الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

اثر ابن خلدون فى النهضة الفكرية، للتاريخ الحديث

Share

كان ظهور ابن خلدون * فى اواخر القرون الوسطى حدثا له اعتباره الخاص لانه كان من الشخصيات القلائل التى يؤثر ظهورها في مجرى التاريخ تاثيرا جوهريا ينقطع به ذلك الركود الذى يسيطر احيانا على منابع الحياة الفكرية دهرا طويلا فلا يرتفع الا بظهور عبقرية خارقة للعادة تفور بها المنابع الغائرة وينقلب

سير المجارى الى تيارات لم تكن تندفع نحوها من قبل .

فقد امتاز ابن خلدون بنزعته الشخصية واسلوبه الذى لم ينسج على منوال سابق . فكان التراث الذى خلفه لنا من علمه وبحثه مثالا موجها للاساليب والنظريات التى استنارت بها عقلية العصور الحديثة

تكون ابن خلدون تكونه الثقافي فى القرن الرابع عشر بجامعة تونس الاسلامية الكبرى الزيتونة على الطريقة التى تكون بها امثاله من اعلام الثقافة الاسلامية بالمغرب

على الصبر   طريقة ابن رشد  التى تقيم التربية العقلية على ثلاث قواعد متوازية - الدين الاسلامى ، والأدب العربى ، والفلسفة التعليمية الجديدة ، التى شيدها الفلاسفة المسلمون على اصول فلسفة ارسطو اليونانية ثم ان ما تمكن لابن خلدون من المشاهدات التى يعز تكرر امثالها فى التاريخ وما استفاد من تلك المشاهدات من العبر وما اكتشف من دخائل السياسة ومكائد القصور فى نظم الحكم التي

مارسها بتونس والجزائر والمغرب الاقصى والاندلس قد بعث انتباهه الى ملاحظة الوضع السئ الذى كانت عليه الدول الحاكمة والوضع الاسوأ الذي عليه المجتمع المحكوم . وكلما انتقل من قطر الى قطر رجاء الظفر بالمثال الصالح تبين له بما يجابهه من الخيبة ان نظم الحكم في تلك الاقطار قد كانت من فساد الوضع بحيث لا يفضل بعضها بعضا . هنالك استقر حكمه على ان للدول والمجتمعات صورة مثالية صالحة ينبغى ان يبحث عنها فى النطاق الخارج عن واقع عصره . فاتجه الى الصورة الاصلية للحكم الاسلامي الواضحة فى ذهنه استمدها من عناصر ثقافية واتخذها بمقتضى يقينه في العقيدة الاسلامية ، المثال الاكمل للدول والاضمن لصلاح المجتمعات المحكومة به

ولما قارن تلك الصورة الواقعية تبين له البون الشاسع بينهما فهاله وكون فى نفسه دوافع قوية لسبره وضبط مداه فدفع به ذلك الى اجراء طريقة من التحليل للوضع الاسلامى فى ما يرجع الى الدولة والسلطة وحق الحكم ووسيلته وخطط تلك الطريقة التحليلية على مبادئ المنطق في ترتيب المقدمات واستخراج النتائج . ثم قارن بين الصورتين المبدئية والواقعية على قاعدة " القياس الاستثنائى  فاتضح له مقدار الاختلاف بينهما مضبوطا محدد المواقع . ودفع به ذلك الى طلب الأسباب التى قضت بالاختلاف فاخذ يصنف مواقع الاختلاف بارجاع بعضها الى بعض واخراج الاوجه الجامعة بينها ويستنبط لكل صنف من اصناف الاختلاف علة كلية مستمدة من استقراء الجزئيات وتعميم الحكم عليها ، يشرح بها ان الجزئيات المتكررة ما هى الا مظاهر لقاعدة ناشئة من الطبع الانسانى باعتبار مظهره الفردى تارة وباعتبار مظهره الجماعي تارة اخرى حتى صارت تلك القواعد العامة فى نظره قوانين طبيعية يسير عليها تطور المجتمعات البشرية من حيث علاقتها بنظام الحكم وتلك القوانين هي التي تتسبب بحسب ملابسات الظروف فى اخراج صور التاريخ على نحو ما هي عليه

وبهذا كانت " القوانين الطبيعية " التى قررها ابن خلدون في مقدمته متولدة عن تفكيره الخاص وبحثه الشخصى لانه لم يتح لاحد قبله ان يدرس المجتمع الانسانى على الطريقة التى درسه هو بها من اعتبار صورة مثالية كاملة  لا ريب فيها من جهة واعتبار مظاهر واقعية منحرفة عن تلك الصورة من جهة اخرى وتطلب القانون الطبيعي الذي قضى بذلك الانحراف . فجاءت المقدمة " المتضمنة لتلك القوانين وضعا جديدا مبتكرا من اوضاع الدراسة التاريخية كما شعر هو نفسه بذلك وصرح به فى تقديم مقدمته

