الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

اتحاد الكتاب وحدة في التنوع

Share

إني بحق متأثر ومعتز (*) متأثر لأنى أزور بعد عشرين سنة تقريبا هذا المحل الذى عملت فيه مدة ستة أعوام بلا انقطاع وساهمت فيه بكل قواي فى رفع شأن الشباب واحلال الرياضة المنزلة التربوية والاخلاقية اللائقة بها وخدمة الطفولة وخاصة الطفولة المشردة والمحرومة فى نطاق مشروع قرى أطفال بورقيبة . أزور اليوم هذا المكان فتتسابق أمامى الصور وتزدحم الذكريات وأرى من بينكم بعض وجوه ساهمت معى فى هذا العمل العظيم الذى تحقق غداة الاستقلال فى مجالات الطفولة والشباب والرياضة وننظر الى ما . حولنا ونشاهد أن المعركة متواصلة وأن قضايا الشباب والرياضة لا تزال على أهميتها ولا تزال تستدعى مجهودات جبارة وامكانيات كبرى فى بلد فتي كتونس .

وإني ى معتز لأني أجتمع اليوم بعدد كبير من الكتاب والادباء ينتسبون الى أجيال مختلفة ومدارس أدبية وفكرية متعددة يوحد كلمتهم اتحاد الكتاب على  أساس التسامح والتقدير المتبادل والديمقراطية الحق ويجمع بينهم حب واحد لتونس وعزيمة مشتركة لخدمة الادب التونسى واشعاع الفكر التونسى والتفانى فى احياء القيم العربية الاسلامية ودعمها فى هذه الديار .

نجتمع اليوم لتدشين المقر الجديد اللائق باتحاد الكتاب التونسيين بعد سعى طال عشرة أعوام ، انه أمل يتحقق ومكسب يعطي اتحاد الكتاب اطارا أرحب للتلاقي والتحاور وأداة عمل أنسب وأكثر فاعلية ليقوم الكتاب برسالتهم فى خدمة الادب والفكر وأنا معتز لأني وزميلى وأخى الاستاذ

البشير بن سلامة ساهمنا من موقع المسؤولية السياسية منذ تكوين هذه الحكومة سنة 1980 في تذليل الصعوبات والاستجابة الى هذا المطلب القديم ، وأعيد القول بأني معتز لأني لا أعتبر نفسي غريبا عنكم رغم البعد الذي حتمته المسؤوليات بل أشعر بصلة الرحم وهى أقوى وأعمق ما تكون لان الشؤون السياسية ، كما صدعت بذلك مرات كثيرة ومنذ سنوات بعيدة ، انما هي أداة لتحقيق القيم والمبادىء والاهداف البعيدة التى يؤمن بها الكاتب ويقف حياته من اجلها . انما تهب المسؤولية السياسية فاعلية أقوى لتحقيق هذه الاهداف . أما المهم والاصل فهو هو ، ثابت دائما لا يتغير وهو الوفاء للذات والالتزام بنصرة القيم السامية .

وفي هذه المناسبة أود أن اهنئ الكتاب التونسيين بهذا المكسب وعلى رأسهم أخي وزميلى الاستاذ محمد العروسى المطوي وهو أحد مؤسسي اتحاد الكتاب وفي مقدمة المناضلين في صفوفه ولا أشك في أن اتحاد الكتاب سيتوسع من الآن فصاعدا فى النشاط ويكون أقدر على الاستجابة الى حاجات اعضائه وتيسير العمل لهم .

لقد أشار منذ حين الأخ العزيز الاستاذ البشير بن سلامه الى صفة من الصفات الكثيرة التى تحلى بها اتحاد الكتاب لا بالرجوع الى ما نص عليه قانونه الاساسي فقط بل في سلوك ومعاملات أفراد هيئته المديرة وأغلب المشتركين فيه وهي صفة صعبة المنال وأقصد التسامح . نعم لقد نجحنا و الحمد لله منذ تأسيس اتحاد الكتاب فى احترام مبدأ التسامح . لا شك أن وحدة الاتحاد ، وقوته ، فى تنوع مشارب المنتسبين اليه واختلاف أفكارهم واتجاهاتهم . ان الوحدة فى التنوع وحتى فى الاختلاف ، هذا ما لم يفهمه بعضهم وهذا ما ثبتت مصلحته ومصداقيته فى تونس وفى خارج تونس .

بل انظروا حولكم الى كافة اتحادات الكتاب فى المنطقة العربية على الاقل وتأملوا في أسباب تشرذمهم وتوزعهم وخصوماتهم وتعصب هذا الفريق على الآخر وكيد هذا الفريق للفريق الآخر وكيف ذهبت ريحهم جميعا وذابوا من الارض وبقى المجتمع يهزأ بهم وفي أحسن الحالات لا يبالى بوجودهم بل يجهل وجودهم .

