الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

* اثريات *، ـــــــــــــــــــــ، الحجر , بها بيوت لا قبور

Share

لم يكن لنا من كتابة هذه المقالة الصغيرة غاية اخرى الا ابطال ما قاله المستشرفون الغربيون وأكثر الرحالين منهم عن الآثار الاسلامية الخالدة لا سيما المنحوتات فى صخور الحجر . فانهم يرون انها كانت مقابر ومدافن وأضرحة للأموات ولم تكن منازل للأحياء السكان .

ان الصخور بالحجر - خاصة جبل الاثالث فى الموضع المعروف باسم " مدائن "

صالح - قد تكونت من الرمال المتراكمة التى مكثت تحت ثقل ماء البحر لعدة ملايين السنين ، ثم تحجرت . ويسميها علماء الجيولوجيا : " the Lower Paleozois Clastic rocks"

وحينما كانت هذه الصخور مغمورة تحت الماء غطتها طبقة لطيفة من مادة رقيقة ( من مركبات المغنيسيون والحديد ) فتشكلت مثل بيوت ديدان البحر كالاسفنج والمرجان . وقد تحجرت بدورها أيضا .

كانت الحجر مدينة قديمة عامرة حينما قال سترابو  (Strabo) : ان Egra ( أى الحجر ) ميناء ، وهذا القول منه غلط واضح . وقال بلينوس ( Pliny ) : ان Epa ( اى الحجر ) مدينة ذات نخيل وهى مشهورة عندنا بأسواق الذهب والبخور ، ويمر بها طريق القوافل الى جزيرة العرب السعيدة . وقال بطلميوس ( Ptolemy ) : ان الحجر مدينة قديمة مشهورة بالتجارة . وروى :

أنه كان بالحجز خزائن الاسلحة والاموال ، واندثرت ودفننت القرية تحت الرمال بعمق عشر اقدام ( = ٣ أمتار ) .

منذ قرن شاهد جماعة من الرحالين الغربيين هذه الصخور ووصفوها لنا بفوائد كثيرة . ومزجوا ملاحظاتهم بالظنون والأوهام . ولم يكن من حاجة لنا الى ان نلتفت الى دعواهم لولا أن في بعض أوهامهم معارضة لآيات القرآن الكريم . أولها وأهمها دعواهم أن المغارات التي نحتت في بعض الصخور بالحجر كانت قبورا لا بيوتا .

ان أهم الدلائل عندهم هو ضيق المنازل . وهو حق لانه كان لكل مغارة بالحجر - صغيرة أو كبيرة أو ذات طابقين أو ثلاثة طوابق -

* ترجمة موجزة * ـــــــــــــــــــــــــــــــ *لكاتب المقال* _____________ ولد الدكتور رانا احسان آلهى في لاهور باكستان الغربية سنة ١٩١٧ م وتلقي علومه في لاهور في الكلية الحكومية ثم ارتحل الى هولتان في باكستان الغربية ودرس في الكلية الحكومية العلوم الاسلامية وفي سنة ١٩٥٥ م سافر الى انكلترا والتحق بجامعة كمبرج وتخرج هنها قبل انتهاء سنتين على التحاقه بها بشهادة الدكتورية في الآثار والتاريخ الاسلامى بموجب رسالة تقدم بها الى الجامعة عن ياقوت الحموى صاحب معجم البلدان . وقد قام بمناقشات علمية وادبية مع الادباء والمفكرين الغربيين وفلجهم في ماجريات التاريخ والآثار الاسلاميين .

مدخلا واحدا أى بابا بدون نوافذ وتساءلوا كيف كان السكن والحياة ممكنين فيها بدون نوافذ . وعلاوة على ذلك وجدال الرحالون عظاما انسانية منتشرة فى بعض الكهوف هناك ، مما أكد لهم رأيهم .

ثم زعم بعضهم مثل دوتى ( Sh . M . Douqhty ) ورويان ( E . Renan ) وبرجر ( M . Ph . Berger ) وهوبر ( Huber ) ويوتنج ( Euting ) وغيرهم أن العبارات والشعارات الباقية الى اليوم التي رسمت على هذه المنازل تدل على أنها مقابر لا سيما صورة الطائر الهائل الذى ظنه الغربيون البومة أو الهامة التى تطير عن قبور القتلى وتصيح مخاطبة الورثة داعية للثأر : " اسقوني اسقوني " . وزعم بعضهم ان الصورة للنسر . وشاهد بعضهم رسم رأس انساني على واجهاتها فوق بعض

المداخل ، وعلى كل جانبي الراس الانساني رسم حية . فقال المستشرقون كلهم : هى كناية عن الموت .

