب العباد (2)
وهذا لا بأس به لو ان باقى الشعر اشتمل على ما كان منتظرا من الشاعر ان يتحدث عنه فى مثل هذا المقام . فانت تبحث فى القصيدين عن وصف بارع للجيش وحديث عما يوحيه انبعاثه فى النفس من اعتزاز وفخر وعن ذكر لحالتنا فى الماضى حين فقدنا جيشنا . وقذيت اعيننا برؤية جيش المحتل يجوس خلال ربوعنا بالغدو والاصال . تبحث عن كل ذلك او عن بعضه فلا تجد له اثرا اللهم الا صدى فاترا ونتفا متناثرة لا تستقر على فكرة او تستقصى معنى وتستخرج ما فيه من امكانيات فنية وهذا هو العيب الذى نود ان يتنبه اليه شعراؤنا الشيوخ ويعملوا على التخلص منه .
واننا لنفضل على هذين القصيدين قصيد الشيخ الصادق الفقى على ما فيه من ضعف وهزال فقد ركز فيه المعانى حول فكرة واضحة هى وصف الجيش وذلك حين يقول :
قد راينا ايها الجيش يوم العــــــ
ـــــــرض فازداد فى الحماس اضطرام
وحدات قد ابدعت فى نظام
تتهادى من فوقها الاعلام
وشباب فاحت بهم جنة الخضراء
نشرا ، وطاب فيها ازدحام
وحماة كالانجم الزهر هم قادة
جيش الحمى الذى لا يضام (3)
ويقابل هذا الشعر التقليدى الفحل شعر الشباب المتحرر من بعض قيود القوافى والاوزان الثقيلة الوطاة والمجدد فى الصور والتعابير - والذى هو على كل حال معجب اذا صدر عن شاعرية اصيلة .
وهاك مثلا على هذا الشعر - قطعة لمحمد العربى صمادح - بعنوان " جيشنا " وفيها تدرك الفرق واضحا فى التعابير والاوزان الشعرية .
على هام تلك الربى والتلال
بارض الجنوب وارض الشمال
وحول القصور ودنيا القفار
وفى الكون عبر السما والبحار
سيبعث جيش البلاد
قوى العتاد
وفى اى درب دوى او سكن
وفى كل ثغر بهذا الوطن
وتحت دجى الليل مهما ادلهم
وفى وهج الشمس مهما احتدم
ترابط مثل الاسود
عساكررنا فى الحدود (4)
وهذه نغمة اخرى من شعر الشباب لنور الدين صمود فى قصيد مطول بعنوان " نشيد الجيش " جعل لازمته هكذا :
ارضى و عرضى لن يمسهما العدو ولا الدخيل
آمنت بالجيش الفتى متى يدمدم او يصول
يتحدث فى هذا القصيد عن اشياء كثيرة مما يوحيه فى النفس هذا الجيش فتكلم عن الجلاء وعن تحطيم الحدود لبناء مغرب موحد كما تكلم عن آمال الغد وعن قيام مجتمع جديد تحقق فيه اهدافنا القومية . ونختار من هذا القصيد الابيات التى يحيى فيها باعث الجيش ومنشئه :
يا منقذ الشعب المكبل من نيوب الافعوان
ستظل روحك توقظ الاقدام فى قلب الجبان
اليوم حررت البلاد من المذلة والهوان
وصنعت جيشا عبقرى الروح فى يوم الطعان
وغدا سيسطع فجرنا ويهب فى الآفاق جيل
ارضى وعرض لن يمسهما العدو ولا الدخيل
آمنت بالجيش الفتى متى يدمدم او يصول (5)
اما احمد الخبثانى فقد نظم فى اسبوع الجيش الذى افتتح فى اوت 1957 قصيدا استهله بهاته الابيات :
فخار الجيش يبعث من جديد
بعزم ثابت عزم مجيد
سنبعث جيشنا رغم العوادى
ونجعله كسور من حديد (6)
ويظهر ان الشاعر لم يحتفل بهذا القصيد او لعله نظمه على عجل فجاء ضعيف النسج مهلهل القافية وكأنما ارتجل ارتجالا . وهذا عيب آخر يقع فيه معظم شعرائنا . فانهم ربما نظموا اشعارهم فى المناسبات القومية الهامة التى يكون التجويد فيها والتروى ضربة لازب بعجلة ظاهرة مع ان هاته الاشعار هى التى ستبقى مخلدة لتلك المناسبات او المواقف فاذا لم يحتفل بها الشاعر ويتانق فى صوغها فانها لا شك ستموت قبل موت قائلها على حد قول دعبل .