إني - ومن زاملني في العمل ضمن الاتحاد اثناء سنواته الاولى - أذكر الى أى حد كنا نحترم خصوصية كل عضو من أعضاء الاتحاد وطرافته وكيف كنا  نحرص الى حد المبالغة على ألا نصدر حكم قيمة على هذا الانتاج أو ذاك وانما كنا نجتهد ، بقدر المستطاع ، فى اتباع واحترام مقاييس موضوعية هي الفيصل

فى أحكامنا وهي التى نرجع اليها وتحتكم ، وانها لرياضة اخلاقية ومعنوية صعبة المراس أسهل منها وأيسر بكثير أن نصدر أحكاما فنلغي هذا الانتاج أو نستصغر شأن هذا الكاتب أو نستعظم الآخر لا لشئ الا لانه صديقنا الشخصى أو لانه يعتنق نفس المذهب الذى نعتنقه أو ينتمى الى الجيل الذى ننتمي اليه أو الجهة التى نحن فيها نبتنا .

ان ضمان ديمومة الاتحاد يكمن فى التسامح والايمان بأن القوة والوحدة والبقاء سرهما التسامح والتماس القوة من التعدد والتعايش لا من قولبة الكاتب وفرض نسق عقائدى او جمالى واحتكار العصمة . ان لديمومة الاتحاد ونجاحه أسبابا في مقدمتها هذا الالتزام بالتسامح الذى يقتضى التواضع والاحترام المتبادل .

واذا سمحتم لى بأن أتقدم برجاء بوصفى ساهمت معكم فى تأسيس الاتحاد وترأسته طيلة عشر سنين فهو ان تحافظوا على هذه الصفة حتى يبقى الاتحاد على ما هو عليه يزيد قوة ويجمع فى صفوفه اكثر ما يمكن من الادباء والخلاقين .

والملاحظة الثانية التى أسمح لنفسى بأن أجهر بها - باعتبار أن هذا اللقاء ليس لقاء تشريفاتيا بل فرصة لنجدد العهد ونتحاور - هى أن يواصل الاتحاد التعاون مع الحكومة ولا أقول هذا لأني رئيس حكومة بل أقول هذا لأني كنت رئيس اتحاد وتعاملت مع الاجهزة الحكومية حينذاك ورأيت أن فى التعامل مع المسؤولين غنما كبيرا للكتاب ذلك أن من القضايا القومية ما يستوجب التعاون بين الحكومة والكتاب لعلاجها وربحها ولسنا واثقين من أننا نستطيع دائما ربحها بأدنى التكاليف ، وفي أقرب الآجال نظرا لاستعصائها ولوجود عقبات كأداء فى طريقها ! فمهما كانت أفكارنا السياسية وتنوعت مشاربنا الاديلوجية فنحن متضامنون ملتزمون بالعمل من أجل ازدهار النشر وتحسين التوزيع ويبقى كل واحد منا حرا لان التعاون ارادى يقتضى اختيارا تلقائيا يجب أن نتعاون كما تعاونا من قبل فى ملتقياتنا فى تونس وفي الحمامات وفي غيرهما لنقحم الانتاج التونسى فى البرامج التربوية ولنعمل على حل قضايا الورق والطبع . فليكن الكتاب مثالا للتقدير المتبادل واحترام كل الآراء .

والكسب الكبير فى قضية النشر مثلا أن يكون الكتاب استطاعوا ان يقنعوا الحكومة فى بحر هذه السنة بأن تتحمل - سواء عن طريق شركة تونس الجوية أو عن طريق وزارة الشؤون الثقافية - تكاليف معلوم نقل الكتب والمجلات الى مختلف البلدان العربية وأن يكون ذلك مجانا بالنسبة للناشر أو الكاتب فهذا

غنم كبير كنا منذ خمس أو ست سنين لا نتجاسر على مطالبة الدوائر المسؤولة به . وكسب كبير كذلك أن يدعم صندوق التعويض الورق الثقافى وأن تزيد وزارة الثقافة من نسبة مشترياتها من الانتاج مهما كان . لكن المكاسب التى ننتظرها ما زالت كثرة ويحب أن نعمل اليد فى اليد حتى نحققها مكسبا مكسبا .

فأيهما أحسن للكاتب ؟ هل هو الوقوف على الربوة وتوجيه الاتهامات والتباكى على حظ الثقافة والتشاكى من الاضطهاد الحقيقى أو الوهمى أم دخول المعمعة وممارسة النضال اليومى ملفا ملفا وقضية قضية ؟ هذا هو الاختيار الكبير الذى يفرض نفسه على الكتاب .