ثم عددوا وأكثروا من الدلائل فى هذا الاتجاه . وقد أسفنا أن نجد الاستاذ أحمد فخرى معهم حينما قال : " فى منطقة مدائن صالح والعلا توجد مقابر كثيرة فى الصخر حليت واجهاتها بالرسوم وكثيرا ما ترى رسم النسر على واجهاتها فوق المدخل أحيانا وعلى جانبيه أحيانا أخرى ، كما نرى فوق مداخل المقابر البقايا المهشمة لرؤوس انسانية على كل من جانبيها رسم حية . وما من شك فى أن كثيرا من هذه المقابر ما زال مدفونا تحت الرمال . والمنطقة كلها فى انتظار من يقوم بالبحث فيها "

بين الآثار والتاريخ ، ص ٢٩

وقال الاستاذ عبدالقدوس الانصارى : رفع غطاء هذا الوهم عنا هاردنج (Lencader Harding)

وأوضح لنا أن كهوف سلع هي مساكن لقوم أحياء وما الذى يمنع أن تكون كهوف مدائن صالح كذلك ؟ " ( ص ٢٦٤) قول هاردنج هو : انى أظن أن بعض كهوف سلع ( أى : لا كلها ) هي مساكن لقوم

أحياء ( ١ ) فلأجل هذا ما يفيدنا قول هاردنج . ولقد أعطانا توفيق الله برهانا قاطعا وردا مانعا حينما سافرنا مع جماعة من طلاب جامعة الملك عبد العزيز بجدة في الاسبوع الاخير من شهر ذى القعدة ١٣٩٠ هـ الى مدائن صالح ، وانما التوفيق من عند الله عز وجل ، ولم يعثر على هذه الحقيقة أحد قبلنا ، والامتياز فيه لجامعة الملك عبد العزيز التى اعطتنا فرصة ذهبية لزيارة مدائن صالح .

شاهدنا أبواب المغارات ، وقد كان غلق كل الأبواب ) اللهم الا باب احدى المغارات أى بيت الصانع ) من الداخل وليس من الخارج . وهذا دليل ناهض على أنها مساكن لا قبور . والا لما أمكن ان تكون مغاليق الابواب من الداخل ، وذلك ان الناحت حفر في داخل كل باب أربع نقر مربعة ( ٣ سم × ٣ سم ) اثنتان في كتف الباب ( Jamb ) نحو اليمين ، واثنتان باتجاه الشمال . النقرتان اللتان في الكتف اليميني ليستا عموديتين لان النقرة العالية مائلة الى الخارج والنقرة السفلى مائلة الى الداخل ، وكان هذا تدبيرا محكما لغلق منازل سكان هذه المغارات . وكان لكل باب عود واحد من الخشب ، وفي أعلى العود كانت شعبتان أو لسانان توضعان في النقرتين العلويتين ، ويوضع السد ( الضخم ٥ سم × ٥ سم ) ، وطوله زائد عن عرض العود بستة سم ) يوضع في منتصف الباب كما أوضحنا في رسم بيانى لغلق الابواب . وطبيعي ان لا يجد الاستاذ محمد عبد الحميد مرداد أثرا من الخشب أو الحديد على أبواب هذه المغارات ولو حيره ذلك لان الخشب لا يبقى طول هذه المدة ( ص ٢٩٣)

كان لكل باب عود واحد صنع من الخشب كما قلنا ، ولو كانت اعواد الأبواب من الحجر أو من الحديد لكانت ثقيلة جدا ،

وعلاوة على ذلك فان انكسار المغلاق من الحجر اسهل ، ولهذا لم ينحتوا مغاليق الابواب من الحجر ولم نشاهد قطعات المغاليق الحجرية منتشرة عند الابواب أو حولها . ولم نجد شيئا من الحديد أيضا . وأما قولهم بضيق المنازل ، فهو غير

صائب . لان الضغط الجوى ( at mospheric pressurs ) بالحجر كثير ، فلذلك ينفذ الهواء فى كل زاوية من زواياها بسهولة وبسرعة . ولم نشاهد ضيق التنفس في مكان هناك لا حينما وقفنافي هذه المغارات ، ولا حينما صعدنا