يموت ردىء الشعر من قبل اهله
وجيده يبقى وان مات قائله
وما نقوله عن قصيد احمد الخبثانى نقوله ايضا عن قصيد محمد الشعبونى
الذى نظمه فى عيد الجيش فانه بعيد عن الجودة بل اننا لم نجد فيه ما يمكن ان نختاره فى هذا الموضوع اما لسقم فى العروض او سطحية فى المعانى او ضعف فى التعبير . (7)
وقد اوحى عيد الجيش للشاعر احمد اللغمانى قصيدا جميلا ناهيك انه فاز بالجائزة الاولى التى رصدتها الاذاعة التونسية لاحسن قصيد ينظم فى تلك المناسبة وهذه ابيات مختارة من هذا القصيد :
يا ايها الجيش الفتى لك العلا
والمجد فامض الى الامام مصمما
انا نريدك قوة جبارة
صماء مثل الصخر لن تتحطما
القى لك الوطن العزيز امانة
يا نبل ما اعطى وما قد سلما
بيمينك الشرف الذي اوليته
فاحرص على الا يضام ويهضما
يا جيش تونس يا اعز شبابها
وسعير غضبتها العتى المضرما
يا سر نخوتها ورمز فخارها
وشموخها ورجاءها المتبسما
وهتافها انى تمر موقعا
تلك الخطى متشامخا مترنما ... (8)
ونظم الشاعر منور صمادح فى اسبوع الجيش قصيدا لطيفا بعنوان " نداء الجيش " جاء فيه قوله مشيرا الى امجاد تونس فى عهد قرطاجنة .
يا شعب تونس قم وجدد تالد الازمان
انسيت قرطاج التى تاهت على الرومان
والجيش والاسطول والبحر الذلول الدانى
وجدائل الشعر التى جالت بهن غوانى
ضفرت حبالا كى تشد عزائم الشبان .. (9)
وقد ظفرنا فى هذا المجال بقصيد متين للشاعر القيروانى الناصر الصدام يتحدث فيه عن الجيش والمعارك حديثا مركزا يعيد الى الذاكرة اصداء حبيبة للنفس عرفناها فى الشعر العربى حين كان المتنبى واضرابه يسجلون معارك الابطال فى شعر فخور ينضح قوة واعتزازا .
يقول فى وصف الجيش :
لكانني بالجيش وهو كتائب
خضراء تزجى رجلها وخيولها
تغدو بها ثكناتها مكتظة
وقلاعها كالاسد تحمى غيلها
فى البر تحسبها ضوارى هيجت
او جند جن اطلقوا مغلولها
توفى على مثل الهضاب قواذفا
هولا يزيغ من الرجال عقولها
ومصفحات كالرعود دويها
الموت يسبق فى الهياج سيولها
ان صوبت نيرانها لمعاقل
لم تبق الا رسمها وطلولها
واذا انبرت وحداتها لمعارك
لم تشف الا بالدمار غليلها
والمدفعية خلفها قد زمجرت
نزلت تجر خفيفها وثقيلها
ترمي كافواه البراكين الشظى
وتصب من حمم اللهيب مهولها
ويستمر الشاعر فى الحديث عن العتاد الذى سنعده فى الغد من اسراب للطائرات تحتل آفاق السماء . وبواخر تمخر رحب الخضم .