وعليه فان ابن خلدون بهذا الصنيع المبتكر يعتبر السابق الى فتح مناهج البحث فى حقيقة الاجتماع الانسانى وتقرير الاساليب لتعليل التطور التاريخي على طريق لم يطرق قبله . وبفضل ابن خلدون في فتح ذلك الطريق تاتي للعصر الحديث ان يسلك المناهج العلمية التى بدا فيها بروز علم الاجتماع  وعلم الايتنوغرافيا وتقدمت عليها المباحث التاريخية والجغرافية . وفوق ذلك كله ازدهار " المنهج " العلمي الذي اختصت به النهضة الفكرية فى اوروبا . مند القرن الخامس عشر واشتد به ساعد الحكمة التجريبية فى القرون اللاحقة

واذا كان للقرن التاسع عشر ان يفتخر بظهور علم الاجتماع وبما لامثال " اوغست كومت " و " هربرت سبنسر " من فضل فى تقدمه فان فضل اولئك الاعلام مدين لابن خلدون بما وضع بين ايديهم من اصول علم الاجتماع الذي كان هو واضعه الحقيقي

فليس فى آثار الحكمة السابقة لظهور علم الاجتماع على يد اوغست كونت من اثر يتناول موضوع الاجتماع الانسانى بطريقة فلسفية غير اربعة كتب - هي كتاب الجمهورية لافلاطون و كتاب السياسة لارسطو طاليس  وكتاب آراء اهل المدينة الفاضلة للفارابي والمقدمة لابن خلدون . ولكننا اذا قارنا بين هذه الكتب تبين لنا ان ليس فيها ما يتناول الاجتماع بالبحث عن اصول تكونه وعوامل تطوره ونواميسه الطبيعية غير مقدمة ابن خلدون فان افلاطون والفارابي قد عنيا بالجهة الاخلاقية المثالية بدون نظر الى الواقع الخارجى . فلم يصفا طبع المجتمع ولم يعللا لماذا كان كذلك ولم يكشفا عن القوانين المقتضية لاختلاف اشكاله واطواره وتفاوت نسبتها قربا وبعدا من المثل الصالح ، وارسطوطاليس تناول السلطة الحكمية من مسالك الرشد واسباب النجاح وواجبات الصلاح فى طور توجيه تربوى عملى ولكن الوحيد من بين هؤلاء الذين تناول ماهية الاجتماع وعوامل التوحد الاجتماعى وعلل اختلاف اشكال المجتمعات وتطوراتها بصورة تتلاقى مع الغاية التى توخاها كونت فى محاضراته انما هو ابن خلدون وحده حتى ان كلمة الطبيعة الاجتماعية Physique Socile التى حدد بها اوغست كونت موضوعه ، هى عين الكلمة التى اخترعها ابن خلدون ورددها وضبط بها غاية بحوثه " طبيعة العمران "

وان ملاحظة الظروف التى كانت تعيش فيها الحركة الفكرية باروبا فى القرن الرابع عشر وما بعده لتدلنا على ان بحوث ابن خلدون الاجتماعية

لم تكن بعيدة عن الاتصال بمجارى التطورات العلمية والادبية ولم تمر غير مشعور بها . فقد صدرت مقدمة ابن خلدون في العهد الذى كانت فيه المدارس العلمية باروبا شاعرة اتم الشعور بماهية الثقافة الاسلامية ومنبهرة انبهارا عجيبا بتقدم المسلمين فى الرياضيات والطبيعيات وبخاصة فى الكيميا  وكان " رجى بيكن " Roger Bacon قد وجه مدرسة كسفرد واروبا كلها الى اهمية مذهب ابن رشد في الحكمة التجريبية كما كانت المترجمات الهامة للكتب العربية في الطبيعة والكيمياء و الجبر والفلك قد انتشرت انتشارا وصل بين مسالك التفكير الاسلامي وبين اتجاهات اليقظة العقلية فى اروبا زيادة على نشاط حركة الاستعراب وتكاثر عدد المستعربين الذين بداوا يرتادون البلاد الاسلامية وخاصة المغرب العربى للبحث عن شؤونها ، وعلى ما كان من اشتداد حركة النزاع بين الاسلام و النصرانية فى اسبانيا وما نتج عن ذلك من تكرر المفاوضات و المهادنات وتبادل السفارات بين قصور الملوك المسلمين فى غرناطة وفاس وقصر الملوك المسيحيين فى قشتالة . وقد كان ابن خلدون بنفسه متوليا بعض تلك السفارات

وكل هذا يظهر لنا ان مقدمة ابن خلدون بمجرد بروزها فى بلاد الاسلام قد لقيت تيارا قويا من الجاذبية اخذ بها وبما فيها من النظريات نحو الغرب المسيحى فكان ذلك فتحا لابواب من المعرفة وطرقا لمناهج من البحث تاثرت بها النهضة الاوروبية فى تطور الاساليب وانتاج القضايا العلمية والنظريات الحكمية بما بدت اثاره فى تطور المنهج الجغرافى والمنهج التاريخي وتولد علم الاجتماع ثم تولد علمي طبقات الامم ) ايثنوغرافيا ( وطبائع الامم ) انتروبولوجيا (