الجبال ووثبنا من صخرة على صخرة أخرى لم نشعر بالتعب وسرعة التنفس مطلقا ، وشاهدنا دليلا آخر على كثافة الهواء بالحجر وهو أن أمواج الصوت تحرى بسرعة كلما تكلمنا أو دعونا زميلا لنا من بعيد ولم نحتج الى رفع اصواتنا ، فلا نرى أمكان الاختناق هناك فلا حاجة لنا الى الاشارة الى " زقاق الحمزاوى " ( كما قال الاستاذ عبد القدوس الانصارى )

أو الى Sum areain London أى حي فقير يزدحم بالمساكن الحقيرة الوبيئة ( ٢ )‌

وقد وجدنا بعد البحث أن المنطقة التى تقع فيها الحجر هى منطقة ضغط جوى كثير ويسميها علماء الجغرافية : (١ Elements of Geography ٧ ) " Subtropical highs"

وأما العظام البشرية التى توجد فى هذه البيوت فهى قليلة وكلها بدون جماجم . لم نجد بيتا واحدا ممتلئا بها . ولو كانت مقابر فلا بد  لها من أن تمتلئ بأكوام من العظام المتراكمة ولعل العظام الموجودة هى للرجال الذين " أخذتهم الصيحة " أو كانت مطروحة في المغارات فى زمن غير بعيد . وهذا أرجح عندى .

وأما صورة الطائر الذى رسم على اْكثر الابواب فهى ليست صورة بومة أو هامة او نسر ، والبومة ليست علامة الموت أو رمزا له ، عند العرب والامم السامية . ولو كان هذا الطائر الهامة فكيف يمكن أن تكون كلها قبورا للرجال الذين قتلوا ، بل ان هذا الطائر في نظرناهو الققنس ) Phoenix ( الذي يقال له السمندل والسبندل أيضا . . وهو طائر اذا انقطع نسله أو هرم ألقى نفسه فى الجمر فيعود الى شبابه وهو رمز للخلود فرسموه على المداخل للفأل الطيب . وقد ورد فى العهد العتيق  (Jeb.xxxi. ١٨)    "فلنجدد شبابه كالجول " أى كالققنس . ورسم لفظ " الحول " بالعبرى " "bin  وشاهدنا هذا اللفظ " بالعبرى " منحوتا في صخرة بالعلا .

والى الآن ليست صورة نصوص الكتابات المنقورة على مداخل البيوت بالحجر بين اْيدينا واذا هيئت لنا فاننا نرجو أن نقدم للقراء ترجمة وتفسيرا لها فى مقالة اخرى ونرجو اْن نلقي أضواء جديدة على هذه الآثار القديمة ان شاء الله .

وشاهدنا الحفيرات في داخل البيوت أيضا . كان بعض الحفيرات أقصر من طول الانسان ( مثلا كانت متراو نصف متر ). فكيف تكون هذه مقبرة ؟ فالحفيرات والرفوف والصفوف التى شاهدناها فى داخل المنارات تدل على انها كانت خزائن الاموال والثمار والبخور ، للاشراف أو الملوك الذين يسكنون فيها . وشاهدنا ١٢ كرسيا صنعت في درجتين . وكان أهل الحرفة وعامة الناس يسكنون بيوت المدر فى الوادى ) وهى الآن مطمورة تحت الرمال ) .

وقد شاهدنا مواضع القبور وتقع فى مساحة ثلاثة كيلومترات طولا وهى متسعة

بين الصخور وبين الصانع . ومن بين تلك القبور وجدنا قبرا طويلا ( طوله نحو ٣ امتار ) ولعله كان لفارس شجاع دفن هناك مع اسلحته التى منها الرمح والسيف . وأمثاله كثيرة ( مثل قبر نوجزه أو قبر فليبوس فرس الاسكندر المقدوني ) .

وكان الخشب موجودا بكثرة في هذا الوادى لصنع الزخارف العريضة منه ( ٥ سم ضخامة ومترو نصف قطرا ) وينبت هذا الخشب في تراب هذا الوادى مما يدل على انه كان في هذا الوادى غابات الاشجار الضخمة ، لان الزخارف الغليظة تستلزم وجود حرارة شديدة ، ويلزم للحرارة الشديدة حطب

كثير من الاشجار الضخمة . وما كان الحطب ممكن الوجود الا بوجود الغابات الملتفة من الاشجار الضخمة القريبة من تلك المدائن .

فسبحان الذي يقول : ( ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وآتينهم آياتنا فكانوا عنها معرضين * وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين . فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) صدق الله العظيم . " القرآن المجيد ، ١٥-٧٩-٨٤ "

اشترك في نشرتنا البريدية