من كل طراد كطود سابح
يقفو مدرعة تجر ذيولها -
من حولها تنبث غواصاتها
لتروع افئدة العدى وتهولها .. (10)
فهل كان يخطر مثل هذا الشعر على بال شاعر حرم التغنى بمثل هذه المعانى فى الماضى - اننا نريد من شعرائنا ان يستوحوا اشعارهم من العهد الجديد الذى جعل من الذل عزة ومن الهوان رفعة ... اننا نريد منهم ان يتخلصوا من هاته النغمة الفاترة المحتشمة فى التغنى باعيادنا القومية وان يستشعروا العظمة والقوة عند الحديث عن عهد الاستقلال .
بعد الاستقلال
وهناك مواقف اخرى للشعر ازاء مشاكل واحداث قومية جدت بعد الاستقلال وكان للشاعر التونسى فيها راى او مجال ، مما لم يعهد له مثل فى الماضى فانه ما من حدث هز مشاعر الامة وما من قضية شغلت بالها الا وتناولها الشعر بالقول ، مترجما عن مشاعر الشعب ، معبرا عن احاسيسه فى ذلك الحدث او تلك القضية وهذا هو المنتظر من الادب فى العهود الانتقالية التى تكون فيها شخصية الامة بصدد التكون وذاتيتها فى طريق التبلور فمما لا شك فيه ان للشعر فى مثل هذه الظروف رسالة لا مناص له من القيام بها وتبليغها الى الاذهان انها رسالة بعث الوعى القومى والهاب حماس الجماهير للقضايا الوطنية وتمجيد اعمال العاملين المخلصين .
ليكن رايك ما يكون فى الادب الملتزم او الهادف ولكنه لا يسعك ان تنكر اثر هذا الالتزام فى النفوس ولزومه عند ميلاد امة من العدم وبعث شعب من الهباء
لقد كتب الكاتبون عن ادبنا الحديث لينعوا على الشعراء جمودهم وافلاسهم وعزلتهم فى الابراج العاجية وعدم شعورهم بمرور الثورة
ولكن كيف يستطيع هؤلاء الكتاب ان يزعموا ان شعرائنا متخلون عن واقع امتهم وانهم لا يواكبون حياتها الحاضرة - وهذه اشعارهم - غثها وسمينها لا تنى تتحدث عن هاته الحياة - فما من حادثة حدثت او واقعة وقعت او ازمة استحكمت سواء قبل الاستقلال او بعده الا وراينا لهم فيها شعرا يروى او
قصيدا يتلى - هل استرجعت للسيادة العسكرية التونسية ثكنة كانت معقلا يعذب فيه الاحرار ؟ ها هو ذا الشاعر عطاء الله ينشد :
ايا معقلا قد كان بالامس مطبقا
تحطم فيه الحريات وتنسف
ويلقى به الاحرار قسوة جنده
وحراسه انكى واقسى واعنف
دخلناك بالامس البعيد اذلة
ولكن دخول اليوم بالعز اشرف
وجئناك والجيش العدو يسوقنا
الى ساحة التعذيب والسوط يندف
ولكن لك الامس البغيض - ويومنا
لنا والغد الآتى وشمل مؤلف .. (11)
هل وقعت تعبئة الشباب التونسى لحراسة السدود التى تحول دون تحرك الجيش الاجنبى فوق تراب الجمهورية ؟ ها هو ذا احمد مختار الوزير يصوغ قصيدا فى هذا الغرض يجعله - على طريقته - قصة لطيفة وحوارا يدور بين الام وفتاها - تقول الام : مالى اراك لا تتحدث مثل عادتك ولا تتناول طعامك وشرابك ؟ ومالى اراك تريد الخروج فى ظلمة الليل الحالكة وليس فيها الا نجوم غائرة ، ورياح صافرة ، وكلاب غاضبة ذات هرير منكر - ثم تضم فتاها الى صدرها وتعانقه وهى دامعة العين متوسلة اليه الا يتركها فريسة الحيرة والهم .. وتمضى فترات سكوت عميق لا تسمع خلالها غير الزفرات المتصاعدة ... واخيرا يجيب الفتى :
حنانيك امى فذى ساعة
الى عزها كلنا يندب
الى السد - امى - الى مشهد
الاقى به الموت او اغلب
اميمة لست فتاك اذا
رضيت الهوان ولا اغضب
الى تونس قد وهبت دمى
وروحى المحب وما احبب ... (12)
هل تحرك الجيش المحتل للجنوب وانتفض انتفاضته الاخيرة فى رمادة ؟ ها هو ذا منور صمادح يعبر عن غضبة الشعب وعن وعيده :
سنقتحم المعضلات الصعاب
ونعصف بالظلم مهما الم
فلا القاذفات ولا الزاحفات
ولا الماخرات تصد الهمم
فاما الجلاء واما الفناء
ولا كان من لم يقم ينتقم (13)
هل وقع الرمى على ساقية سيدى يوسف فى عدوان سافر وقسوة متناهية ها هى ذى قيامة الشعراء تقوم على المعتدى لتسجل للتاريخ هذا الاعتداء الغاشم او لتعبر عن غضبة الامة او لتنطق بالامها فينظم احمد مختار الوزير ملحمة الساقية المنشورة فى ديوانه (14) ومصطفى الحبيب بحرى يقول فى قصيدته بعنوان " صانع الفناء فى قريتى "
ورميت قريتى الجميلة باللظى
ودوت قنابلك الحقودة بالفضا
ماتت عشيرتى الحبيبة ... وابى قضى
ويداه تحتضن الصغار ...