وان ما اصبحت عليه مناهج الدراسات التاريخية الان من اختلاف تام عن مناهجها القديمة حتى فى مدلول كلمة " التاريخ " لمرتبط كما كان لابتكارات ابن خلدون في اسلوب الدراسة التاريخية من التأثير في حركة التطور الفكرى فى القرن الخامس عشر . فقد كان التاريخ قبل ابن خلدون " حكاية وعرضا للاحداث فاصبح عند ابن خلدون نقدا وتمحيصا لدراسة الاخبار واعمالا لطرائق البحث الفلسفي لاستخراج صور الحياة الماضية بالقياس والاستنتاج واستنباط القوانين العامة من مقارنة صور الاحداث . وتلك هي الطريقة التاريخية الجديدة التى بدات تنتشر فى اروبا اواخر

القرن الخامس عشر بظهور ميكافيلى " فى ميدان الادب الايطالي ثم ازدهرت واشرقت بعد ذلك بما تعاقب من التطور فى القرن السادس عشر والسابع عشر فى عامة الاداب الاروبوية حتى ظهر عام التاريخ في صورته الفلسفية الرائعة فى القرن الثامن عشر بامثال مونتسكيو حيث اصبح علما ذا دراسة موضوعية وثيقة واتصل بالعلوم التى اصبحت مسائلها مقدمات له ، فصار من جملة " العلوم التجريبية " واتخذ لنفسه هالة من علوم عدة اصبحت " العلوم التابعة للتاريخ " ومن هذا الشكل الجديد الذى اصبح عليه علم التاريخ تولدت نظريات عامة اتخذت قوانين لتعليل الاحداث فاصبحت هي بذاتها مادة لدراسات تطبيقية امتدت بها تلك النظريات على صور الحياة الاجتماعية واطوارها فتولد منها علم الاجتماع فى منتصف القرن التاسع عشر . بعد ان ترجمت مقدمة ابن خلدون بنصها الى اللغة الفرنسية وطبعت فى باريس سنة 1934 . فان دراسات اوغست كونت التى تعتبر تاسيسا لعلم الاجتماع فى صورته الايجابية لم تبرز الا بعد تسعة عشر عاما في سنة 1851 بكتاب " مذهب السياسة الايجابية " Systeme de Politique Positive

وان الذى يقرأ قول ابن خلدون فى نقد مناهج المؤرخين القدماء انها " حوادث لم تعرف اصولها . محافظين على نقلها وهما او صدقا " ثم عندما يصف طريقته الخاصة بقوله : " ابديت لاولية العمران عللا واسابا . وسلكت مسلكا غريبا واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا . . شرحت فيه احوال العمران والتمدن وما يعرض فى المجتمع الانسانى من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكائنات واسبابها " يتبين له ان هذه الخطة هي التى سار عليها كونت بالضبط وكذلك الذى يرى ابن خلدون يمهد الى الكلام على المجتمع الانسانى بتفصيل الجغرافيا ويعلل اختلاف الامم باختلاف طبائع الارض وطبائع الجو وبما بين الابدان والاخلاق من التفاعل يدرك ان ابن خلدون قد وجه علم التاريخ الى اعتناق علم الجغرافيا وشوق الناس الى معرفة الجغرافيا بما حرك فيهم من غريزة التطلع الى معرفة انفسهم وبذلك صار لعلم الجغرافيا مظهر فلسفى انسانى هو الذى ارتفع به الى المنزلة التى بلغها فى عصر النهضة وظهر بها علم " الجغرافيا العامة " فى المانيا فى منتصف القرن السادس عشر .

اما نظريات ابن خلدون فى مظاهر الحضارة الفكرية والصناعية وقوانينها وارتباطها بالطبائع الارضية والاحوال الاجتماعية والاوضاع

الاقتصادية وفي اطوار الأنسانية الطبيعية من البداوة والحضارة وقانون تنقل الغلبة وما يرتبط بذلك من الاحوال الجغرافية فذلك هو الذي يدل على ان ابن خلدون قد بدأ يشير الى اندراج من البحث فى الدراسات الانسانية لها من القيمة الاصلية والغرابة ما كان سامحا لها بالظهور فى مظهرها الاستقلالي الذي بدت فيه بعلم الايتنوغرافيا

فابن خلدون هو مصدر تيار قوى جديد من الروح التجريبية والايجابية والنظر العلمي الواسع الافق تهذبت به العلوم الانسانية وتوسعت وتفاعلت واكتسبت من المعلومات المخترعة والملاحظات الطريفة ما دخل بها فى ادوار جديدة واظهر فى دائرتها علوما مستقلة ناشئة

وبذلك كانت له يد طولى على ابتداء العصر الحديث بما امتاز به من النهضة الفكرية والادبية وربما حتى حركة الاصلاح الديني بل ان تلك اليد امتدت آثارها حتى مست بتطور العلوم الانسانية فى القرن التاسع عشر فكان ابن خلدون استاذا مباشرة لكونت فى فلسفته الايجابية وآثاره فى العلوم الانسانية واستاذ بواسطة لدوركايم فى مذهب تاصيل القيم الاجتماعية . ) 1 (

اشترك في نشرتنا البريدية