وأنا بصفتى مسؤولا فى الحكومة أوجه مرة اخرى الدعوة الى الكتاب ، الى اخوانى فى الوطن . الى زملائى فى القلم ، الى رواد الفكر والثقافة فى هذه البلاد ، الى أمل الشعب التونسي فى الغد الحضارى الاسعد أوجه لهم الدعوة بهذه المناسبة من صميم القلب حتى ( يتعصبوا ) للتسامح ويتعاونوا بعضهم مع بعض وجميعهم معنا ويجتنبوا حرب الطبقات ولا يكون الحقد هو المحرك لاقوالهم وأعمالهم فتكون المحبة هي التى تجمع بينهم وبيننا وان يقدر بعضنا بعضا على اختلاف آرائنا ولون انتاجنا . وانما البقاء للاصلح والتاريخ يحكم لكم أو عليكم بقدر ما توفقون أو لا توفقون فى هذا الدرب على أساس التسامح والتعاون مع كل المسؤولين فى سبيل القضايا التى هى قضايانا جميعا . هذه هى كلمتى . وأنا عندما استقرىء أحوال بعض الاقطار العربية أتأسف اذ أرى بعضهم ينعق ويصيح ويقضى الوقت كله ليسجل هدفا لفظيا بينما الصناعة طويلة كما يقول الجاحظ والعمر قصير ، فلتنتج ولتخلق أى شئ ايجابى تكتبه وأى كتاب تنشره وأى مسرحية تخلقها وأى عرض تنظمه كسب لك ولبلادك. دعنا من الامور السلبية يا أخي ولا تكن في الشجار مثل الحماة المشاكسة ولا تكن مثل أولئك الحانقين الحاقدين الذين يعتقدون انهم يخلقون ادبا وهم يفرزون السباب والشتم والغمز واللمز والهمز يسجلون الاحتجاجات ! دعنا يا أخي من هذا واكتب - هداك الله - وانتج وافرض نفسك فى الانتاج . أنا لم يبلغ بي الصلف درجة ادعي معها أنى متواضع ! ولهذا أقول : لو لم أتسامح في ( الفكر ) ولم أعانق كل الاتجاهات رغم اختلافى معها أحيانا لما عمرت ( الفكر ) تسعا وعشرين سنة ، فلأول مرة فى تاريخ تونس الفكرية يصمد مشروع ثقافى ويواضب . ولو بقيت كبعض الناس مذ كان عمرى خمسا وعشرين سنة اكتب من حين لآخر كلمة ( بماء العين ) احتج فيها على فلان لظللت أسجل الاهداف

وأطلع باحتجاج ساعة بعد ساعة فيقولون عني : والله ان فلانا شجاع لا يتواطأ . وأنا بالعكس أقبل التعامل مع كل الناس وأعاشرهم دون أن أكون بالضرورة مثلهم ! طالما أن مسيرتنا المشتركة تقوم على التسامح والصبر والمحبة لان التسامح هو دليل المحبة والاحتجاج والرفض دليل الحقد فعندما أحبك وأحب الناس من حولى أقبل منك ومنهم كل شئ أما إذا ركبني الغرور فانى أتعصب عليك وعليهم فلا يعجبني شئ ومن حين لآخر اكتب مقالة نارية وهذا امر لا طائل من ورائه . انظروا بيانات بعضهم واحتجاجات بعضهم وصياحهم فى السنوات العشر الماضية ! انها هراء . لقد أرعدوا وأزبدوا ولم يبق من كل ذلك ( الرغوة والزبد الذى يذهب جفاء ! ) .