هم اخوتى يا زارع الاحقاد .. اخوتى الصغار
كانوا كاحلام الصبا ... كالزهر فى صدر الربى
فى الحقل كانوا يرقصون وينشدون
للقرية السمراء اغنية الضياء مع الصغار (15)
واحمد اللغمانى فى عبارات مختارة - يصف عواقب القذف على مدرسة الساقية :
سبورة محطمة ... لما تزل تحمل بعض " الكلمة "
هنا فتات مقلمة ... وههنا ورقة مرقمة
وراس طفل ... ويد مكلمة ... كانت تخط " الكلمة "
وبعض رجل لم تزل ... تحمل بعض الجورب
قد طرحت فى اللهب
وسله فى قاعها نصف رغيف ...
هذا حطام المدرسة ... اطفالنا جماجم مرفسة
على الثرى مكومة
اشلاؤهم طارت شظايا فى الفضا محومة (16) ... الخ
هل اعلن دستور البلاد فى عيد من اعيادنا القومية الغراء الطلعة ؟ ها هو ذا الشعر يسجل بلسان الناصر الصدام :
اعلنوه يثبت الاركانا
وتبنوا ما دعم البنيانا
اعلنوه على الملا يوم عيد النــــ
ــــــصر يوم الرشاد والحق بانا
ولقد اعلنوه فاهتزت الخضــــ
ــــــراء احتفاء تبارك الاعلانا
ان دستورها لها خير درع
البسوه لها دلاصا فصانا
وبنوها هم الذين اثاروها الى
نيله ضروسا عوانا .
كم سخوا فى سبيله بنفيس
ونفوس قد افعمت ايمانا (17)
فان قلت ان هذا الشعر لا يفى بعظمة هذا الحدث ذكرتك بقصيدة الشاذلى عطاه الله الذى قال بمناسبة اعلان الدستور والذى جاء فى طالعه :
الم تستضئ بالنور من طلعة البدر
وترتشف الانداء من مبسم الفجر
ولم تر طيف النجم فى غسق الدجى
يطل على الاكوان من فجوة الستر
الم تسمع الالحان فى روعة الضحى
يرجعها الشحرور فى ضفة النهر
ولم تنشق الورد المبلل بالندى
يضمخ جو الروض بالارج العطرى
والذى وصف فيه بهجة الشعب بهذه الابيات :
الا مجد اليوم الاغر فهذه
مواكبه تبدو باعلامها الحمر
وهذه وجوه الشعب فياضة السنا
اساريرها البيضاء تطفح بالبشر
تهدهد ارواحا فتهفوا لعيدها
وتغترف الافراح من منبع ثر
وتشدو بأنغام عذاب كانها
اغان من الفردوس فواحة النشر
اما عن العيد نفسه فان الاعياد قبله لم تكن الا ومضات خاطفة فى سير الزمان و بصيصا من النور الخافت ازاء نوره السحرى :
احييك عيدا مثل النصر كله
وجمعه فى هالة الكوكب الدرى
وتوج تاريخ الكفاح وعهده
وكلل امجاد البطولة بالفخر
فاعلن دستور البلاد فوطدت
به قدم الشورى وغلت يد الغدر
وهل كحمى الدستور للشعب جنة
وهل كيد الشورى تذود عن الحر (18)
هل وقع حادث الطائرة المغربية التى نقلت زعماء الجزائر وسقطت ضحية الغدر والنذالة ؟ ها هو ذا محمد مزهود لا يفلت هاته المناسبة ليقول شعرا يتنزى على روى الزاى وكانه صاغ قوافيه من ازيز الطائرة :
دبروها مكيدة ما عرفنا
مثلها خمسة وانكى واخزى
ايهذا التاريخ حدث عن المكر
فقد رزت عصبة المكر روزا
" اى فقد جربتهم وخبرتهم "
وارو للدهر قصة الغدر واجعل
من فرنسا للخزى والعار رمزا
دولة تنكث العهود ولا ترعى
ذماما به تدين الاعزا
دولة تنحر المروءة والعدل وتأ
بى الا خداعا وهمزا (19)
هل وقع الحديث عن وحدة المغرب الكبير ، عن هذه " الارادة الجماعية " ، للوجود المشترك . ؟ ها هو ذا احمد اللغمانى يحدثنا فى قصيد منثور عن هذا " الحلم السنى " الذى تحطم به السدود والحدود من ضفة " الاطلنطى الى صحراء ليبيا " والذى سنبنية " بالارواح والاشلاء والدماء ، ونصونه من شر المغير ، ومن " تضامن سراب او حلف افك وكذاب " يقول الشاعر فى طالع القطعة :
المغرب الكبير . . . . . حلم الملايين الضعاف
نريده . . . نريده . . . كالاطلس الاشم
يسخر من زوابع العدم
يتحدى ضحكة القدر
يصمد كالجبار فى وجه الفنا . . . . الخ (20)
هل يتحدث الرئيس عن الجلاء وعن ضرورة الجلاء ؟ . ها هم اولاء الشعراء يرددون اصداء كلماته المدوية . فاحمد الخبثانى يجيب الرئيس :
الشعب يصرخ يا زعيمى كله
اين السلاح فلا حياة بلا سلاح (21)
والشاذلى عطاء الله يهدد :
ولسوف نبقى فى صراع قائم
ما لم نهيئ للجلا براحا
ونرى الجزائر حرة يلقى بها
فجر السلام على الشمال وشاحا (22)
ونور الدين صمود لا تغنيه الاعياد فتيلا ان لم يكن من بينها عيد الجلاء :
لا نرى العيد فرحة وغناء
ان عيد الخضراء عيد الجلاء (23)
وها هو ذا اخيرا احمد مختار الوزير فى قصيد " الجلاء " يحدثنا عن منظر من مناظر الجلاء الاصغر ، جلاء 20 اكتوبر 1958 فى انتظار الجلاء الاكبر عن بقية اراضينا وثغورنا :
جيوش على ارضنا يحتمى
بها مستبيح ومستعمر
لئن طال ما خيمت بالحمى
مدجة شرها منكر
فذا يومها ضاق - لا مهر
ب سوى انها للحمى تهجر
الا فانظروا تلك اعلامها
لواذا يلففها المقصر
يسير بها فى الدجى لا ينى
ويكبو به الخطو او يعثر
يقارب من خطوات المسير
فماذا يخاف وما يحذر ؟
عتاد تستره الظلمات
بلا راية . . . . اين لا تنشر
ويتساءل الشاعر عن سر تسللها لواذا فى انظلام ولماذا يود صاحب ذلك العتاد لو يقبر من العار . . . ذلك لانها تذكرت . . . فاهاجت الذكريات فى نفسها وخز الضمير :
فكم ظلمت قاذفات اللظى
ومدت على جاحم يسعر
وكم رفعت ومسيل الدماء عــــ
ــــــلى ارضنا هذه يزخر
وكم تركت خلفها من يتيم
رضيض من الهول يستنصر (24)