انظروا الى ما بقى ثابتا في الساحة الثقافية من كتب ودارسات لافي تونس فقط بل في مصر ولبنان وهما أكثر البلدان العربية انتاجا فماذا بقى من طه حسين ؟ بقى انتاجه . وماذا بقى من العقاد ؟ بقى انتاجه . فالعقاد عملاق وطه حسين عملاق والمازنى عملاق لكن انظروا الى الاقزام الذين كتبوا العرائض والبيانات ضدهم ربما الشئ الوحيد الايجابي الذي نتج عن تطاولهم هو كونهم اصبحوا معروفين لدى البعض فالذى انتقد طه حسين أصبح معروفا لانه تجاسر وانتقد طه حسين أو شوقي . ولدينا كذلك أقزام وليس هذا هو الادب الصحيح والانتاج الثابت أقول ما أقول بدون مركبات ومن دون أن أغير موقفي المعروف منذ أكثر من ثلاثين سنة أى منذ أن كنت معكم أستاذا وأديبا وأثناء مداولاتنا فى جلسات ( الفكر ) التى تواصلت اكثر من عشرين سنة وقد نشرت بمجلة ( الفكر ) لعز الدين المدني ( الانسان الصفر ) عامي 1968 و 1969 رغم كوني غير موافق على كل ما جاء فى ( الانسان الصفر ) والتاريخ سوف يسجل ذلك لأني كنت أعتقد ان هذا الشاب له ما يقول ولا بد من تشجيعه على الانتاج. وعندما جاءني البشير خريف عام 1959 وسلمنى روايته : ( حبك دربانى ) طلبت منه اضافة عنوان ثان واقترحت عليه ( افلاس ) حتى يفهه الاخوان فى العالم العربي فاستجاب لاقتراحى . ولما بدأنا قراءتها تضاحك بعض أعضاء أسرة " الفكر " فقلت : هذا أدب . ولو ضحكت من قصته كما فعل بعضهم ولم أشجعه لتسبب له ذلك فى مركب أبعده عن مواصلة الانتاج ولحرمنا من الاستمتاع ( ببرق الليل ) و ( خليفة الأقرع ) و ( الدفلة فى عراجينها ) وغيرها من القصص . وبذلك ساهمت أنا وزملائى فى خدمة الادب .

ان جعل اتجاه الكتاب يقف على ساقيه ليس مسألة سهلة لان الكثير من الجمعيات تتكون وبعد أشهر تعصف بها رياح الانانية والتعصب والصلف !

ويفسر البعض هذه الظاهرة السلبية بقلة التشجيع أو بالظروف السياسية ! ان المسؤولية ليست فى أن تحقق كل ما يطلبه الناس فى فترة معينة بل فى أن تحقق الديمومة للمشروع حتى يقف على ساقيه .

ان ادارة شؤون البشر ليست سهلة وليس من اليسير أن تجمع حولك فريقا يتكون من عشرة كتاب كل واحد منهم يعتد بنفسه ولا يرى الكمال والكفاءة الا في شخصه . ان العمل مع مثل هذا الفريق يتطلب الكثير من الصبر والمصابرة ونكران الذات ! لان المهم ليس المصلحة الشخصية بل مصلحة الكتاب ومصلحة الادب العربى .

لو لم اوثر الايجاز لاعطيت لكم نماذج من خيبات الظن التى حصلت لى فى ادارة مجلة ( الفكر ) أو فى ( اتحاد الكتاب ) من طرف بعض الذين لا يعملون ويسوؤهم أن يعمل غيرهم ! ولكن الذى يهمنى اليوم هو أن أعمل على تحقيق ولو ثلث الاهداف وعلى أن يبقى الاتحاد قائما وتبقى المجلة قائمة ويبقى للثقافة اشعاعها هذا هو الصبر الذى لا يتصوره الكثير من الناس . لقد ضحينا بأوقاتنا وبأوقات أبنائنا وبمتعتنا الشخصية فى سبيل غاية تتجاوزنا ولم نغنم لانفسنا من ذلك لا ناقة ولا جملا بل قمنا بما قمنا به لاننا نجد فيه نخوة واعتزازا وأنا اليوم معتز بكل ما قدمت للادب العربى فى تونس مهما كان متواضعا ! وأريد أن يعرف الشباب من خدم اتحاد الكتاب سنة أو عشر سنوات وأن يعرفوا لماذا واصلات ( الفكر ) مسيرتها على امتداد ثمانية وعشرين سنة وما زالت تواصلها . وهي مجلة غير حكومية شقت طريقها واشتد عودها وتركزت فى السنوات الاولى من عمرها وصاحبها لم يكن وزيرا بل أستاذا أخذ من أوقات فراغه القليلة ما مكنه من التحرير والمراسلة والاشراف على الطبع والتوزيع وجمع الاشتراكات ! بفضل المجهودات التى بذلها .

هذا ما أحببت أن أقوله لكم بكل صراحة فى هذه المناسبة السعيدة وأنا اعرف أن ما قلته قد لا يوافقني عليه البعض ويمكن أن يعلق عليه سلبيا ولا أرى مانعا فى ذلك بل أتحمل مسؤوليتى لأنى أعيش وأموت من أجل أفكارى المستمدة من حب الوطن والايمان بالقيم .

هذا ما نشأت عليه وسأظل وفيا له لانه طعم الحياة وسبب الوجود . وقل اعملوا فسيرى الله أعمالكم ورسوله والمؤمنون !

اشترك في نشرتنا البريدية